الثورات لا تُحدثها القوى الخارجية وإنما يصنعها الفشل الداخلي..في حوار مع د.جاسم سلطان
عام الثورات" أوشك على الانتهاء وقد حمل رياح التغيير في أكثر من دولة عربية.. لكنّ هذا الحراك غير المسبوق في التاريخ العربي المعاصر – بعد حركات التحرر من الاستعمار – واجه أكثر من عقبة: مشكِّكُون يعتبرون الثورات وليدة تآمر غربي، ومحاولات لسرقة دماء الشعوب المراقة على أعتاب الحرية والمتاجرة بها في المزاد السياسي، وأنظمة تواجه مواطنيها بالقمع وترفع شعار "أنا وبعدي الطوفان".
اقتربنا من د.جاسم سلطان (المشرف العام على موقع النهضة ورئيس لجنة التوجيه الإستراتيجي بإسلام أون لاين) لفهم ما يدور في المشهد العربي.. وما موقع الخليج من رياح التغيير العاصفة.. ولم شكلت البحرين حالة استثنائية في طريقة التعامل مع مطالب مواطنيها.. وما هي العلاقة الجدلية بين الإسلام والثورات، ومتى يمكن القول إن التغيير بدأ يُرسي دعائمه في عالمنا العربي الذي استعصى على التغيير دهرا.. سألناه.. فكان هذا الحوار.
- لو كان لنا أن نسمي هذا العام بأبرز ما حدث فيه، جريًا على سُنَّة العرب قديما، لقلنا إنه "عام الثورات" بامتياز.. فما الذي حدث برأيكم؟
هذا العام ليس عام الثورات العربية فقط، بل قد يكون عام التحولات الكبرى في العالم لأن المشهد العام يكشف أن الأمور بدأت في العالم العربي ولكنها تجتاح العالم، وهي ممتدة إلى أمريكا وأوروبا وآىسيا ومناطق أخرى.
الذي يحدث هو أن تطلع الإنسان إلى الكفاية والعدل الاقتصادي، وأشواقه نحو الحرية والكرامة الإنسانية، وهما كانا نتاج الأحلام الكبرى التي بدأت بها البشرية عصرها الحديث، بدا أنها لم تتحقق، ونشأت أجيال تعتقد أن الحاضر قد سُرق منها، وأن المستقبل بدوره قابل للسرقة، فبدأت التحركات والتحولات الاجتماعية الكبرى.
- ولكن لم الوطن العربي أولا وتحديدا؟
أول مظاهر التحولات كانت في الوطن العربي لأن وضعه هو الأشد قسوة من بقية المجتمعات الأخرى. فإحراق الإنسان نفسه لأنه فقد الكفاية المعيشية والكفاية من الكرامة الإنسانية التي يعيش بها يبدو أحسن ترميز لهذه الحالة من القهر الذي يفجر الثورات.. الإنسان لم يعد يستطيع أن يعيش أولا، ولا أن يعيش بكرامة ثانيا.. وإحراق شخص لنفسه بسبب مصادرة عربة الخضار التي يقتات منها وصفعه على وجهه هي التعبير الملخّص لهذا الوضع المأساوي. وفي مصر مثلا، نحن أمام حالة شاب اعتقل وطُحن وعُجن جسمه بدمه ولحمه ثم ألقي وألبس التهمة فوق ذلك..
هذان المشهدان لهما دلالة كبيرة: قدرة "تغوّل" الدولة وعدم كفاءتها، فالناس لا تلقى عملا، ولا تجد سبيلا للحياة الكريمة، وفي نفس الوقت هي تعيش في أبسط القواعد الإنسانية وتجد نفسها في حالة طحن مستمر.
