رمضانيات (6) سورة الأنفال.. قوانين محكمة!
سورة الأنفال 75 آية ، وهي نموذج للسور المدنية ، والتي تعالج أوضاع المجتمع الجديد...مجتمع في حالة إستنفار كامل ويقوده نبي. فسورة الأنفال مليئة بالمواضيع المتعلقة بالحرب، وهي تشكل قوانين للعقل المسلم، وتنظيم لخارطته المعرفية وحكمه على الأشياء، وتعطينا مؤشرات كبرى للتفكير الموضوعي مثل:
- · مجتمع المدينة مجتمع بشري فيه كل النوازع البشرية.
- · لا يستغني أحد عن الدعم المادي والمعنوي.
- · الحرب عقل وتدبير.
- · الفتنة لها قوانينها.
- · الخير وإن صغر حتى مع الكفر نافع في الدنيا.
- · لا جبر، والحساب عدل على ما كسب الإنسان.
- · الانتباه للتغيرات النفسية وخطورتها.
- · احترام العهود تحت كل الظروف.
- · الإعداد الأقصى هو الإعداد الذي يرهب العدو لا الذي يغريه .
- · السلم مطلب سامي رغم الخوف من نوايا العدو.
- · الصدام المباشر يحتاج لحسابات.
وهو كم هائل من الإشارات والحكم، يعرض علينا في سياق قصير مبهر مخلوطا بأحداث حية لا بتجريد ممل ...تلك هي سورة الأنفال التي سنبحر معها ونستفيد منها بقدر استطاعتنا وهي في مجملها يمكن عرضها في شكل قوانين.
قانون الحالة النفسية :الإنسان تنازعه الدنيا وإن سما.
و تفتتح الآيات بصورة صاعقة (يسألونك عن الأنفال ! قل:الأنفال لله والرسول ...فَاتَّقُواْ اللَّهَ... وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ... وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ! ) هاهم المهاجرون والأنصار ، صحابة رسول الله في أول معركة مع معسكر الكفر، معركة بدر ، وقد انتصروا ، فما هي المشكلة التي اقتضت هذه البداية المفاجئة ؟
إنها الأنفال، غنيمة الحرب، سيتنازع المؤمنون من الفريقين لمن هي ! وسيصلون لفض نزاعهم للرسول صلى الله عليه وسلم...
وبداية السورة تظهر أن هناك تهديدا حقيقيا للعلاقات البينية بين جناحي المجتمع المسلم المهاجرين والأنصار، كان في وسع القرآن أن يتجاهل هذه الحالة البشرية ، كان في وسعه أن يبارك لهم النصر، ويترك علاجها لآية قصيرة تحسم النزاع بطريقة مستترة ، ولكنه قرآن رب العالمين يعرض علينا صورة الإنسان الطبيعي وليس الإنسان الملاك، الإنسان الذي يصلح أن يكون قدوة لي ولك!
الصحابي البشر...فرغم أنه صحب أعظم الأنبياء، ورأى وجهه الشريف، وتلقى الوحي منه مباشرة، ولكنه مع ذلك ضل ذلك الإنسان البشر الذي يرتقي فيصل للثريا، وتنازعه نفسه فيتنازع على الغنيمة! هو أحسن البشر ولكنه يضل بشرا.
والآن وقد أدركنا المشكلة وطبيعتها فلننظر لسورة الأنفال لنرى معالم الطبيعة الإنسانية كما خلدها القرآن الكريم ومعاناة الرسول معها. والسورة تبدأ من نهاية المعركة، وقضية الغنائم والتنازع حولها، وتبدأ الآيات بحسم مادة النزاع ثم تعرف بالإيمان الحق والطاعة ، فهل كانت هناك مشكلة في الطاعة تقتضي هذا التنويه! إنها تلك الذيول النفسية لموضوع الامتثال...فالإنسان قد يطيع ظاهرا، وتبقى النفس غير ممهدة الأكناف وهي حالة البشر عند التنازع ، وهو ما تناوله القرآن في أربع آيات وصفت المؤمنين حقا ووعدتهم بالمغفرة(2-4) .
