رمضانيات (5) استمتع بسورة الأعراف !!
مكية إلا ثمان آيات من (163-170)، وهي مدمجة في قصة موسى عليه السلام. ومن معرفتنا بمكية السورة نستطيع أن نقول أنها ستعرض لموضوع الإيمان، والتكذيب عبر التاريخ لوضع العبرة، ولمواساة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسترسم معالم للقيم الكبرى التي سترتكز عليها الحضارة الإسلامية .
تمهيد يظهر غرض السورة الأساس:
والآيات تبدأ بقضية القرآن وما سيلقاه الرسول من المقاومة، وتذكير بما حصل لهذه القرى بعد أن دعاهم الرسل فكذبوا، عاقبتهم في الدنيا وعاقبتهم في الآخرة، وهي مقدمة تناسب سرد القصص بعدها ، وكل ذلك في آيات مركزة من (1- 9)
نقطة البدء في قصة الإنسان :
ثم تبدأ القصة بأبي البشرية آدم عليه السلام وزوجه، ونجاح الشيطان بداية في غوايتهما ثم استعادتهما للتوازن واعترافهما بالذنب، ونزول الإنسان والشيطان للأرض (10-25)
العفو والتكريم وفك الأغلال
(حرية الاختيار –حل الاستمتاع بلا إسراف – أهمية طهارة الباطن مع الخارج)
ثم تأتي علامات التكريم للإنسان، فهو يعطى اللباس وفوقه الريش والزينة أو اللباس المادي ، وفوقه اللباس المعنوي وهو التقوى ، ودعاه ألا يكرر غلطة آدم وأن لا ينسبوا الفواحش لله فهو لا يأمر بها، وفيه إشارة لقضية الاختيار الإنساني، وناسب ذلك بعد أن يعقب المولى بأن الناس فريقا هداه الله (بالكتاب والدعوة فأختار الصواب ) وفريقا هو اتخذ الشياطين أولياءه يظن أنه على هداية (26-29)
ثم تأتي تقريرات إلهية في غاية الأهمية لهذا الإنسان وهو في مكة، أمر بالزينة والاستمتاع بلا إسراف ، وتأكيد أن الزينة والطيبات مهمة في الدنيا والآخرة وخاصة للمؤمن، وبيان للمحرمات من الفواحش النفسية الداخلية والفواحش الخارجية، والبغي والشرك والافتراء على الله، وتقرير حقيقة كونية كبرى أن الأمم آجال !! (30-34)
نافذة على الخاتمة في القيامة بعد قصة البدء :
ويسوق القرآن مشهدا لثلاثة أصناف في الآخرة، وحواراتهم بعد الأمر بإتباع الرسل، وهو مشهد بديع من ناحية السرد حيث نرى المقدمة والخواتيم مصورة للعيان وكأننا نلمسها ...أهل النار وأهل الجنة وأهل الأعراف، وهي نافذة يفتحها الحق على الصورة النهائية للمشهد. ويعقب عليها بأنه حين تظهر النتائج النهائية وتؤل الأمور لنهاياتها ستكون الحقيقة المذكورة واضحة للجميع (35-53)
والمطلوب هو دعاء الله والإصلاح في الكون وكل بلد ينضح بما فيه من خير وشر (54 -58)
قصص الأنبياء التي تنتهي بهلاك الأقوام دون فرصة ثانية:
ثم تأتي الأمثلة التي بدأت السورة بالتقديم لها، أنبياء يدعون للتوحيد ، يدعون للتوقف عن الفاحشة ، يدعون للتوقف عن الغش الاقتصادي والإفساد في الأرض يتهمون بالضلالة وبالتفاهة وبالكذب وبالتطهر!! وفي كل مرة يهلك القوم الظالمون ...نبي ..تكذيب ...قبض للدنيا ...بسط للدنيا ...اغترار...هلاك مفاجئ ...والعبرة الكبرى مع التكذيب، وعلى الإنسان أن يتوقع الهلاك بغتة.(59-102)
قوم آخرين ونقلة أخرى للبشرية مع موسى عليه السلام وقومه، صنف من الناس نالوا فرصا كثيرة :
ثم تأتي قصة موسى وفرعون وقوم موسى عليه السلام، وكأنها تصوير لكل المشهد وما يعانيه الرسل هي حوصلة لعذابات الرسل في تنوعها...دعوة ...طغيان سياسي ...نبي وآيات ...قوم تطبعوا بأخلاق العبودية الطويلة ...اتعبوا نبيهم ..وأمروا بالتصديق بالنبي الخاتم، وبأن يأخذوا الكتاب بقوة ولكن عاقبتهم لم تكن الاستئصال فلهم فرصة أخرى مع الرسالة الجديدة وأمامهم اختيار جديد.( 103-171)
الاحتجاج بالقدر مرفوض :
كل هؤلاء قد يحتجون بأن الله قدر عليهم وشاء لهم الكفر، وهنا تأتي آيات ثلاث في غاية الروعة تعيد للإنسان الحقيقة وتستثير أقصى قدراته العقلية:
1- وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ.
2- أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.
3- وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .
والآيات تتحدث عن لحظة زمنية غامضة يفسرها لنا كتاب الموسوعة القرآنية الميسرة " والمراد أن الله تعالى خلق الإنسان مستعدا بفطرته وبالأدلة الكونية للتوصل للحق والاعتراف بخالق الكون "...ومن هنا تأتي قضية رفض اعتذارهم بأنهم اتبعوا آبائهم باعتبار أنهم مزودون بالأداة التي تسمح لهم بالاختيار والمفاضلة. وهنا تزودنا قصة الرسل السابقة بوضوح كبير في الصورة فها هنا عرض من الأنبياء للحق وها هنا الإنسان يختار عدم الهداية ويسوق في الضلال ويركسه الله فيها بناء على اختياره للضلال .
ولكن ما هي الفطرة التي يتكلم عنها الشارح هنا ، وهل تشرحها لنا الآيات اللاحقة :
يسوق لنا المولى عز وجل قصة شخص آتاه الله العلم فاختار الضلالة (آتيناه آياتنا (هداية الكتاب والعلم ) فانسلخ عنها (بإرادته)، ولو شئنا لرفعناه بها (رغم إرادته فنحن نستطيع ) ولكنه أخلد إلى الأرض وأتبع هواه بإرادته، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (يستخدمون الآلة التي أعطيناهم إياها وهي محل التكليف وسببه وهي آلة العقل ) وعلى ذلك نفهم الآية اللاحقة والتي تبدأ بقوله تعالى : من يهد الله (بكتبه وبتدبرها والتفكر فيها ) فهو المهتدي ومن (يختار الضلالة )يضلله ويكون من الخاسرين.
وتأتي الآية التي بعدها مؤكدة لها ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها -أغلقوا عقولهم وما أودع فيها من قوة المعرفة - ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل!! وهي آيات شديدة الجرس والتقريع على من لا يستخدم ما أعطاه الله من النعم ...فيا ترى لو كان مجبرا على الضلالة غير مختار لماذا يقرع على عدم استخدام هذه الملكات !؟
الخاتمة المرتبطة بالمقدمة :
تقدم الخاتمة نصائح كبرى للأمة الجديدة بعد أن عرضت عليها خواتيم الأمم السابقة :
لا تلحدوا، أدعوا للحق واعدلوا به، لا تستعجلوا ولا تغتروا بما عند المكذبين فهو إملاء لهم ، لا تنسوا استخدام العقل ، لا تتوقفوا عن النظر في الكون ...وتؤكد الخاتمة على بشرية الرسول، وتعيد التأكيد على موضوع سيظل يتكرر في القرآن وهو أهمية استخدام السمع والبصر أو عدم إغلاق منافذ المعرفة والسير في الغفلة .
تلك بعض قطوف سورة الأعراف في رمضان.

التعليقات
اسلوب جميل يدفع فيه القارئ للاسترسال
موضوع كما العادة جميل و لكن الجديد هو ما شعرت به من قرب من الكاتب.ربما عائد الى اسلوب العرض.
اسلوب جميل يدفع فيه القارئ للاسترسال بذهنه و لا يتقيد بفكرة مغلقة بل يسترسل في شعور بحرية فكرية
اما من ناحية المضمون فلفت انتباهي
الأمم آجال ... و الرسالة الجديدة فرصة الفرص لكل الامم
تفصيل أكثر من رائع ...د.جاسم
تفصيل أكثر من رائع ...د.جاسم ... بروكت أناملك وجزاك الله والقائمين على مشروع النهضة كل خير ....
أضف تعليقاً