ماذا يعنى غياب مشروع قومي لتخطيط وبناء القيم ؟

في ظل بروز جيل جديد من الشباب والفتيات مقطوع الصلة بقيمه وثوابته، مفتون بالغرب تابعا ومقلدا له في كل شيء ، نشأ بين حالة من الاضطراب القيمى الناتج عن الانهزام النفسي والإحساس بضعف الذات ، والانبهار بالآخر القوى والذي يحاول فرض قيمه وثقافته (العولمة ) مستخدما في ذلك شتى الاستراتيجيات و الوسائل المعلنة الخفية بما فيها المؤسسات الدولية

حيث لم يعد خافيا على أحد امتلاك الدول بل والتكوينات الدولية الكبرى استراتيجيات واضحة ومعلنة لتعزيز وتمكين سيطرتها على دول العالم النامي بدمجه قيميا وثقافيا في منظومة محددة ومجهزة له خصيصا تصنع منه الإنسان الضعيف الجاهل الخادم لسيده الغربي العالم القوى المبهر.

  والذي يترجم عمليا في شكل حرب حقيقية ناعمة على القيم، والمتمثلة في الضغوط الدولية لتفكيك القيم والثوابت المحلية عن طريق توصيات المؤثرات الدولية بضرورة تغيير مناهج التعليم التي تحض على العنف وإلغاء الآخر ....الخ

 وببروز العديد من الظاهر السلوكية والأمراض الاجتماعية ـــ والتي تؤكد حقيقة ما أشير وأنبه إليه  ــ  والتي لم نعهدها من قبل من التفكك الأسرى وزيادة نسب الطلاق الى نسب مفزعة 55 % في بعض البلدان الخليجية ، وانحسار نسب الزواج الشرعي لحساب أنواع جديدة مبتكرة من الزواج الغير شرعي خاصة في مصر ، وزيادة معدلات الإدمان والجرائم خاصة بين الشباب والفتيات ، وظهور أنواع جديد من الجرائم ، والمقاضاة القانونية بين الأرحام وأحيانا بين الابناء والآباء .... الخ .

بمعنى أزمات أخلاقية واجتماعية من العيار الثقيل جدا، وذات الأبعاد والآثار الممتدة مكانيا وزمانيا، بل والمؤثرة سياسيا وقوميا على واقع ومستقبل البلاد والعباد.

وفى سياق التماهى الغير واعي في الكثير من النظم التعليمية مع سياسة الغرب في الفصل بين التعليم والدين، والتى تبدت آثارها السلبية في كافة مجالات حياتنا الأخلاقية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية على مستوى الفكر والتطبيق ، ومن المعلوم أن الغرب بدأ يتحول عن هذه السياسية نظرا لما يعانيه من جراء هذه السياسية الفاشلة ، كما أن دولا أخرى غير دينية كاليابان تلتزم سياسة الدمج الكامل بين القيم والعلم !.

 وفى ظل المحاولات الوهمية المتكررة لما يسمى تطوير التعليم في العديد من أقطار عالمنا العربي، وتحت نيران وآلام الآثار السلبية الحصرية للعرب من التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات على قيم وأخلاق وممارسات الشباب والصغار والكبار، وبين ممانعة جزء من الذات ، وقبول البعض ، وترحيب البعض الآخر ، واستحياء البقية أصبح من الواجب على كل ذى عقل وقلب حي ينبض بالإيمان بالله الواحد وبحبه للإسلام والعروبة وللوطن الذي يعيش علي ثراه ــ وقد أعجبني كثيرا شعار أطلقته المملكة العربية السعودية خاصة إذا تم فهمه وتطبيقه بشموله ( وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه ) أصبح واجبا علينا جميعا أن نقف ونتصدى لهذه الهجمة الشرسة على قيمنا وثوابتنا خاصة من المعنيين بالتربية والتثقيف وبناء الإنسان والتنمية البشرية بشكل عام .

وأن نمانع وبقوة وبأفكار واستراتيجيات ومشروعات عملية في حدود الوسائل والأدوات المتاحة ، وأن نتصدى بقوة الى محاولات الاستسلام والرضا بخيار الانخراط في منظومة القيم المادية التي تسوّقها العولمة بواسطة الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، ومن ثَمَّ الذوبان في مسلك حضاري تتشكل معالمه بعيداً عن احترام الاختلاف والخصوصيات الحضارية للشعوب والاتجاه بالمجتمع الانسانى عامة، الى مجتمع الغابة لا مجتمع الإنسان الذي كرمه الله تعالى ومنحه حق الحياة الحرة الكريمة يفكر ويقرر ويعتقد ويعبد ما شاء ، فكيف بحفنة من البشر يسطون على المجتمع الانساني ويحاولون فرض قيمهم الاستبدادية والسلطوية النفعية عليه.

