العمران البشري والقرآن

المدينة وموسى والعبد الصالح

( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة )

قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح شهيرة، ورحلتهما المليئة بالأسرار، لا زالت محل نقاش العلماء والباحثين، وقد قدم فيها موسى عليه السلام نموذجا عميقا للإنسان الباحث عن العلم والفائدة، وضرب فيها العبد الصالح مثال العبد الممتثل للأمر الذي يقف في حد ما شرعه الله له.

ولست أدخل في تفاصيل تتعلق بكون العبد الصالح هو الخضر أم لا؟ وهل كان نبيا أم لا؟ لكنني أكتفي بالتوقف عند ملمح لفظ المدينة، وهو أحد المواقف القرآنية التي يظهر فيها الاستخدام الدقيق للفظي القرية والمدينة.

أمراض النخبة ( وقال نسوة في المدينة )

نحتاج في هذا السياق إلى الإشارة لقضية مهمة ينبغي التذكير بها، وهي أن القرآن ليس كتاب اجتماع أو مخصصا لبحث قضايا العمران البشري، لكن قصص القرآن تشير وتومئ لكثير من القضايا التي تهم المجتمعات ويمكن النظر إليها من عدة زوايا بالشكل الذي يضمن لنا الفوائد التي تعين على تطور الحياة الإنسانية وفهم عيوبها ومعوقات تطورها.

وبناء على هذا فالقرآن في قصصه يشير للنقاط المهمة في القصة ومواطن العبرة فيها عبر ألفاظه الدقيقة، وبالتالي فإن القرآن يشير إلى جوانب محددة ترتبط بمسارات القصة والعوامل المؤثرة في جريان أحداثها

( وجاء أهل المدينة يستبشرون )

هناك رابط خفي يلوح لنا بين كلمة بشر أي فرح وبشر بمعنى إنسان، والقرآن يستخدم البشر بمعنى التكوين البيولوجي للإنسان وخصائص هذا التركيب، ولذا فإن القرآن يخبرنا ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) وحتى البشارات تكون مرتبطة بالنعيم الحسي في الجنة ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) وحتى المعنى المعنوي في بداية سورة يونس ( وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق عند ربهم ) إن

المدينة في القرآن :( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)

هذه الآية هي الآية المفتاحية في فهم ملامح المدينة الثمودية، حيث ورغم أن الملأ قاسم مشترك بين المدن في القرآن، ورغم ذكر حوار الملأ في قصة صالح المتكررة في القرآن فإن سورة النمل خلت من ذكرهم واكتفت بالإشارة إلى المدينة الثمودية في ملمحها البارز ومرضها الأساس، وهو الاجتماع على الفساد.

المدينة في القرآن بين فرعون والنبي صلى الله عليه وسلم -1

إن طرقنا لموضوع المدينة في القرآن ليس في واقع الأمر من باب الترف الفكري، بل يأتي في سياق محاولة لفهم نظرة القرآن إلى المجتمع الإنساني ومسيرته، انطلاقا من السياقات القرآنية التي وردت فيه كلمة المدينة، سعيا لا للتوفيق بين المدني والديني، لأن المحاولات التوفيقية تأتي في حالات عديدة باجتزاءات في القراءة لكلا الجانبين.

لَقِّم المحتوى