قانون المعنويات (الإنسان يحتاج للدعم المعنوي بالإضافة للمادي) :
وتكشف لنا بعدها زوايا أخرى من المشهد يذكرهم الله فيها بتقلباتهم النفسية وبفضل الله عليهم بالنصر. ها هو فريق منهم يكرهون الخروج! وها هم يجادلون الرسول جدال من يساق إلى الموت ! وها هم يتمنون أن لايخوضوا قتالا ! وهاهم يرون العدو وكثرته ويستغيثون الله! وها هم يحتاجون للدعم المعنوي والتثبيت !(5-14).
قانون الالتحام العسكري (لا فرار ولكن بدائل مفتوحة ...عقل وتدبير):
وتكشف لنا الآيات (15-16) قانوناً في غاية الأهمية في قوانين الالتحام العسكري فالمقاتل لا يفر من المعركة، ولكنه أيضا لا يخوض قتالا يهدر فيه روحه لو كانت حياته أنفع لأمته فله الحق إن وجد أن القتال في هذه المرحلة عقيم أن يختار طريقة المخادعة العسكرية ليقوم بتحرك يباغت العدو (متحرفا لقتال ) أو لينظم لمجموعة قتالية أخرى استعدادا لجولة أخرى (متحيزا إلى فئة).فهو عند الالتحام يخوضه بعقل وتدبير وليس بتهور وتبرير.
قانون النزاع الفتنوي مؤذن بالخسارة :
ثم تعيد السورة رواية المشهد لتذكير المتنازعين بأن النصر كان بتدبير بعون الله لهم وهي أدوات معالجة نفسية مهمة لأن نزاع الغنائم لاعتقاد المقاتلين أنهم استحقوه بجهدهم، ولذلك تختم هذه الآيات بأمر الطاعة وعدم التولي وتدعوهم أن يصيخوا السمع لله والرسول، وتحذرهم من الموت على حال عدم الطاعة، وتحذرهم من الاستسلام للفتنة العمياء والتي لا تذر أحدا، وتذكرهم بفضل الله عليهم بتكثيرهم وتمكينهم، وتحذرهم من الخيانة بالتواصل مع العدو خوفا على الأولاد والمال (17-29) وهي آيات متوالية تكشف جانبا في غاية الأهمية للتفاعلات البشرية لصحابة رسول الله وهو بين أظهرهم والمخاطر الداخلية في الصف المسلم .
قانون الهلاك الماحق (وجود النبي وطمعه في قومه مع بقايا صلاح فيهم يمنع عنهم الهلاك الماحق):
ثم تعود الآيات (30-38) لتعالج زاوية أخرى هذه المرة وتوجه الخطاب لمشركي مكة وهي بطبيعة الحال تبين لهم فشلهم في التصدي للدين الجديد ونصر الله له، وفيها إشارة لسبب عدم نزول عذاب الله المهلك لهم فهم على شركهم كانوا يستغفرون (33) ثم تنتهي هذه الجولة معهم لتنذرهم أن فشلهم في الماضي سيتكرر في المستقبل (فقد مضت سنة الأولين ).
ثم تعود الآيات( 39- 49 ) لخطاب المؤمنين بقتال المشركين حتى تنتهي الفتنة ، وتحدد خمس الغنائم للرسول يصرفها في وجوهها وتعيد التذكير ببدر وفضل الله فيها عليهم، وتعيد الأمر بالطاعة وبعدم التنازع وتجعل التنازع أساس الفشل والتفكك ، وتذكر المؤمنين بموقف المشركين وبطرهم وكيف غرهم الشيطان ثم تخلى عنهم ثم تذكرهم بما قال المنافقون عن أهل الإيمان .
