رمضانيات (4) حرية الاعتقاد وحرية التفكير!!

لنبدأ بسورة البقرة، وهي تبدأ بتقرير كبير عن القرآن (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ثم تعرض معسكر الإيمان الصريح، ومعسكر الكفر الصريح، ومعسكر النفاق.  وتروي لنا قصة خلق الإنسان وتمييزه بالعلم، وهي ترسم لنا نموذج لأمة اليهود التي لم تستقم على العهد، ومن ثم تنزع الشرعية الإبراهيمية التي يتسترون بها نظريا، وتنزعها عنهم عمليا بتحويل القبلة. وسنقتطف آيتين من السورة لهما دلالاتهما الكبرى في مسيرة النهضة.

ولنبدأ بالآية (256) (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ).

والآية نزلت كما يقول ابن عباس في أنصاري هو – الحصين - أراد إكراه ابنين نصرانيين له على الإسلام ، فأبيا إلا النصرانية، ونزل القرآن ليقرر قاعدة كبرى وواحدة من أمهات القضايا التي ستعتمدها البشرية بعدها بقرون في مواثيقها وهي حرية الاعتقاد.

الإنسان يمكن قسره سياسيا وماديا، ولكن لا يمكن الوصول لأعماقه إذا اطمئن قلبه لمعتقد ما ( إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فالإكراه في المعتقدات خطير، وهو مولد للنفاق، والنفاق شر الآفات، وبالتالي فالإنسان متروك لعقله ومنطقه ليصل للحقيقة التي يطمئن لها.

وعجبي لمن يقول أن الإسلام جاء ليكره الناس على الإسلام بالسيف أو بالقمع أو بالترهيب!! وهو الدين الذي جاء لتحرير الإنسان وإرادته، وتحميله مسئولية الاختيار. وهو فرع من تميز آدم على الملأ الأعلى، وقابليته للتعلم، ثم عرض كتاب الهداية عليه ككائن مختار.

وهنا وفي هذا السياق السجالي العنيف مع أهل الكتاب، وهم مواطنون في دولة المدينة ويحملون اتجاهها مشاعر غير ودية، وهم في قبضتها يقرر القرآن قاعدته الكبرى ( لا إكراه في الدين ) فتأمل وانظر.

وتقدم لنا الآيات 257 -260  إبراهيم المدافع عن الدين وهو يجادل! (ألم ترى إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ...) وإبراهيم الذي يقدم طلبا غريبا ( ارني كيف تحي الموتى!! ) زاوية أخرى للنظر لنبي الله إبراهيم، ففي سياق الحوار مع النمرود والذي ينتهي بإفحام النمرود، ها هو إبراهيم عليه السلام يستخدم أداة العقل في نقاش النمرود! وهو يدعوه إلى الله، ثم ها هو إبراهيم عليه السلام في وقفة أخرى يريد مزيدا من طمأنينة القلب ليضيف للتصديق العقلي التصديق الحسي! ولا يأتي القرآن لينهره، ولكن يلبي له طلبه فانظر وتأمل!! فهذا إبراهيم المدافع بالعقل عن الدين، وإبراهيم المتسائل في العمق يجعله الله أبو الأنبياء ويعده أمة وحده من دون الناس!!

والسورة تختم بقول الله عز وجل ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ). فالاعتقاد الصحيح والاستجابة لأمر الله هي من مقدور الإنسان الذي لم يكلفه الله فوق ما يطيق، شرط أن يستخدم ما أودعه الله من قوة العقل والعلم.

ومن هنا نرى كيف حددت لنا أول سور القرآن بعد الفاتحة خضم الصراع الدائر في المدينة، وحرية الاعتقاد ومشروعية التساؤل والتفكير.

التعليقات

دعوة

مما فهمت أدعو القائمين على دعوة المسلمين وغير المسلمين للتسلح بالبراهين والحجج العقلية لتطمئن قلوب المسلمين وتستجيب قلوب غيرهم، ولاداعي لمقولة( أمر تعبدي) أي كما أمر به الله حتى في الدعوة، لأن هذا ما أتاح الفرصة لأصحاب البدع التي لا يقبلها عقل أو منطق أن يلصقوها بهذا الدين.

راي

احترامي و تقديري د.جاسم
فعلا لا يمكن اكراه احدٍ لان الايمان مسالة ذاخلية و باطنية فلا ينفع معها الا ما يمس الباطن و النفس الذاخلية و التحفيز العقلي او التحفيز العاطفي او التحفيز المادي كالهدية هي من الوسائل التدريجية التي تشرح الصدر او تنبه العقل لحقيقة ما فسيدنا ابراهيم حقق التحفيز العقلي لذى شخصية النمرود و لكن شخصية النمرود منعها صفتها من الاستجابة للتحفيز وهنا قد حسم اختياره فلا مجال لتحفيز اخر لان الغاية حققت و النتيجة سجلت و يستمر التعايش حول موضوع مشترك هو صفة البشرية على ارض البشرية فالتحفيز لا يلغي التعايش وهو ما يؤكد ان لا اكراه و لكن مسالة لا اكراه لا تعني لا دعوة فالدعوة صفة بشرية راقية اي من وجد كنز او بحيرة ماء فان التصرف الحضاري و االمدني ان يدعوا بني بشريته اليه و الدعوة او التبشير في المسيحية نقطة مشتركة بين الديانتين و لكل منها وسائل تكاد تتشابه و هي متدرجة منها الاكرام و الهديا و الحوار اللين و التحفيز العملي فكلها و سائل تدفع النفس الباطنة الى التساؤل و التامل و بعد اتخاذها القرار فنتحول الى التعايش البشري في صوره الراقية الانسانية اما الجنة او النار فلا يتاءلى بها الا ظالم لنفسه و فالاسلام يؤكد ان لا اكراه و ان الامر بيّن اي يدفعنا الى التعايش الانساني الراقي و لكن يضفي يقيين عالي الوتوقية في الحقيقة الايمانية الاسلامية كمن يقسم بوضع يده في النار ليؤكد صدقه لمن يدعوهم و هذه قيمة مضافة في دين الاسلام و هي رحمة ومنة من الله فكل من اسلم لله جل في علاه تحتويه ثقة ايمانية عالية يتعسر ذخول اي شك فيها سواء شك عاطفي او عقلي وهذه معجزة في ذاتها...طبعا فرق مع النفاق لان المنافق لا يذخل الدين بصفة الاسلام الذاخلي بل يذخل بصفة نفاق ذاخلي
في الاخير اني اشعر ان شخصية النمرود قد احست باهانة !!!
مع شديد الاحترام و التقدير الى د.جاسم.

تعقيب..!

قال تعالى:[ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر] هنا تقرير أوضح من الشمس في رابعة النهار على مبدأ حرية الإعتقاد ,والإسلام إنما جاء لتحرير العقل .

جميل هذه الإستنباطات, التي يدعوا لها التدبر في كل مانقرأ.

حرية المعتقد ولكن التطبيق

مقالكم عزز لدي فكرة اعتقدها وهي أن سبحانه ونعالى أتى بهذا الدين من منطلق الحرية كمنطلق لكن لم يترك لنا حرية التطبيق كل على هواه لنكون منظومة فاعلة كل في مكانه , سبحان الله العظيم .

لك مني جزيل الشكر و الإمتنان والتقدير سعادة الدكتور جاسم ولك الدعاء لتقديم المزيد والمزيد لمشروع النهضة.

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.