الأمومة والأبوة السياسية: خلط الأوراق وتداخل المعايير
كان رسول الله (ص) عبر سيرته يعلم الناس الكرامة ويفهمهم أن الولايات مسئوليات، وأن من أخطأ لابد من تقويمه لأن الأمر يتعلق بمصالح العباد، وفي كتاب الله ربط بين العمل والجزاء، ومستويات التعزير والعقوبة التي كان كثير منها معنوي كالإقصاء والمقاطعة المعنوية من الجماعة أو سقوط الشهادة -أي الأهلية أمام القضاء - أبداً.
وحين وقف رجل يسأل عمر الخطاب عن ردائه الطويل من أين له هذا وقد كان نصيب كل رجل ثوباً بالكاد يكفيه وعمر طويل القامة استدعى عمر ابنه فقال إنه أهدى والده نصيبه كي يجبر قصره.
لم يقل أحد يومها أن السؤال في العلن منكر وكان الأولى الستر وملاطفة عمر بسؤال بين الرجل وبينه.
القاعدة أن العمل في المجال العام وأمور الولايات العامة لا مجال فيها لتحكيم قيم التراحم الأسري والستر على الأفراد في زلاتهم الشخصية. مادام المرء قد تصدر فعليه أن يقبل التقويم في العلن.
من هنا يستفز المرء استخدام لغة الأبوة والأمومة في المجال السياسي، ولن أتعرض للقادة والحكام لأن الكلام في هذا يطول، لكني سأنصرف إلى التعليق على الحركات، وخاصة الإسلامية منها.
جاءني السؤال من صديقة تأسى وتتعجب قائلة: لماذا يخرج «أبناء» الحركة على الحركة «الأم» في كثير من المجتمعات العربية. اللافت أن تلك الحركات تنتقد النظر للحاكم من منظور أبوي وترفع شعار الدستورية والحرية في أحيان كثيرة.
كان ردي إن استخدام الأمومة والبنوة في وصف أبناء الحركة مدخل خاطئ، فهؤلاء ليسوا أبناءً لحركة هي أسرة ومجموعة تراحمية تضامنية، هؤلاء مواطنون قرروا أن هذا «الحزب» هو حزبهم وساندوه سياسياً وتبنوا أطروحاته، لذلك فإن المشكلات التي تثور من حقهم في النقد لا ينبغي النظر لها بمعيار «العقوق» وإلا درنا في دوائر تخرجنا من معايير العدالة السياسية لمجال آخر لا ينفع الناس في أمور سياستهم البتة.
وكان الرد عندي أن خروج الناس على الحركة السياسية له أسباب، ويتخذ أشكالاً متنوعة، فنجد في الحركة الإسلامية مثلاً:
أولاً: ظاهرة انشقاق الحركات، أو الموقف الحاد الذي تتخذه بعض الحركات الإسلامية الحديثة أو الأحدث من الحركات الأقدم تاريخاً، ويكون السبب في الغالب رغبتها في التوجه الأكثر غلواً، فتزعم أن الحركات الأقدم تساهلت في أمور أو تتهمها بالمهادنة للأنظمة نتيجة طول الاضطهاد والملاحقة، فتأخذ التشدد نهجاً وتهاجم الحركة الأم. هكذا فعلت الجماعات الإسلامية في مصر في مواجهة الإخوان وذهب بعضها مثل جماعة التكفير والهجرة لأقصى حد في العداء.
وقد تكون هذه الحركات بالعكس حديثة وتريد أن تصف الحركة الأم بالجمود وتخاطب الجمهور بأنها أكثر «اعتدالاً» وبالتالي تكيل للحركة الأم الاتهامات وتبرر الانشقاق بأسباب مثل ضيق الأفق وعدم الإنصات للرأي المخالف وهيمنة الأجيال القديمة على التنظيم وعدم تداول السلطة وغياب الشورى وغلبة السرية والغموض على طريقة اختيار السياسات والضرب عرض الحائط بالقواعد ورأي الشباب.