والخطير في الأمر أنهم يريدون خداعه باسم المؤسسات الدولية الراعية لحقوق الإنسان، وفى سياق الوعي الحضاري السائد لدى غالب أمم الأرض ممن لا ينطقون العربية، اليابان ، ماليزيا ، أندونيسيا ، الصين ، تركيا ، دول أمريكا الجنوبية ، الكيان الصهيوني ...الخ ) بضرورة المحافظة على القيم والثوابت المكونة لهويتها وذاتيتها الخاصة كعمود فقرى لازم أولا للبقاء ، وثانيا كأساس لأية محاولات يمكن أن تتم للتنمية والنهوض والتطور المستمر وصولا الى المنافسة على المشاركة في مجلس إدارة العالم الجديد وما يتبعه من إدارات داخلية تمثل التكوينات الدولة الإقليمية .

حيث أصبح العالم الجديد بفعل التكنولوجيا والاتصالات وتحديد ، و توزيع أدوات القوة والقيم المضافة للشعوب وتوزيع المهام الوظيفية عليها وفق قيمتها المضافة،تحول الى شركة عالمية كبرى متعددة الجنسيات يقف على رأسها مجلس إدارة مكون من الدول الثمانية الكبار. 

وبفراغ الساحة التربوية والثقافية والبنائية للإنسان بشكل عام في عالمنا العربي  الناطق بالعربية من أية مؤسسات معنية بالتخطيط الاستراتيجي القيمي ، والقيام بداية برصد الواقع القيمى ومعدلات التغير في الهوية ، كشف ورصد محاولات العبث بالهوية والمسارعة الى إنتاج إستراتيجيات لازمة لصد هذه المحاولات هذا من منطق التحصين والدفاع أولا ، وثانيا تدرس الواقع المحلى والعالمي وتحدد الفوارق الحضارية بين الانسانى المنتج المبدع المبتكر المنافس في القرن الواحد والعشرون، وبين الإنسان العربي ــ فيما يعرف بتحليل الواقع القيمى ــ من ثم تنتج استراتيجيات قيمية واضحة تعيد بناء وتجديد الإنسان العربي بشكل يمكنه من العمل والانجاز والابتكار، والتعاطي بشكل عام مع معطيات الواقع المعاصر حتى يتمكن من انجاز شىء في مجال التنمية والنهوض الحضاري يعيد له قوته واستقلاليته ومهابته بين أمم الأرض .

يا قومنا بالله الأمر بالغ الأهمية والخطورة والحساسية لان الخطر اقترب بل دخل الى ذات وأعماق نفوسنا وما نمتلك من قيم ومعتقدات وثوابت .

ومن ثم فإن تناسي وغياب مشروع قومي لتخطيط وبناء القيم يجب أن يعنى لنا جميعا

أفرادا ومؤسسات ، حكومات وشعوب ، يعنى لنا عددا من الواجبات العملية :

ــ ضرورة إنتاج وتنفيذ مشروع قومي لتخطيط وبناء القيم.

ــ ضرورة تكاتف وتعاون وتكامل وتلاقح كافة الأفكار والجهود.

ــ التحرر من الأنا والبحث عن النفع والمجد الشخصي والسمو الى حمل الهم العام والانشغال به والسعي لتحقيق نفع ومجد المجتمع والأمة.

ــ ضرورة مشاركة المتخصصين من خبراء ومنفذين وعاملين بمجال التربية وبناء القيم والتنمية البشرية بشكل عام.

ـــ العمل والعمل والإبداع والابتكار.

ــ التوجه الى الله والاستعانة به والتوكل عليه وإخلاص العمل له وتحصيل القبول والأجر منه وحده فقط.

 يتطلب الأمر مشروعا قوميا على مستوى عالمنا العربي لتخطيط وبناء القيم والمحافظة على الهوية ، يتعاطى مع الواقع الجديد بكل مكوناته الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية .

مشروع محدد الملامح فكريا يعرض على الجميع لتتبناه القلوب الواعية المخلصة

فردية كانت أو فرق عمل وتحوله الى مشروعات تفصيلية وبرامج عمل تتنافس فيما بينها على إبداع وابتكار أفضل السبل والوسائل والأدوات اللازمة لتحقيق الهدف المنشود .

مشروع قومي كبير يقدم البنية التأسيسية والدعم الفني الاساسى اللازم لأية مشروعات وجهود تفصيلية لتخطيط وبناء القيم على مستوى وحدات صغرى

 ( مجتمع ، مؤسسة ، مدرسة ، نادي ، أسرة ... الخ ) .

مشروع قومي يمتلك في حده الأدنى وبشكل عاجل إستراتيجيتين متكاملتين:

الأولى: إستراتيجية للبناء

تعمل على دعم وتعزيز كافة الجهود المتنوعة لنشر وتعزيز القيم الايجابية والتعريف والتدريب على تطبيقاتها السلوكية المعاصرة في حياة الفرد والأسرة والمدرسة والنادي والمؤسسة والمجتمع .

