من التفكير .. إلى التفكــر !
المتأمل في تاريخ الفلسفة سيجد أن البحث عن معنى هوية الإنسان لم يكن يسيرا؛ فمنذ اللحظات الأولى التي أصبح فيها الفكر الإنساني متجها نحو التفكير في ذاته بعدما كان يتأمل الكون والطبيعة، طرح سؤال الإنسان: هويته، قيمته، وحقيقة وجوده؛ مثلا نجد الحكيم اليوناني أرسطو يعرف لنا الإنسان باعتباره "حيوان ناطق"، ومفردة «حيوان» هنا حسب إبن منظور ، اسم يقع على كل شيء حيٍّ، وسمى الله عز وجل في سورة العنكبوت الآخرة حيوانا عندما قال سبحانه وتعالى :﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أَي دارُ الحياةِ الدائمة. بالتالي يصبح المعنى المقصود من تعريف أرسطو هـو: الإنسان كائن حي، ليصبح مثله في ذلك مثل باقي الكائنات الحية الأخرى إلا أنه يمتاز عنها بالعقل !

وخلال العصر الحديث، ركز أب الفلسفة الحديثة ديكارت على التفكير العقلاني كخاصية لإثبات وجود الشخص، وقال أن الإنسان لا يستطيع أن يثبت وجوده إلا بالتفكير، ومتى انقطع عن التفكير .. انقطع عن الوجود؛ ومن خصائص التفكير الإنساني كما يوضحها ديكارت في مؤلفه «التأملات» : الشك، الفهم ، التصور، الإثبات، النفي، التخيل، الإرادة، والإحساس. ولا يجب أن ننسى واقعة مهمة هنا، أن كلام ديكارت الذي تلخصه قولته الشهيرة "أنا أفكر..أنا موجود" شكلت تدشينا لمرحلة جديدة في تفكير الإنسان الأوروبي، وأسست لما يسمى اليوم بالـ"عقلانية الحديثة"؛ حيث كانت الكنيسة هي التي تفكر، وبأمرها يحكم في الأرض، ولا يمكن لأي فرد أن يخرج عن ما تقرره أو ما تقوله، ولقرون عديدة .. وإن حدث وأن جاء «مواطن» بحقيقة تخالف ما أثبتته الكنيسة كان مصيره الموت كما هو الحال بالنسبة للعالم الإيطالي غاليليو غاليلي.
وغير بعيد عن ديكارت، وبالضبط بعد حوالي قرنين من الزمن، في دجنبر من سنة1784م، سيرفع الفيلسوف الألماني كانط شعار الأنوار، وينادي‐ جوابا عن سؤال: ما هو التنوير؟‐ يا إنسان " تجرأ على استخدام فهمك الخاص"، لأن التنوير عنده هو خروج المرء من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته. والقصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه (عقله) دون قيادة الغير. دون أن ينسى الفيلسوف الحديث في مناسبة أخرى أن هوية الإنسان تتحدد إنطلاقا من إعتباره ذات لعقل أخلاقي عملي، يقدر كغاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة. فضلا عن امتلاكه لكرامة، يرغم بها كل الكائنات العاقلة الأخرى على احترام ذاته، بل ويتبادل معها الاحترام نفسه على أساس المساواة.
هذا بعض كلام عن نظرة الفلسفة الغربية لهوية الإنسان؛ باعتباره ذات عاقلة (أرسطو)، مفكرة (ديكارت) لها كرامة (كانط) .
لكن ما موقف الفكر الإسلامي من كل هذه القضايا .. وأولها قضية الفكــر والتفكـير؟
إذا نظرنا إلى موضوع هوية الإنسان من وجهة نظر العلامة ابن القيم الجوزية فسنجده ينتقد كل تجريد للإنسان من خصائصه الروحية، ويرفض أن ينظر للإنسان انطلاقا من ثنائية العقل والجسد كما جردته ونظرت إليه الفلسفة الغربية؛ لأن الإنسان عنده هو الشخص المؤمن بالله عز وجل، يرتقي بمدارج التفكير بسبب عباداته وإخلاصه لرب العالمين؛ ومنه التفكر في ملكوته، الذي «يفيد تكثير العلم واستجلاء ما ليس حاصلا عند القلب» فــ« الخير والسعادة في خزانة مفاتحها التفكــر» .