- نفس المشاكل كانت قائمة منذ عقود وليست وليدة الساعة، فما الذي تغيّر ليصبح العربي ثائرا؟
في السنوات العشر الأخيرة شهدنا تحولات مذهلة في مجال الاتصال، حيث لم يعد التواصل محليا بل كونيا.. ومعرفة الإنسان بما يدور من حوله أضافت بُعدا جديدا لحركة الإنسان وتصوراته. فالشاب الذي يعيش في تونس أو مصر يستطيع مقارنة نفسه بمثيله في العالم كله، ويستطيع أن يعرف أخبار العالم وما يحدث فيه من تطورات.. يستطيع أن يحلم بشكل أكبر، والفجوة الكبيرة بين أحلام الشباب وبين الواقع الذي يعيشونه والفارق في التوقعات تشكّل عبر زمن، فلا شك أن العقود الماضية راكمت قدرا من القهر والآمال الخائبة والأحلام التي قُتلت في مهدها، ووصل العصر الذي يستطيع أن يتواصل فيه مع غيره ويجرب فكّ هذا الاشتباك بين الواقع والأحلام..
هؤلاء الشباب الذين خرجوا في الثورات بشكل عام لم يكونوا حدثا مفاجئا، بل تم الحدث عبر مراحل في إشعال فتيل الثورة، فمن سنة 2004 تقريبا ظهرت الحركات ونمت وازداد الوعي كما في مصر مثلا.. وأذكر مقالا كتبه المستشار طارق البشري، وهو من أهدأ الشخصيات التي يمكن أن يقابلها إنسان، يقول فيه: "لم يعد هناك مقالة لقائل.. لو كنت شابا لخرجت إلى الشارع".. فعندما يصل شخص رزين وفي عمر البشري لقول كهذا فماذا تنتظر من شباب تتفاعل فيه الحماسة وإخفاقات الواقع؟
هذا كان – برأيي – السبب الأساسي في انطلاق موجات الثورات العربية.
القاسم المشترك.. بين الأنظمة والشعوب
- لو كان لنا أن نبحث عن قواسم مشتركة في الدول التي اندلعت في الثورات.. ما هي النتيجة التي نتوصل إليها؟
إذا نظرنا للدول الأساسية التي قامت بها الثورات، فسنجد فشلا اقتصاديا ذريعا وموارد غير كافية للوصول إلى الحد الأدنى من احتياجات الإنسان، وتعوّض الأنظمة عن حالة الإخفاق الاقتصادي بكمية قهر سياسي وعسكري للمواطنين.. هذا الإخفاق الضخم المتمثل في اتساع الفجوة الاقتصادية في المجتمعات وتوزيع الثروة داخل المجتمع، وانكشاف حالة القمع السافر للإنسان وعدم احترام كرامته.. هو المفجّر للصورات. ولهذا لما ثار الناس ذهبوا ليُحرقوا جهاز الأمن الذي كان يفترض أن يحميهم.. هذا التوجه الرمزي لرموز القمع يدلُّ على حجم الأزمة التي حدثت.
- وماذا عن القواسم المشتركة بين الأنظمة التي تُكرر نفس الأخطاء في مواجهة المطالب الشعبية؟
الذي يتضح من حركة التاريخ أن القديم لا يترك مقعده للجديد طواعية.. فالقديم – سواء كان أفكارا أو مؤسسات وبُنى – لا يعتقد أنه قديم بل يظن صلاحيته للمستقبل، ويرى أن الجديد هو تهديد لهذا المستقبل ولهذا عليه أن يحافظ على مكانه.. حتى في الدول التي نجحت فيها الثورات سنجد من يؤمن أنه بإمكانه إعادة العجلة للوراء، وبعضهم يستطيع مسايرة الموجة قليلا ثم يعود للخلف.. وهذا الذي أدى إلى نتائج متشابهة في المناطق العربية حيث أن الطغيان الموجود حقق مصالح ذاتية كبرى، هذه فئات تعرف أن مجرد تخليها عن مقاعدها سيُدخلها في دائرة المساءلة القانونية، ولهذا يتم التمسك بالسلطة إلى آخر لحظة ويرتقبون حدوث شيء ما يغيّر هذا السيناريو أو الكابوس وتعود الأمور إلى سابق عهدها.. والكل يعتقد أنه مستثنى وفي وضع خاص لا يشبه ما حدث في الدول الأخرى، وكلما ازداد صوت الجموع في الخارج قالوا أين بقية الشعب فالمطالبون بالتغيير أقلية.. والأغلبية الصامتة في نظرهم مؤيدة لهم.