قاعدة بما قدمت أيديكم ...مرتبطة بقاعدة ...أن الله ليس بظلام للعبيد (51):
هلاك الإنسان وعذابه في الآخرة مرتبط بعمله في الحياة ، ولو لم يرتبط به يكون ظلما من الله، والله ليس بظلام للعبيد باختياره ومشيئته وهي قاعدة تنفي الجبر وتؤكد المشيئة .
قاعدة تغير النفوس يؤدي لتغير الأحوال (53):
فآل فرعون كانوا في نعيم...فكذبوا بالنبي وبالتالي نالوا جزاءهم المستحق ...تغير أحوالهم نتج عن تغير نفوسهم.
قاعدة احترام العهود وعدم الغدر والنبذ على سواء بمعنى رد العهد بشكل معلن وعدم الغدر (58) :
فبني قريضة عاهدوا ثم غدروا ثم عاهدوا ثم غدروا (55-56-57) ولكنك لا تقابل غدرا بغدر.
قانون الإعداد الأقصى لإرهاب العدو فلا يجرؤ على المهاجمة أو التعرض والهجوم مرتبط بشرط وبنسب(60):
فالغاية المتحققة هي إرهاب العدو (أيضا انظر قانون النسبة)
قانون :إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله (61-62)
لا تخف الغدر فتمتنع عن السلم فالله معك.
قانون : يجب مراعاة النسبة حين يكون الصدام مباشرا (64-66)
النسب المقبولة لخوض الصراع المباشر مع العدو 1:10 أو 1:2
قضايا تثيرها الآيات 76- 71 :
هل يقتل الأسير؟ وخصوصية أسرى بدر!
وفي هذه المعركة أخذ الرسول الفدية في أسرى قريش، وجاءت الآيات لتعاتبه على هذا الاختيار (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم)76 وهي آية قد تشكل على من لم يلم بأحكام الأسرى في الإسلام ...فها هنا حالة خاصة متعلقة بظرفها، وإلا فحكم الأسير متروك لتقدير ولي الأمر (فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) و (يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا) وفي الإحسان للأسير وإطعامه وكسوته وتركه لعبادته وعدم تعذيبه أحاديث وأمثلة لا حصر لها.
قانون التعاضد والوحدة الإسلامية:
موضوع السورة الرئيسي هو الشقاق الحاصل بين كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار، والآيات 72-75 تتحدث عن وحدة الفريقين وتدعو من لم يلتحق بدار الإسلام من المسلمين أن يسارع ويهاجر إليها، وتمتدح الآيات المهاجرين والأنصار.
هذه بعض قطوف سورة الأنفال فتأملها وأعد قراءتها فلا حصر لفوائدها ولا عد.

التعليقات
انرت عقولنا
انرت عقولنا د.جاسم
هذاالمقال بالنسبة لي جعل فهم سورة الأنفال اكثر قربا من الواقع
كما أتمني من الموقع تعديل أرقام الآيات التي كتبت بالمعكوس
يعطيكم العافية
فهم عميق
الكلام مختصر إلا أنه غاية في الدقة و التوضيح
أثابكم الله عليه
اخيرا....
اخيرا.... اشتقنا الى تاملات وتذخلات و نصائح و اضاءات د.جاسم مع كل الاحترام و التقدير.
ليس الإنسان الملاك، الإنسان الذي يصلح أن يكون قدوة لي ولك!
رب العالمين يعرض علينا صورة الإنسان الطبيعي وليس الإنسان الملاك، الإنسان الذي يصلح أن يكون قدوة لي ولك!
رائع.... كما العادة تفكر اسلامي حر فعلاً نتعلم مع الحرية سلامة العقيدة و الفطرة السليمة .... مقال يثلج الصدر ... بواذر منظومة اسلامية اصيلة تتكلم لغة العصر من القران مباشرة الذي تكلم لغة العلم الحديث قبل ان يكتشفه الغرب...
نظام اقتصادي عالمي اسلتمي حديث لا يتجاهل مصلحة الفرد و يربطه بمصلحة الفرد في نمو المجتمع
أضف تعليقاً