أي أن الحركة قد تتهم من فريقين، أصحاب الغلو والإفراط وأصحاب التخفف والترخص بالمعنيين الفقهي والسياسي.
ثانياً: ظاهرة الأصوات التي تبرز من داخل الحركة، تتخذ مواقف مخالفة للمواقف الرسمية للحركة لكنها لا تحمل عصاها وتغادر، بل يظل هؤلاء الأفراد في الداخل لكن يشكلون فريقاً أو لوبياً ينتقد علناً طريقة إدارة الأمور، ويكون هذا الفريق من الجيل الأصغر، أو من أصحاب الخبرة المختلفة مثل تيار العمل النقابي الذي طور خبرات ثم زادت خبرته في العمل البرلماني فهو أكثر استعداداً للتفاوض في قضايا بعينها مع التيارات السياسية الأخرى وأكثر استعداداً للوصول لحلول توافقية، وقد يكون جيل الوسط أو جيلاً أقدم، لكن مازال يعاني من هيمنة الحرس القديم على التنظيم وحديثه باسم الجماعة واعتبار كل محاولات اللين للتيار المذكور اجتهادات شخصية لا تحسب على الحركة، بما يخلق درجة من الشللية داخل التنظيم.
ثالثاً: حالة وجود أفراد أو أصوات منفردة نشأت وترعرعت داخل الحركة الإسلامية ثم فضلت الاستقلال لتتحرر من عبء الانتماء التنظيمي سواءً العبء الأمني أو عبء الوقت والإدارة، وهذه تحبذ العمل المنفرد الحر وتلوم على التنظيم ضعف التجديد وبطء الحركة وتجنح للحركة في المجال الثقافي والدعوي أو المجال المدني والحقوقي. هي وفية لما نهلته من رؤية وضعتها على طريق الإسلام كمنهج حياة لكنها تركت فكرة التنظيم والمَأسسة وراءها وتتحرك بدوافع نبيلة ومخلصة لكنها تميل إلى الحرية التنظيمية والعمل في مجموعات أصغر بحرية أكبر أو العمل الفردي.
لكن الطريف هو أن الحركة الأكبر والأقدم تظل تنظر لنفسها باعتبارها «الأم» ، وتتهم كل مخالف في أي اتجاه وبأي صورة بالـ«عقوق»... ونظل نسمع عن التضحيات التي قدمتها الأجيال الأكبر وكأنها كانت للقبيلة والعشيرة والجماعة ولم تكن لله.
السؤال عن سبب «عقوق» الأبناء مدخل مضلل لفهم وتحليل الساحة السياسية والإسلامية، وكأنه سوء خلق وخيانة من طرفهم والرد عندي مجدداً هو من تراث عمر بن الخطاب لمن جاء يشكو عقوق ابنه فلما سمع مقال الابن في أبيه نظر للرجل وقال له لقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
ما مظاهر العقوق الأصلي من طرف الحركة الأم؟
- مصادرة حق الأبناء في الرأي والحركة والمشورة.
- عدم انتقاء المنضمين للحركة بشكل جيد، فهناك حرص على الكم (لخدمة الحشد والتعبئة وخاصة في الساحة السياسية) وتغاض كثير عن النوع والكيف في خلق المنضمين للحركة، فإذا حدثت مشكلة تجد سلوكاً معيباً وعدم التحلي بروح الاختلاف والنيل من تاريخ الحركة وأحياناً التناوش والتنابز بالألقاب، وهذه ما تجنيه حركة تتبنى كل من هب ودب وتعتبره ابناً لها من دون أن تتخير وتنتقي.
- عدم وجود ثقافة قبول التنوع داخل الحركة والسير على نهج الطاعة العمياء وليس الشورى المبصرة وذلك بدعوى حماية التنظيم والضغط الأمني وخلافه، وهو ما قد يبقي البعض فترة لكنه لن يبقيهم صامتين للأبد.
