من يقود!؟
يتصور البعض أن التغيير لا يمكن أن يقوده إلا من ذاق معاناة الواقع واكتوى بضغوطه.. والقيادة هنا تعني القيادة العامة والاستراتيجية للتغيير، لا القيادة التكتيكية كقيادة مجموعات العمل والمهام التنفيذية. وهذا التصور يتطلب نقاشاً..
إن الفكرة المبدئية صحيحة، فلن يتصدى لقيادة التغيير إلا من ذاق ويلات الواقع، لكن الخلاف سيكون في طبيعة التذوق، هل هو مجرد رؤية صريحة لواقع فاسد يتطلب التغيير، أم الاكتواء بنيران الواقع والانصهار في أتون المعاناة؟! هل المقصود مجرد التذوق أم التهام وجبات كاملة من الواقع الفاسد؟! هل تكفي رائحة الأطعمة الفاسدة برهاناً على وجوب تغييرها، أم يجب أن يَعُّب منها القائد عباً ليصل إلى هذه النتيجة؟ قدر من الاتصال بالواقع مطلوب لاكتشاف الفساد والشعور بضرورة تغييره، لكنه إن زاد يؤدي إلى تسمم العقل والنفس.!
فالتذوق قد يكون عملاً عقلياً، حيث يفتقد الإنسان الأفكار الصالحة ولا يجدها مهيمنة على الواقع، حينها يكفيه هذا القدر من التذوق لينتفض مُغَيِّراً الواقع.
أما الذين يتجرعون الوجبات اليومية فهم أصحاب المعاناة، الذين يفطرون على البطالة، وغداؤهم الفقر، أما العشاء فجرعة من دواء مسكن لأمراضهم.
الصنف الأول هو الذي يمكن أن يقود التغيير، أما الصنف الثاني فعواقب قيادته وخيمة، إذا كنا نتحدث عن معركة تغيير حضاري، لا معركة تطهير وانتقام!!
فكما أن ممارسة العنف على الجسد تشوهه؛ فإن عنف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية يشوه العقل، وينال من النفسية السوية، ويفقد الإنسان الاتزان.. وهو عنف أخطر من الإيذاء البدني. فصاحب الجسد المشوه يتألم لذلك، ويعلم أنه ليس على خلقته الأولى، ويتفقد حاله كل يوم عَلّ جراحه تكون قد التأمت، أما ضحايا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فقد لا يشعرون بالتشويه الذي ضرب عقولهم ونفسياتهم، فالعنف الذي يتعرضون له يفسد الفطرة، ويضلل منطق التفكير السليم، لذلك كان من أشد الأخطار على حركة التغيير أن يتولى قيادتها أناس يطحنهم الواقع وتسحقهم المعاناة.
ليس بالضرورة أن من يتجرعون الآلام هم أقدر الناس على قيادة التغيير، أو من يعيشون ضغط الواقع هم الأولى بالقيادة، فهؤلاء قد تكون صورة المستقبل لديهم متأثرة بشكل كبير بالضغوط الواقعة عليهم، وتصورهم لأعدائهم وأصدقائهم سيتأثر كذلك بحالتهم العقلية والنفسية.. كما أن تحسناً طفيفاً في أوضاعهم قد يُخرجهم من المعركة. إن قيادة التغيير يجب أن تكون قوية، سليمة العقل والنفس، تفكر في الواقع من خارج أسواره التي يضربها على العقل.
مَن تحركه المعاناة فقط قد يتحول إلى شخصية انتقامية إذا ما كان النصر حليفه، لأنه يسعى إلى تصفية حسابات مع كل ملامح الواقع المؤلم الذي كان يتجرع مرارته، أما منْ كان يغلب عليه دافع الفكرة، والانتصار لمباديء وقيم يريدها أن تُزَين الحياة؛ فهو أقدر على ترسيخ تلك القيم عند التغيير، فهو يدرك أن نجاح مشروعه لا يكون إلا بالتمكين للقيم والأفكار التي يؤمن بها.