نظرية المؤامرة
- البعض يرى أن الثورات تمت وفق مخططات أجنبية كانت الشعوب بسببها مجرد بيادق.. هل هناك ما يدعم نظرية المؤامرة الخارجية في الثورات العربية؟
معظم الأحداث تكذّب هذه النظرية، فالغرب تلكأ كثيرا جدا في دعم الثورات وظل مترددا بشكل مُخجل، وهو الذي كان يعمل مستشارا لهذه الأنظمة في كثير من المحطات ويأمرها بفعل أشياء أو عدم فعلها، سواء طلبت هذه الأنظمة أم لم تطلب.. لكن أولئك الحكام العرب كانوا يقولون للغرب دوما: "نحن أعلم بشعوبنا فدعونا نتعامل معهم بما نعرف".. الغرب أصحاب مصالح ولهم مخططاتهم وبرامجهم وأيديهم وأذرعهم داخل البلدان العربية، لكن الثورات لا تحدثها القوى الخارجية وإنما يُحدثها الفشل الداخلي، ولا تستطيع أكبر دولة في العالم أن تُخرج شعبا للشارع إلا إذا كان هناك مبرر حقيقي لخروجه.
- البعض يتحفظ أيضا على الاستعانة بالغرب من أجل إسقاط الأنظمة بذريعة أن هذه الاستعانة استعمار جديد.. فما تعليقكم؟
لما تكون الأمور كمالية يقول الناس عادة إن هذا موضوع لا نحتاج فيه للخارج، ولما تكون الأمور في باب الحاجيات يتحملون ويقولون أيضا لا داعي للخارج، ولكن عندما يتعلق الأمر بضروريات الوجود تتقبل الشعوب المساعدة من أي جهة كانت وبأي ثمن كان، فهم يتمثّلون قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات".. في ليبيا مثلا وصلت مدينة مثل مصراتة إلى الإبادة الكاملة، ولم يعد هناك من وسيلة لدفع الشر إلا بما هو أقل شرا. القوى الغربية لديها مصالح، وإن وُجدت مع الأنظمة الجديدة بعد الثورة فستبقى دخيلة، أما الشر الداخلي المستحكم فقد حكم أكثر من 40 سنة أباد فيها الحرث والنسل وهو مع ذلك غير قابل للاقتلاع إلا بتضحيات جسيمة.. عندما يوازن الناس بين الشرور يختارون أخفها: أن يدفعوا مالا، أن يخسروا بعض مصالحهم الاقتصادية مقابل العيش حتى تُستكمل دورة الحياة وولحين إيجاد فرص أفضل للعيش الكريم..
هذه الموازنات تحدث في عقل المجتمع.. معظم من تحرك في ليبيا كانوا متديّنين وعندهم حساسية عالية من العلاقة بالغرب نتيجة التكوين الديني أو نتيجة التكوين التعليمي في البلد الذي يعيشون فيه، ولكن عندما تأتي الموازنة التي هي بين الحياة والموت تسقط كل هذه الحسابات ويختار الإنسان أن ينظر إلى المستقبل بطريقة أخرى. ثم إن النتائج الحتمية القائلة بأن الغرب القديم المستعمر الذي دخل بلادنا هو الغرب المعاصر ليست دقيقة على إطلاقها.. هذه المجتمعات تغيرت وهي تُدرك أن حركة الشعوب أصبحت غير قابلة للاستعمار بالطرق التقليدية فتحاول إيجاد طرق أذكى للتعامل من خلال احتياجات الشعوب أكثر من فرض شيء عليها.. إن دولة مثل ليبيا إذا أرادت القيام بتنمية ضخمة فستذهب لمن؟
وإن أرادت تبيع البترول فستذهب لمن؟ في نهاية المطاف حتى وإن لم يكن هناك استعمار فتوجهها الطبيعي سيكون في اتجاه هذه القوى الغربية.. البترول الآن يُشترى من العالم.. وقد يقولون إنه يُشترى بسعر أرخص، لكنه سيُشترى في نهاية المطاف ولن يُمنح مجانا. الناس لديها هذا الحس التفاوضي إذا تعلق الأمر بقضايا وجود، وبالتالي لا يترددون ويتركون كل الكلام النظري جانبا ليمارسون حياتهم الطبيعية.