والثانية لمواجهة وصد تيار القيم السلبية الوافدة:

تعمل على رصد ومتابعة وتصنيف وتبويب كافة القيم والأعمال التي تعمل على نشر القيم والسلوكيات السلبية الغريبة على ثقافتنا العربية والإسلامية الأصيلة، من خلال كشفها وتحليلها وفضحها وبيان مخاطرها على الفرد والمجتمع، وتقديم البديل الواجب لها

من خلال :

ــ الرصد السلوكي والقيمى لتوجهات وميول وسلوكيات المجتمع خاصة قطاع الشباب.

ــ متابعة الأعمال الإعلامية المتنوعة ( مقروءة ومسموعة ومرئية ) خاصة الفنية المرئية منها ورصد الأعمال التي تحاول عرض ونشر السلوكيات والقيم السلبية.

أو تحاول هدم القيم الايجابية تمهيدا للتعاطي التربوي الاعلامي الجيد معها..

ــ شرح وتفكيك القيم السلبية الوافدة على المجتمع بلغة سهلة وواضحة والتعريف بمخاطرها ,آثارها السلبية المتنوعة على الفرد والمجتمع .

مع ضرورة تقديم القيم الايجابية البديلة في كل موقع ولكل حالة. 

التعليقات

اقترح ان نقوم نحن

متفق جداً و اقترح ان نقوم نحن المنخرطين في مشروع النهضة بتكوين خلية تجريبية نحدد تخطيط للقيم التي نتفق على مناسبتها للعصر كنمودج للنهضة بالرسالة المحمدية و نطبقها كمنهج حياة و عمل انطلاقا من تنظير واضح و معاصر يناسب التحديات المفروضة على الرسالة المحمدية في الاقتصاد و التجارة و الاجتماع اي تنظير شمولي ذو تطبيق انموذجي . و هذا التنظير ينخرط فيه كل منظم لمشروع النهضة نقتدي في ذلك بالرعيل الاول اي لا نعتمد كثيرا على تحرك الحكومات فتحركها تحكمه المصلحة الانية و الخطر القريب فقط.
من الممكن ان نقوم بمحاولة انتاج حضاري مصغر و اقترح الانتقال من نظرية الانسان المواطن الى الانسان الراشد ففيها من العالمية في اصولها ما يتيح التفاف كل انسان حولها و لو لمصلحة مادية
فالرسالات السماوية حررت الانسان من عبادة ما لا ينفع و لا يضر و البشر اليوم انتقل الى الايمان المصلحي و المادي اي عبادة العلم الدنيوي و الاسلام يقدس العلم الراشد فتحدي الرسالة المحمدية بعد حسم عبادة الاوثان عليها رفع تحدي جديد يطلق ممكنات المسلم و انتاجه و هو عدم اقصاء العلم الدنوي م اقتصاد و تجارة ... الى ترشيد العلم الدنيوي و عليه تنتج علوم جديدة لمواجهة هذا التحدي عدكعلم السنن الكونية ولي اجتهاد متواضع هنا . المقصود ان بعد حسم الاسلام لمسالة العبادة اي لا اكراه في الدين فان البشرية انتقلت الى مستوى اخر فيه حضارة بشرية ذات مصير متحد و ان لم تبلغ مستو ى رشد انساني تنزل بها عقاب من قبلهم و الانسان المسلم الراشد هو الاقدر بما له من رصيد ايماني ان يرفع لواء الرشد الانساني الذي هو جزء من الاقتصاد و التجاة الاسلامية و تحويل مجرى الانتاج العلمي الدنيوي الى انتاج راشد و اعادة التنظير في بناء الاقتصاد العالمي بالتحكم فيه من خلال قوة الفرد المستهلك فمن يملك قوة العنصر المستهلك يملك توجيه الاقتصاد دون اقصاء لقوة العنصر المنتج. في فرنسا هناك رجل اعمال قد وصل الى نفس المنطق و يحاول نشره بتكوين قوة شراء يواجه بها قوة الانتاج و هو في مرحلة التجريب و لكنه رجل اعمال غير مسلم اي سيستغل هذا في تكديس الثروة و ليس معني بتحقيق المروحة الاقتصادية الاسلامية التي تخذم تحدي الرشد الانساني الذي نزلت به الرسالات السمواية في الاقوام السابقين المتحضرين بذون رشد و التي اجتهدت في نشره الخلافة الراشدة فالاسلام حسم موضوع الاكراه و تحدي اليوم هو عدم اقصاء العلم بل ترشيد الانسان بما فيه من مبادئ ما بعد تبليغ الرسالة المكثف و الذي كان الجهاد القتالي سنة طبيعية اما اليوم فالتبليغ السلمي جزء من القيم البشرية اما الرشد الانساني فميدان مفتوح فالاختلال في الانتاج و التوزيع و الاستثمار مختل و هناك نوع جديد من الاسثمار هو الاستثمار الانساني ظهر مؤخرا في امريكا و مبادئ الاسلام فيها مؤسسات حقيقية لهذا النوع من الاستثمار الانساني.

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.