كذلك يقف القائد الذي لم يتعرض لضغوط الواقع عزيزاً أمام التحديات، فهي لم تُرضخه يوماً ما، فضلاً عن أن تقترب من حماه، لذلك يفخر بأنه جاء يصارع من منطلق أنه حر، والحرية قدرة على الاختيار، وقد اختار دخول المعركة دون أن تكون مفروضة عليه، بعكس صاحب المعاناة المفروض عليه التحدي، والذي يدخل الصراع مجبراً.
الصنفان مطلوبان، المقاتلون من أجل الأفكار والمقاتلون من أجل الأشياء، القادمون من عالم يتجاوز ضغط الواقع، والقابعون في عالم الواقع، لكن الحديث يدور هنا حول الجدارة بالقيادة، عندما يكون زمام القيادة مع الصنف الأول تنتصر الأفكار، ويحدث تغيير جذري في بنية المجتمع، حيث يقوم على أفكار جديدة، أما عندما يقود الصنف الثاني تنتقل ملكية الأشياء من ثلة إلى أخرى، ويصبح مشروع التغيير عنواناً بلا مضمون.
وسنجد أن معظم الرموز التاريخية التي أحدثت تغييراً كبيراً في الواقع كان يتفوق لديها الدافع الفكري على ما سواه، لم تحركهم معاناتهم الشخصية بقدر ما حركتهم معاناة الآخرين.. غاندي، مارتن لوثر كينج، جيفارا، الخميني، وغيرهم كثير.. وإن عدنا بالتاريخ وراء سنجد في الأنبياء خير شاهد، إذ لم يكن المحرك لهم أنهم متضررون بشكل مباشر من الأوضاع القائمة، لم يكونوا فقراء يريدون مالاً أو مرضى لا يجدون علاجاً، وكان يسعهم أن يعيشوا في مجتمعهم مثل الكثيرين دون أن يسعوا إلى تغيير واقعهم، كان يحركهم ما هو أسمى من ضغوطات الواقع، كانت تحركهم فكرة لا يتنازلون عنها، ولا يمكن مساومتهم عليها بزخرف الأشياء.
والمتضررون بشكل مباشر هم قرة العين؛ لهم يعمل قادة التغيير، وبهم يخوضون معاركهم، فهم جنود مشروع التغيير، وأثناء خوضهم المعامع يكون دور القيادة تحرير عقولهم، ومداواة نفوسهم، وصقل أرواحهم، حتى يتمكنوا من رؤية العالم بشكله الجديد كما يراه القادة، عندها لا يشعرون أنهم ضحايا الواقع، وتٌمحى من قاموسهم مصطلحات "الضعف" و"العجز"، لتحل مصطلحات "القوة" و"القدرة".
أغلب الحركات الاجتماعية والدينية التي أحدث تحولات كبرى لقنت العالم درساً بليغاً، بعد أن رفع قادتها الغشاوة عن عيون أنصارهم الذين يرسفون في قيود الواقع، كان يتصدر المشهد قادة يحملون أفكاراً كبيرة، غيروا وعي أنصارهم، يا له من مشهد متكرر يحرك العقل والفؤاد، فئة قليلة في كل مكان تغلب الفئة الكثيرة، فئة قليلة اكتشفت أن بإمكانها تغيير العالم، كانت البداية عندما علمت أنها ليست ضحية، بل هي حل القضية.
إن طبيعة التغيير تتأثر بشكل كبير بطبيعة قادة مشروع التغيير، لذلك كان مستقبل مشاريع التغيير مرهوناً بإجابة السؤال.. من يقود التغيير؟
انظر إلى ألمانيا وهي تُدمَّر في الحرب العالمية الثانية تجد خلف المشهد من وراء دخان صورة هتلر، وانظر إلى نظام الجمهورية الإسلامية في إيران تحضرك مع التكبيرات لحية الخميني وعمامته، وانظر إلى جنوب أفريقيا لترى مانديلا واضعاً بصمته على سحبها ورمالها، فالتغيير هو انعكاس ما يدور في عقل ونفس القائد على الواقع، وكلما قلت النتوءات والتشوهات في طريقة تفكيره وتركيبته النفسية؛ أنتج ذلك مجتمعاً متحضراً راقياً، أما عندما تقود التغيير شخصيات مضطربة لن يحصد المجتمع سوى الجنون!!