البحرين.. ثورة أم فتنة طائفية؟
- النظرة إلى الحراك الشعبي في البحرين أخذت طابعا مختلفا، حيث التبس الأمر ما بين الثورة الشعبية والأزمة الطائفية.. فلم خفتت الأصوات المؤيدة للثورات أمام المشهد البحريني؟
لا شك أن البحرين كان الفارق فيها واضحا لكل الناس.. المجتمع انقسم على نفسه انقساما طائفيا حادا.. في كل الحركات الاجتماعية والحركات الثورية التحولية عندما يخاف المجتمع بعضه من بعض تفشل حركة التحولات لأنه يلزم أن تكون هناك قوة توقف قوة، ونجاح قوة سيعني فشل قوة أخرى داخل المجتمع، وبالتالي يتم التحصن حول المصالح أكثر من المبادئ الكلية الكبرى.
الحركة الاحتجاجية الضخمة التي حدثت في البحرين بدأت وطنية.. وشرع بعض أهل السنة في الانخراط فيها على استحياء، ولكنها بعد أيام اكتسبت بُعدا طائفيا ورفعت شعارات طائفية بحكم القرب الجغرافي من إيران والتكوين الذي تم من السبعينات لفئات اجتماعية جديدة داخل شيعة البحرين.. كل هذا أدى إلى أن يصبح هناك استقطاب وتحول للشعارات من شعارات وطنية إلى شعارات طائفية صريحة.. تخيل معي لو أن هذا حدث في مصر حيث تنزل الجماعات بشعاراتها الدينية في الثورة المصرية، من المؤكد أن الوضع كان لينتهي إلى فشل.. وهذا ليس في مصر وحدها بل في كل الدول.. فلو حدث انقسام حاد داخل حركة التحول الاجتماعي ستحدث استقطابات يُفشل بعضها بعضا..
إذا نظرنا للبحرين بمنظور تاريخي فهي تعبّر عن فشل المسلمين التاريخي في إيجاد حل للمشاكل الطائفية المترتبة على تاريخ طويل جدا من الاختلافات العقدية والمذهبية، وتقريبا هذا الذي يحدث الآن، ولو قرأنا التاريخ سنجد الأحداث ذاتها في ذات المجتمع في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري وما بعده، هذا الفشل التاريخي لنا كمسلمين سنة وشيعة في إيجاد حلول أخذ طابعا سياسيا في حركة البحرين والتحولات فيها وقاد إلى نتائجه الطبيعية: أن ينشرخ المجتمع.. الوضع الآن صعبٌ جدا.. فلا يشتري السني من الشيعي ولا الشيعي من السني، وأصبح هناك جدار حاد بين مكونات المجتمع ومخاوف عززتها الأحداث بشكل كبير جدا.. وإيجاد لحمة اجتماعية وطنية وتكوين برنامج وطني في البحرين سيصبح مهمة شاقة جدا في المستقبل.
