طالوت بين الحق الإلهي والتجربة المرحلية
كان تحديا حقيقيا ذلك الذي واجهه بنو إسرائيل، فهم بعد طول العهد برسالة السماء، وجدوا أنفسهم محاصرين بين مأزقين، المأزق الخارجي بالهجمات الكنعانية المتتالية، والتحدي الداخلي المركب من توالي حكم القضاة، والتمزق تبعا للأسباط والأنساب، وتفكك القيم الذي قصته التوراة، ومن شاء فليقرأ سفر القضاة.
لكن الاستجابة الاجتماعية كانت محدودة للغاية، حتى تحركت النخبة من بني إسرائيل ليجدوا حلا، وسجل القرآن القصة في سورة البقرة، بداية من قوله تعالى: ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) إلى آخر الآيات.
والملأ الذين تحركوا كانوا مدفوعين بالضغط الذي كانوا فيه، ولم يكن يهمهم كثيرا التحرك الهجومي، ولذا وضع النبي صموئيل أو شمويل وفقا للمفسرين اختبارا جديا، يقول تعالى: ( قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا)، لكن بسبب داء عدم الجدية الذي تصاب به الأمم في حالات هزيمتها النفسية، فقد وقع ما حكاه الله تعالى : ( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين).
لكن لماذا كانوا ظالمين؟
لتخلفهم رغم وجود عوامل التحرك، وتقاعسهم رغم وجود عوامل الفعل.
فالنبي موجود بشرعيته الدينية، والذي أسبغ على الملك مشروعيتين دينية وسياسية، يقول تعالى : ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم)، أي أنه ذكرهم بالعوامل التي توجب ملكية طالوت، وهي: اصطفاء الله تعالى، وهذا عنصر يبين فضل طالوت في نفسه، والشرعية السياسية تبين في ابتعاث الله له، وزيادة الله لطالوت بسطة في العلم والجسم، والمرحلة تقتضي علما، وقوة بدنية لمباشرة القتال، ونبههم للقاعدة الأساسية، وهي أن الله يؤتي الملك على الخلق لمن يشاء منهم.
والمشيئة هنا كونية لا شرعية، فقد يملك على المؤمنين الكافرون، ولكن هنا اجتمعت المشيئة الكونية والشرعية، بوجود ملك مختار إلهيا.
وأثبت طالوت كفاءته، فهو إداري محنك تخلص من النخبة المترفة التي اعترضت أولا عليه لكونه لم يؤت مالا، لأن هذه النخبة لم تثبت، وكان التخلص منهم باختبار موضوعي للطاعة للقيادة، ويحق لطالوت أن يختبرهم بهذا الأسلوب، فهو مختار إلهيا، ولذا لم يثبت معه إلا الذين يظنون أنهم ملاقو الله.
لكن مرحلة طالوت انتهت بقتل جالوت، وكان يجب أن ينتقل الملك لشخص آخر يستطيع الإيفاء بمقتضيات مرحلة أخرى، يحاج فيها بنو إسرائيل للقيادة السماوية التي تمسك بمفاتيح السماء، وتسلك سبل الأرض.
بعيدا عن الروايات التوراتية حول صراع طالوت وداود، وأن طالوت حاول قتل داود عليه السلام، فإن مرحلة طالوت في الدفاع والحماية انتهت، وكان يجب تسليم القيادة لمن يحسن البناء والتعمير.
وأستطيع بثقة تفنيد الروايات التوراتية لا لكون طالوت كان رجلا فاضلا مختارا إليها، لا بل لأنه وببساطة لم يذكر القرآن هذا، ولو كان طالوت طغا، لكان في هذا من العبرة ما يمكن أن يذكره القرآن، والقرآن ذكر الذي انسلخ من آيات الله ، وصار كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
فالأدق أن طالوت انسحب من الميدان بهدوء، ودون ضجيج، تحت ظروف معينة، قد تكون وفاة طبيعية أو موتا في معركة أخرى، المهم أن الرجل أدرك أن مرحلته انتهت، وانسحب في صمت، واحتفظ له القرآن بصورة إيجابية للقائد الحاذق والذكي.
إذن فالحق الإلهي لم يعف طالوت من سنة التغيير، وكان التغيير حتما لازما، كما أن الاصطفاء الإلهي لم يكن لشيء إلا لكون طالوت صالحا في نفسه، مصلحا لمجتمعه بما لديه من صفات، وأن المرحلة بقدر ما تتطلب قائدا خاصا إلا أنها كذلك تتطلب صناعا مختصين بالتغيير وصناعته.
بقي أن نؤكد على أن هذا لا يعني وجود نظرية الحق الإلهي في نظرتنا الإسلامية، فتلك النظرية لا وجود لها، لكن كانت مقتضاة في مرحلة من تاريخ الإسلام كدين لأنبياء الله تعالى.
-----------------------
اقرأ أيضا:

التعليقات
اصلحو غفلة و تخلف الامة فنحن معكم مصلحين
اخي مختار ان موضوعاتك تخرج منظومة الاسلام عموما من اسر القصص و التقصيص الميت الى مبادئ و مفاهيم حية عامة ومجردة تستغل في خط التنظير النهضوي الى جانب خط التحرك النهضوي فهناك من يقرء التاريخ و القصص و لا يخرج باي قاعدة مجردة يستغلها بلغة العصر لنهضة الرسالة المحمدية او ربما لا يجرؤ فالقصص تنطق من ذاتها و لكن لا تعمى الابصار... ورغم عدم تخصصي في الكتابة المستقرئة للقواعد العامة و المجردة فاجتهدت في هذا و لكن من خلال قصص التاريخ الاسلامي السابق و احاول ان الفت النظر للاستقراء العام و المجرد للمنظومة الاسلامية و وصلت الى نتائج متواضعة و اراها مهمة و موضوعاتك تحمل هذا العبئ.
اما عن غياب التعليقات فاظن انه يعود الى عدم الاجابة ... وكنت انوي ان ارفع هذا لادارة الموقع فكل قارئ يعلق في موضوع من المهم جدا جدا الاجابة عليه من كاتب الموضوع ليتحقق التفاعل المطلوب مع في اي نهضة ولو بتحية او سلام و لم يجيب من كتاب المواضيع الا القليل و هذا من شانه في ظني ان يقتل التفاعل النهضوي الفكري و يومئ بان الموقع فارغ من التفاعل الحيّ .فاغتنم الفرصة للتنبيه الى ذالك بصفتي مذمن على الموقع...
و اخيرا اقول اني مهتم بكل كتابة استقرائية للقواعد المجردة قد استغلها لتكملة تنظيري الشخصي عسى ان يكتب لي به اجر امام جهودكم الطيبة .وستجد انشاء الله تعليق في كل مواضيعك و ارجوا الاجابة ما امكن او التصحيح او التوجيه فتعم الفائدة
بارك الله فيك و في موقع النهضة و رواده و اقول عن نفسي اصلحو غفلة و تخلف الامة فنحن معكم مصلحين.
اخي الفاضل
اخي الفاضل
اسنباط موفق جداً و لا يفهمه الا من يتعمد عدم الفهم و لا يسيؤ فهمه الا من قالو لهم عباد الرحمان سلاما.
يا سيدي الف شكر
السلام عليكم
أخي عبد القادر
أحييك بجد إنك قرأت وأحمد الله إنه هناك من رد وعلق
وبصدق دائما أسعد بالتعليق ولو كان سلبيا
شكرا جزيلا
أضف تعليقاً