- التخاصم حين يترك الناس الحركة واتهامهم من قبل «الأم» بالخيانة وأحياناً بالعمالة وأحياناً بالجهل وتراه ثالثة بالتفسخ والانحراف وعدم الصبر وعدم ملازمة الذين آمنوا، والتخلي عن الجهاد وعدم الاستعصام بالجماعة، فتكسب العداوات بدلاً من استثمار العشرة الطيبة في بناء الجسور واعتبار كل من أقام بالبيت ولو لفترة أخاً عزيزاً وشريكاً ونصيراً محتملاً.
هذه «الأم» التي تطالب الناس بوفاء أهل الأرحام ولا تدرك أنها حركة اجتماعية وسياسية وليست دعوة نبوية أو معصومة تحتاج لتغيير عقلها والأخذ بالمثل الذي يقول: «إن كبر ابنك صاحبه»، لأنها أحياناً تستدعي العقوق استدعاءً وتستنفر الناس له استنفاراً بطريقتها في إدارة أمورها وشئون الناس! والله أعلم.

التعليقات
د.هبه حفظك الله
انا قرات كتابك فى مارس 2011 انا من السودان وهذه الايام د.طارق السويدان ضيفا عزيزا علينا ونحن فى السودان اكثر من عانى من مسالة الانشقاقات فى الحركة الاسلامية .يهون المصاب اذاكان الخلاف حول الرؤى اوالافكار ولكن يعظم المصاب اذاكان على الدنيا والمصالح الشخصية وباسم الدين
اطلاقـ الكفاءاتـ ؟؟
هل ينطبق هذا الكلام فعلاً د.هبة على أبناء الحركة الاسلامية ؟
مع الأخذ بالاعتبار أن الحركة الإسلامية ليست حزب سياسي وانما السياسة هي جزء من مشروعها الاصلاحي الكبير وبالتالي لا ينطبق عليها الكلام السابق بشأن الانتماء العاطفي والأبوّة والأمومة وغيرها من المصطلحات ..؟
مشكلة الجماعات أنها تودّ دائمًا الاحتفاظ بأبنائها وتتبنى نظرية ( التوظيف على مدى الحياة ) ، وهي نظرية مزعجة جدًا للبعض ، فلا يحتمل كلّ الناس أن يكون مرتبطًا دائمًا بالحبل السريّ للتنظيم طول حياته ، ولا تحتمل الجماعة أيضًا الازعاج المتكرر من هؤلاء لو استمرّ بقاؤهم داخل الجماعة كونهم شخصيات مختلفة بحكم البيئة والتربية وطريقة التفكير .. فتجلب في النهاية لنفسها صداع لا داعي له ، ولو أطلقتهم من البداية ضمن مشروع اصلاحي مستقلّ خاص بهم أو ضمن مشروعات مستقلة تعدها الجماعة بانتظار من ينطلق بها - لكان أفضضل كثيرًا مما يحدث الآن .
الحلّ في وجهة نظري أن تكون منهجية ( إطلاق الكفاءات ) جزء من عقلية الجهاز التنظيمي للجماعات الاسلامية ، وجزء من سياستها وقواعدها المكتوبة - لأن هذا يحلّ تقريبًا هذه الاشكالية التي ذكرتموها ..