الخليج العربي وأعاصير التغيير
- وماذا عن دول الخليج التي دعمت الثورات.. هل هي بمنأى عن الربيع العربي؟
أعتقد أن لا أحد سيكون بمأمن عن التحولات التاريخية الكبرى ولو كان بعيد جغرافيا.. فالثورة الفرنسية رغم كونها حدثا فرنسيا بامتياز إلا أن صداها اجتاح القارة الأوروبية وآسيا وأفريقيا، وما زالت أصداؤه إلى الآن في الثورات المعاصرة التي نعيشها.. في أحيان كثيرة جدا يمكن الهروب من قضية أن يتكرر المشهد ذاته، لأن دول الخليج لا تحتوي على كثافة سكانية تسمح بحراك جماهيري واسع من أي مستوى، فإذا خرج ألفان أو ثلاثة آلاف شخص لا يعتبر هذا ثورة وإنما يعتبر احتجاجا، أيضا تركيبة دولة في المجتمع الخليجي لا تسمح بأن تؤثر عليها الكيانات المحلية في الحراك الاجتماعي الضخم الذي يدور فيها، لكن في حالة نجاح الثورات في الدول التي تمت فيها الثورات سيكون هناك عبء ضخم جداً باستمرار ما هو قائم على ما هو قائم عليه، وهذا سيدعو للتحولات الكبرى حتى بفعل الانعكاسات الأخلاقية لنجاح الثورات في مقابل السكون الموجود في منطقة الخليج.
- ما هي التحولات المتوقعة في دول الخليج العربي في هذا المد العاصف للثورات؟
سيكون هناك تحولات استباقية بدرجة من الدرجات في فضاء الحريات السياسية وقليلا في أشكال البرلمانات وتوسعة قواعدها، ولكن لا يتوقع أن يحدث شيء جذري.
- يعني أن الحديث عن ملكيات دستورية يبقى أمرا بعيد الحدوث؟
أعتقد أنه لم يحن أوان الملكيات الدستورية في الخليج وإن كان هذا هو اتجاه حركات التاريخ.. أحيانا يجب أن ننظر للمستقبل فمثلاً عندما يقول لنا الفقيه إن المرأة لا تتعلم ويستدعي كل النصوص التي تُحرّم – في نظره – تعلُّم المرأة، أو تحريم التصوير أو تحريم استخدام وسائل الاتصال الحديثة، فإن اتجاه حركة التاريخ يتجاوز مسألة الفقه ومسألة النظر الديني وبالطبع سيتجاوز الأفكار الاجتماعية التي تحاول أنها تخرج من التاريخ.. اتجاه حركة التاريخ هو اتجاه لمزيد من القوة للشعوب ومزيد من الحراك الاجتماعي في فضاءات الحريات، وأيّ محاولة للسير عكس التاريخ ستتغلب عليها حركة التاريخ بغض النظر عن القوة التي تحرسها وقدرات القمع والمواجهة.
الإسلام.. أداة الثوار والأنظمة
- بالحديث عن الفقه والفقهاء، برزت ظاهرة استخدام الدين لتبرير الثورة ضد الحكام، أو لتبرير قمع الأنظمة لشعوبها.. فكيف لنا أن نضع جدلية الدين والثورة اليوم؟
الأمر له جانبان: جانب النصوص التي نقول عنها إنها "الإسلام"، وجانب التدين التاريخي والتدين المعاصر، هذه ثلاث مستويات نحتاج للتفريق بينها، فالإسلام كنصوص تاريخية حمال أوجه، وإذا نظرنا لقضية الشورى سنجد من يقول لنا إنها مُلزمة وسنجد من يقول لنا إنها مُعلمة، ويصبح الأمر سيان إذا استشار الحاكم وإذا لم يستشر، وكلا الموقفين سيجدان من يدافع عنهما.