الفكر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها .. فهو الذي ينقل صاحبه من الموت إلى الحياة، ومن «ضيق الجهل إلى سعة العلم»؛ والتفكر في مخلوقات الله من أعظم العبادات كما دعا إليها الإسلام، علاوة على أنه مفهوم قرآني بامتياز؛ فلا عجب أن نرى القرآن الكريم يحمل الكثير من الآيات التي تحض على التدبر والتفكر في خلق السماوات والأرض .. ليخرج الشخص من هموم العادة ورتابة المألوف، وللتأمل أيضا في صفات الله عز وجل كقوله تعالى في سورة النحل: " وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ " .
والكثير من الآيات التي تجعل المتفكر فيها يقبل على رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين كما يقول سيد قطب، و "إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" ، فلا شيء أنفع للإنسان من التفكر في خلق السماوات والأرض، التي يعتبر الإنسان أهم مخلوق فيها .
كما يجب أن نشير إلى أن هذا التفكر لا يكون خارج قضايا الأمة والمشترك بين جميع العالمين؛ ومن المهم هنا الإشارة إلى أن نهضة أمتنا الإسلامية لا يمكن أن تتم خارج علاقتنا بالطبيعة، بمعنى تجديد النظر في علاقتنا معها، خصوصا أننا أصبحنا نعيش اليوم ما يسمى بـ"الكوارث الطبيعية" . فكيف يجب أن ننظر إلى الطبيعة ؟
في كتابه « روح الحداثة » ربط الفيلسوف طه عبد الرحمن علاقة الإنسان بالطبيعة بقانون الواجبات الـﺫي يجري على علاقة الولد بأمه ؛ مع العلم أن هـﺫه العلاقة هي النموﺫج الأمثل لصلة الرحم، وكما تكون الأم أقرب قريب لولدها فكـﺫلك الطبيعة أقرب إلى الإنسان . ومادام ليس في الكون موجود لا يحتاج إلى دفع شيء عنه أو جلبه إليه، بل ما من حركة أو سكنة لموجود، كائنا ما كان، إلا ـ وجبت أن تكون ـ رحمة يتجلى بها الرحمان عليه كما يقول طه عبد الرحمن؛ وبالتالي فإن علاقة الإنسان بالطبيعة يجب أن تكون علاقة رحمة فهي الأصل في كل شيء؛ فأنا موجود، لأني مرحوم، وسؤال آخر مثل " لم كان ثمة وجود ولم يكن عدم ؟" جوابه هو أن الرحمة سابقة؛ فلولا الرحمة، لما وجد شيء. وكأنه هنا يجيب ديكارت عندما طرح سؤاله " هل أنا موجود؟ " في رحلته التي بدأها بالشك في وجوده، وبمن ثم تصبح " الرحمة" هنا أكبر درجة من الفكر" الذي حدد به ديكارت وجوده .
كما أن صاحب " سؤال الأخلاق" لا يتوقف عند الحديث أن الرحمة تختص بأولئك الـﺫين لحقهم ضرر، فهـﺫا غير صحيح تماما : فالرحماء لا يكتفون بصرف الأﺫى عن المضرورين، بل يتعدونه إلى إيصال المنافع إلى أولئك الـﺫين لا يتعرضون لضرر ملحوظ، بل قد يكونون سالمين راضين؛ ومن هنا، فالرحمة حسب طه تتجاوز الإسعاف بالحاجات إلى الانتماء للقدرات، أي أنها تتسع لما يدخل في باب زيادة الخير والتنمية والتقدم . من ثم فإن الرحمة لا تتعلق فقط بالإنسان وحده؛ فما يزيد من المنفعة والخير والتنمية والتقدم ليس الإنسان فحسب، بل كل تلك الأهداف تتعلق بأشياء أخرى تحيط بها الطبيعة، وإﺫا فسدت الطبيعة ودمرت لا خير ولا تنمية ولا تقدم للبشرية . فكما أننا نرحم بني جنسنا، يجب أن نرحم الأشياء التي من حولنا أيضا؛ ورحمتنا لها كما يقول طه كرحمتنا للإنسان، نوعا وقدرا، إﺫ ندفع عنها هي الأخرى الشرور ونجلب لها الخيرات، حتى نحفظ كيانها ونضمن بقاءها؛ من سائر تلك الأشياء كما قلنا الطبيعة التي تجملها والبيئة التي نقصدها هنا. والغريب أن هـﺫه الأشياء لا تقف عند حد تلقي الرحمة منا، بل إنها لا تنفك تبادلنا هـﺫه الرحمة، هـﺫا إﺫا لم تبق رحمتها رحمتنا، فهل ـ يقول طه ـ من رحمة أسبق من أن يحتضن واحد منها ـ وهو هـﺫه الأرض الأم ـ وجودنا ولما نحصل الوعي بهـﺫا الوجود، إﺫ نكون ما زلنا في غيب الأرحام !