بارك الله فيك يا د. هبة هذا
بارك الله فيك يا د. هبة
هذا التشريح المذكور لأبناء الصحوة لهو أقدر على فهم الواقع والوقوف على متغيرات ما يحدث بوعي كما أنه يعرض للفريق الثالث " تتخذ مواقف مخالفة للمواقف الرسمية للحركة لكنها لا تحمل عصاها وتغادر" أمل لما هو عليه وفقها لما يتعرض له من تهميش أو ردود تخديرية
جزاكي الله خيرا ووفقك لتبصير الرجال بما يختلفون عليه
بارك الله فيك يا د. هبة هذا
بارك الله فيك يا د. هبة
هذا التشريح المذكور لأبناء الصحوة لهو أقدر على فهم الواقع والوقوف على متغيرات ما يحدث بوعي كما أنه يعرض للفريق الثالث " تتخذ مواقف مخالفة للمواقف الرسمية للحركة لكنها لا تحمل عصاها وتغادر" أمل لما هو عليه وفقها لما يتعرض له من تهميش أو ردود تخديرية
جزاكي الله خيرا ووفقك لتبصير الرجال بما يختلفون عليه
مداخل جديدة
إن الشحصية العربية بطبعها شخصية عاطفية وهي تميل في فهم الأمور والعلاقات إلى المنطق العاطفي ولذلك لا يجب أن نفهم الحركات الإسلامية بمعزل عن طبيعة المجتمعات التي نشأت فيها وهذا مدخل أول . ينبني عليه أن نفهم أن مايحدث داخل المجتمع متشابه مع مايحدث داخل المجتمع بالكامل هو أيضا مايحدث بين الحكومة والمواطنين وبين الجمعيات الخيرية والعاملين بها وأنا هنا لا أحب أن ننتقد هذه الحالة بقدر ما نحسن استغلالها والتعامل معه وتهذيب زوائدها وسلبياتها التي تنتج عن الإفراط والتفريط. والمدخل الثاني لابد أن يكون إجتماعيا سياسيا وليس سياسيا صرفا لإيماني أنه لا يوجد علاقة سياسية صرفه سواء كان مفهوم السياسة غربيا أو إسلاميا وطبيعة العلاقات الإجتماعية في الحركات الإسلامية أعمق واشد منها داخل المجتمعات المحيطة بها . ثالثا لا ينبغي نسيان الواقع السياسي المأزوم الذي يستدعي دائما فكرة التوحد في مقابل التفرق والذاكرة التاريخية للحظات المحن تساوي بين التعددية والتفرق لأن لا ينبغي في وجهة نظر كثير من الناس إذا توحد الهدف والمنطلقات أن نفترف من أجل الوسائل عموما أرى أن تليل حالة الحركات الإسلامية يحتاج إلى كثير من المداخل وأهمها مدخل علم الإجتماع. شكرا لك د. هبة
د هبة .................
د هبة ................. بارك الله فيكي وانار لك طريقك اكثر واكثر ... فبقرائة مقالاتك تحدث المتعة العقلية وهي ابرز وافضل من وجهة نظري اشكال الامتاع الدنيوي . ولتدعيني اشاركك الرأي فيما ذهبت اليه من تحليل وتنظير يكاد يتطابق على وضع جماعة الاخوان المسلمين في مصر الان .
وان كنت قد اختلف في جزئية صغيرة في بداية مقالك وهي تعريفك لعلاقة ابناء الحركات بحركاتهم وليكون المثال اوضح فلنسقط الوضع على جماعة الاخوان المصرية : فمن وجهة نظري والتي اتصور انها من واقع ادبيات الجماعة وبحكم انتمائي للاخوان ان العلاقة الحالية ليست علاقة مواطن بحزب سياسي لعدم توفر الاخير بل هي علاقة فرد مسلم بتنظيم ما له رؤية معينة ارتئى هذا الفرد ان هذه الرؤية قادرة على ايجاد المفقود من حضارة الامة وتحقيق امر الاستخلاف في الارض ... وان كان التطبيق يشوبه خلل كبر او صغر حجم هذا الخلل . اما باقي المقال فهو تحليل موضوعي للواقع الحالي الذي ينحرف من وجهة نظري عن المعاني الحقيقية لما اراده مؤسس الجماعة الشهيد - حسن البنا .
المهم الان وجود المخرج والعلاج وتضافر كافة الجهود المخلصة لبناء حقيقي في جسد الامة الاسلامية يمكن من اعادة الخلافة والوحدة ولتحقيق استخلاف الله في الارض .
أضف تعليقاً