التدين التاريخي أخذ مسارين: المسار الأول الذي هو قبل الصفقة التاريخية الكبرى بين الحسن عليه السلام وبين معاوية رضي الله عنه، وكانت الثورة عملية طبيعية شملت مكة والمدينة وآل البيت والفقهاء والعلماء، ثم جاءت الصفقة التاريخية مع الدولة الأموية بعد 40 سنة من قيام المشروع الإسلامي بشكله الأول، حيث حدثت صفقة تاريخية تم التخلي فيها عن الشورى والتخلي فيها عن نظام الحكم الرشيد إلى قضايا متعلقة بحُكم المتغلّب، وتولدت دكتاتوريات بمستويات مختلفة عبر التاريخ الإسلامي لكن كلُّها لها عناوين إسلامية وتحتفظ بالألفاظ الإسلامية مثل "الخلافة" و"السلطنة"، أي مجرد مسميات، أما المحتوى بشكل عام فهو محتوى إمبراطوري لا يعترف للأمة بحقوق، بل يعترف فقط بحقوق من يمتلك السيف والقوة. وعبر الصفقة التاريخية هذه أصبح الإسلام مجاله الفقه الفردي، ولم يعد مجاله الدولة، فالفقه الذي ندرسه عبر التاريخ الإسلامي الذي بين أيدينا الدولةُ فيه مهملة تماما، وبالتالي الصفقة التاريخية شملت أن يصبح فضاء الدين فضاء فردياً، وفضاء الدولة فضاء واسعاً لتصريف الشؤون.. لقد كانت علمنة مبكرة بلغة دينية.
لما جاءت العصور الحديثة بدأ التدين المعاصر، والتدين المعاصر أخذ محاولة استعادة مركز السياسة في الدين، طبعا من أفكار المودودي وحسن البنا وسيد قطب أصبح الإسلام دينا ودولة وظهرت هناك محاولات للعودة للتاريخ عبر إعادة تركيب الدين على عجلة الدولة وإقامة الدولة العقدية.. الدولة العقدية هي أيضاً حركة في عكس اتجاه حركة التاريخ، وهذه الحركات الإسلامية الناشئة التي كانت تبشر أنها ستقوم بافتكاك العصر الجديد أصبحت تحتاج من يفتك لها عصراً، إلى أن جاءت حركة الجماهير وافتكت لها عصراً جديداً وفرصة جديدة وعادت لتطرح نفسها الآن في أثواب عصرية على الجماهير مرة أخرى.. هل هذه الجولة ستكون لصالح المشروع الإسلامي، وبالتالي سيقدَّم نموذج لإسلام يستوعب اتجاه حركة التاريخ؟ أو إسلام سيعبر ضد حركة التاريخ ويؤدي إلى انفجارات اجتماعية أخرى؟ هذا الذي سيُجرب في المرحلة القادمة "العصر الإسلامي الجديد"، وتركيب عجلة سيد قطب والمودودي على عجلة الدولة الحديثة بشكل من الأشكال لنرى كيف تدور هذه العجلة، هل ستدور لصالح المجتمعات، أو ستؤدي إلى كوارث اجتماعية.
هكذا تنجح الثورات
- ومتى يسعنا القول إن هذه الثورات نجحت وآتت ثمارها المرجوة.. أو نقول إنها أخفقت؟
أعتقد أن الشعارات التي رُفعت في الثورات هي المعايير الأساسية.. رُفع شعار "الوحدة الوطنية" فهل ستزيد هذه الثورات القوى الجديدة اللحمة الوطنية أم ستؤدي إلى تفجير الوضع الوطني؟ هذا مؤشر كبير جداً.. رُفع شعار "العدالة للجميع"، فهل ستستشعر القوى الاجتماعية كلها أنها في مسطرة واحدة لقياسها، أم سيصبح هناك من هو فائز ومن هو خاسر داخل هذه المجتمعات؟ رُفع شعار "الكرامة والخبز للجميع"، فهل سيصل الخبز للجميع أو ستستأثر به فئات اجتماعية دون أخرى.. هذه العناوين الكبرى والمؤشرات الحقيقية لنجاح الثورات.. هناك من يعتقد أنه جاء عصر الإسلام وعصر الدين وتحرير فلسطين، لكن الشعارات الموحدة لجميع فئات الناس التي خرجت كانت ثلاث شعارات كبرى: "الوطن والمساواة ولقمة الخبز".
----------------------------------------------
حاوره: مصطفى فرحات
المصدر: موقع إسلام أون لاين

التعليقات
أضف تعليقاً