التعليقات
من يقود
شكراً استاذ وائل انا من المتابعين لكتابتك وقد نالت اعجابي , وتفق معك ان الفكر هو المحرك الاساسي نحو القيادة , والدافع الفكري والمعاناة الشخصية التي تتولد من الواقع المجحف يولد دافع نحو تخليص المجتمع , من الواقع السلبي فتتولد افكار ورؤيا واضحة لتكون تصور واستراتيجية , ومن ثم تتحول الى كتلة تسعى للتغير وتكبر وتتحول الى مطلب لدى الناس لتقف خلف الفكرة وتناصرها .وبارك الله بك استاذنا العزيز
لذلك كان من الواجب على القائد
لذلك كان من الواجب على القائد الذي يختار القيادة بحرية أن يعمل على نفسه جيدا أولا و باتزان حتى يقود إلى التغيير المتزن
هذه القيادة التي تحتاجها النهضة
"القيادة هنا تعني القيادة العامة والاستراتيجية للتغيير"... هذه القيادة التي تحتاجها النهضة قيادة لا تصارع اي سلطة فرضتها السنة الكونية فكما كان غالب الجمهور يولى عليهم فالتغيير السلطوي تحكمه قواعد موضوعية منطقية ... اما قيادة التغيير الاستراتيجي فهي تصارع الركوض و التغيير عدوها التخلف الحضاري وهمها
"الانتصار لمباديء وقيم يريدها أن تُزَين الحياة" قيم الرسالة المحمدية ... اقترح نموذج مصغر لقيادة استراتيجية للتغير يلتزم بها النهضويين اولا و نجاحها يعني نجاح التغيير الشامل ... قيادة تجمع كل اطياف المجتمع و الامة اي عينة معتدلة من كل طيف و من كل مكان مبادؤها الرشد الاسلامي و نهوض بالرسالة المحمدية تثري كل قطر و تفتح معاهدة اثراء اقتصادي و اجتماعي و علمي لكل تجاربها الناجحة . يقودها مزيج منسجم من عقول دين و علم دنيوي منسجمة حول فكرة واحدة تقنية عملها نظام تشاوري متطور لا يسيطر عليه اي انتماء او لون سياسي الا مبادئ و قيم الرشد الحضاري المحمدي و استخذام الاعلام الالي لوضع لوجسيال للتقييم الشخصي اي ان الاداء الحضاري الراشد هو الذي يفصل في العمل الشوري في النخبة المتشاورة و ليس العدد اما القضايا التي تخص الجمهور النهضوي و التي يهم فيها فيحمها الاختيار الاءتلافي اي اختيار يستثمر فيه النهضوي ذاته كليا مهما كانت نتيجة الاختيار الحر لان النهضوي اختار التغيير اولاً اما تفاصيله فيرجحها مجهوده و اداؤه و عطاؤه....
هذه محاولة اثراء و اوافق على الطرح فمن اسباب فشل الحركات الاصلاحية السابقة صدام مع السلطة من بين خلفياتها رغبة الانتقام من الواقع .
أشكرك ولا أرى غضاضة في
أشكرك ولا أرى غضاضة في النموذج الإيراني ، أنت لم تمدحه أو تذمه، قد يكون أقرب لنظام هتلر أو مانديلا، والخميني بالفعل صاغه وفق رؤيته.
شكرا
مقال رائع
فعلا هذا هو الفرق بين التغيير والانتقام
الفرق بين التغيير والهروب من رؤية الواقع بالانغماس في مأسيه
أشكرك أستاذي الفاضل على هذا المقال الرائع رغم تحفظي على النموذج الإيراني
أشكرك
تحيات كبيرة لك أخي وائل على هذه المقالة الرائعة
اويذك تماما بما طرحت
جزاك الله خيرا
أضف تعليقاً