كيف تتعافى مصر من داء الفتنة!?

صورة ياسر الغرباوي

المظاهر الحضارية الرائعة التى أبدها الشعب المصري العظيم  في أجواء ثورة اللوتس المصرية والتي كان من أبرزها التلاحم والتساند بين المسلمين والمسيحيين طرفي الجماعة الوطنية كشف عن مكامن القوة في الشخصية المصرية المعاصرة ومدى عمقها ووعيها الحضاري، وهذه المظاهر الحضارية كان لها الأثر البالغ في رسم صورة ذهنية ممتازة في أذهان العالم عن مدى تسامح الشعب المصري وظهر ذلك في تصريحات العديد من زعماء ومفكري العالم خصوصا في العالم الغربي الذي شاهد شعباً تتجلي فيه قيم التسامح والتعايش

في أسمى صورها وحالاتها على الرغم الأحداث الدامية التي يمر بها.

العلاج الاحتفالي

هذه المظاهر الحضارية الثورية جعلت الكثيرين يستردون الثقة في قدرة الشعب المصري على تجاوز الأزمات المجتمعية التي مرت به قبل الثورة مثل: حالات الاحتقان الطائفي والتحرش الجنسي، وغيرها من المشاهد السلبية التي غلفت مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير، وكشفت عن ممكنات المجتمع المصري التي تؤهله لتجاوز الأزمات ،والأدواء الاجتماعية التي يعاني منها .

ولكن البعض بالغ في الاحتفاء بهذه المظاهر الحضارية التي تجلت في ساعة الثورة وأيامها الثامنة عشر، وأعتبرها كافية لأن يتخلص المجتمع المصري من أدواءه القاتلة، واعتبر أن ذهاب الاستبداد الذي كان متجسداً في النظام الحاكم يعني في ذات الوقت القضاء علي التحديات التي تهدد وحدة الجماعة الوطنية وأُعتقد هذا الفريق أن مظاهر الوحدة الوطنية التي تجلت في ميدان التحرير هي البلسم الشافي الكافي للقضاء على داء الفتنة بين المسلمين والمسيحيين  .

الداء يضرب من جديد

ولكن ما وقع في من أحداث طائفية عقب نجاح الثورة مثل: حادث إحراق وهدم كنسية الشهيدين بمركز أطفيح كشف للجميع أن بناء المجتمع القوي المتساند الخالي من الأفكار الفتنوية والانقسامية يحتاج إلى جهود متواصلة آناء الليل وأطراف النهار من أجل استئصال الحشائش الضارة في العقل الجمعي والحيلوية دون تجسدها على شكل أفعال كراهية وتعصب في الواقع تنسف نتائج الثورة، وتذهب بدماء شهدائها سدى، وتدخل البلد في مرحلة صراعات طائفية مدمرة .

البلسم الشافي

وبحكم مركزية قضية الوحدة الوطنية المصرية وأهميتها ينبغي للمهتمين بها أن يشتغلوا على عده مستويات إستراتيجية  متنوعة تتركز في مسارين هما :

المسار الأول : بعيد الأمد: ويتم فيه إنشاء مراكز دراسات وتفكير مهمتها الرئيسة هي الإجابة عن سؤال كيف نحافظ على وحدة الجماعة الوطنية المصرية؟؟ من خلال التعمق في الدراسات التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية وغيرها من المجالات الأكاديمية التي تساعدنا في صياغة استجابات خلاقة وحقيقة لتحدي الانقسام والفرقة، ويكون من مهام هذه المراكز أيضاً وضع الخطط العشرية التي تهدف إلى أمرين هما:

1- محاربة منابع ومظاهر الأفكار الانقسامية في شتي مناحي الحياة المصرية وحواضنها المختلفة سواء كانت الإعلامية والتربوية وخصوصا الدينية من زاوية رصد الخطاب الديني في السائد الكنائس والمساجد والفضائيات المصرية ومحاولة تصوبيه نحو دعم قيم التسامح والتعاون والتعايش

2- : هو وضع خطط ثقافية لنشر قيم الوحدة والعيش المشترك في الأجيال الصاعدة عبر المناهج التعليمية والبرامج الثقافية ووسائل الفن المختلفة من مسرح وسينما وتليفزيون .

المسار الثاني: قريب الأمد: يتمثل في إنشاء فرق إطفاء سريعة الحركة تكون مهماتها الرئيسة إطفاء الحرائق الطائفية التي تشتعل في بعض بقاع الجسد المصري ومحاصرتها ومنع امتداتها إلى مناطق أخرى وتُشكل هذه الفرق من أطياف المجتمع المصري المختلفة ويكون فيها لجان تقصي حقائق، وسفراء للنوايا الحسنة من الدعاة العقلاء من كل الأطراف، ووجهاء المجتمع، وكل من له تأثير علي العقل الجمعي المصري، والهدف من هذه الفرق هو توفير حاضنة اجتماعية مدنية تسهرعلى ملف معالجة الحرائق الطائفية.

وعبر هذين المسارين طويل الأمد وقريب الأمد، يمكننا بدرجة من الدرجات تأمين المستقبل المصري من عواصف الفتن الطائفية التي تسعي الأطراف الخارجية لزرعها ونشرها في الجسد المصري، من أجل إجهاض حلم مصر القادرة والمستقلة والحرة.