إن الحلول المقترحة لتجاوز المخاطر التي تهدد سلامة البيئة والإنسان لا يمكن أن تتجسد بمجملها في العقل ألأداتي، أو العقل العلمي، لأن كلاهما معا يتصفان ببرودة الأحاسيس والمشاعر وفراغ العاطفة وانسلاخ الوجدان؛ فعندما قال ديكارت أنه بواسطة العقل يجب أن نكون أسياد على الطبيعة .. دمرت، وأتت دعوته بغير ما تشتهي سعادة الناس . لذا فرابط الصلة بين الإنسان والطبيعة ـ بيئته الأولى والأخيرة هـو الرحمة؛ فبقدر ما تمارس الرحمة بين الناس والطبيعة بقدر ما نقترب إلى السعادة ! والقضية بعيدة هنا عن العداوة للعقلانية، لكن حسبي أن أؤكد أن العقلانية المجردة من الرحمة ـ العقلانية الأداتية على الخصوص ـ والتي تتعامل مع الإنسان كآلة ومع الطبيعة كـ"دولاب" ملابس .. عقلانية باردة؛ لهـﺫا فكارثتنا أخلاقية مع الطبيعة، قبل أن تكون شيئا آخـر !
ومن يتفكر في السماوات والأرض من المستبعد جدا ألا يكون رحيما بالطبيعة؛ فكل الآيات تدعوه إلى السلام والارتقاء بإنسانيته، فضلا على أن الإيمان الحق يأتي من التفكـر .. الذي لا يخفى على أحد أثره الكبير في بناء نهضتنا الحضارية المنشودة .

التعليقات
من التفكير .. إلى التفكــر !
youness ibryz
dj-yuess mix (facebook)
yuess@live.fr
dj-mix.yuess@live.com
ربما تصبح ذات راشدة يوما ما
ذات عاقلة (أرسطو)، مفكرة (ديكارت) لها كرامة (كانط) ربما تصبح ذات راشدة يوما ما ... و الملاحظ اننا مطالبين بالتفكير بتفكر اي الانسان اعجز من ان يفكر بدون تامل فيما حوله من عالم الشهادة و الغير مسلم ينكر فضل عالم الشهادة في تفكيره وهو لا يكتشف او يخترع الا من خلال محاكات و تامل في الخلق العام حوله و ينسب الفضل لعلم اوتيه عنده لهذا فالعقل المسلم متفكر لا مفكر و من غير المناسب القول بوجود فكر اسلامي لما في الفكر من تقلب و قصور انما تفكر اسلامي مصدره التامل في ارقى المصادر المعرفية التي توازن عالم الشهادة و عالم الروح.
و الطبيعة تعبر عن سنن كونية محفزة ودافعة لقطيع البشر نحو ادراك ذاته من ابلاء ومحن حتى يدرك ان عليه التعايش مع الطبيعة بما فيها من بشر و ذواب و اشياء فما من شيئ الا له حياة التسبيح و نجد هنا الاسلام يستغرق كل الفلسفات الوجودية ... اكيد ان من طبيعة الاسلام العالمين و النهضة تمر من هذا الباب لا للتسلط بل لحمل رشد في الحياة بعد رشد العبادة و العقيدة
شكرا على المجهود التاملي...
أضف تعليقاً