رمضانيات(3) غير المسلمين والعلاقة بهم!!
اختلال الخطاب:
اليوم تضطرب الرؤية والتصورات، ويغيب خطاب الإنسانية الجامع ( يا أيها الناس )، ولا تظهر في الإسلام مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم (رحمة للعالمين )، ويضيق خطاب المؤمنين ( يا أيها الذين آمنوا) ولا يعود يشمل عند البعض إلا على آحاد من الناس!! طائفة أو مذهب أو حزب أو جماعة، ويتشوه خطاب (يا أهل الكتاب ) حتى يصبح إذلالهم دينا عند البعض!!
فرصة للدعوة :
الناس بالنسبة للمسلم أمة دعوة ،هم فرصته للكسب الأخروي الوفير "لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " فوصفهم بالكفر اعتقادا لأنهم لم يدخلوا الإسلام هو تقرير حقيقة ، وتقرير الحقائق لا يعني تقرير الحقوق! فتنبه!
تقرير الحقائق غير تقرير الحقوق:
فالقرآن يقرر الكثير من الحقائق عن الإنسان وعن الأنبياء وعن الصالحين وعن غير المؤمنين ،ولكنه يضع هذا في مقام الوصف لا أكثر ولا أقل، فهو حين يقرر مثلا عن عقائد اليهود والنصارى ويصفها ،أو اتجاهاتهم النفسية في صراعهم مع الإسلام يترك بعدها مساحة واسعة لصون حقوقهم، والمسلم يفرق بين تقرير الحقائق وتقرير الحقوق، فهما دائرتان بينهما تباين في المفهوم والماصدق كما يقول أهل المنطق، وحقوق البشر تختلف من حال إلى حال .
مكافأة الواقع في تنوعه:
والقرآن واجه عبر حركة الدعوة ظروفا كثيرة بما يكافئها، فهو حين يتكلم عن العدل يرسمه في كمالاته ، أي عدل في الرضا والغضب، في الحب والكره للمؤمن وغير المؤمن ، وحين يتحدث عن التعايش الإنساني يجعل البشر أكفاء نسبا واحدا لآدم ، وهو حين يتكلم عن التساكن البشري يؤسس للبر والقسط ، وهو حين يتكلم عن الهدنة والسلام المؤقت يأمر بالوفاء بالعقود والعهود ، وهو حين يواجه الحرب يأمر بالقتال والمقاطعة والشدة، ومع ذلك لا ينسى صيانة البيع والصلوات والمساجد التي تعبر عن حرية الاعتقاد.
وحين يظفر بعدو يعرض عليه الدين، ثم يبلغه مأمنه حتى يختار وهو آمن! ولكن الكثير من سوء الفهم والتعبير شاب بعض الخطاب الإسلامي عبر العصور، وجعل العقل المسلم لا يفرق بين دوائر الخطاب الإسلامي، بل جعله خطابا أحاديا لا يعرف إلا العنف والغضب.
الإمام القرافي يضع النقاط على الحروف:
ورحم الله الإمام القرافي الذي رسم لنا هذه الحقوق " الرفق بضعيفهم ،وسد خلة فقيرهم ، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل التلطف والرحمة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا بهم ، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة ، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم ، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم ، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم ونيلهم لجميع حقوقهم ومصالحهم".
فما هي القواعد الكبرى التي وضعها الإسلام للعلاقة بين البشر في حالاتهم العادية :
- · التنوع سنة ربانية ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .
- · الاختلاف سنة ربانية ("وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ")، (اختلاف ألسنتكم وألوانكم ) .
- · زمن الحكم أخروي ( والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه مختلفين) .
- · الله ( رب العالمين )، ( رب الناس) .
- · الرسول (رحمة للعالمين ) .
- · الناس في أغلبها لن تؤمن ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .
- · أقرب من تحب قد لا يؤمن ( إنك لا تهدي من أحببت) .
- · البر والقسط للجميع (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) .
- · الدعوة وحب الخير للإنسان ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) .
- · ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى .
تلك هي المسألة كلها... الدعوة على بصيرة ، والقرآن يحدثنا عن تعليم الكتاب والحكمة، فالكتاب هو الهادي والحكمة تأتي في تطبيقه وتنزيله على الواقع ...أي كيف يتم التعاطي مع الإنسان سيرا به للأحسن والأكمل!؟

التعليقات
لا فض فوك...
ما شاء الله عنك يا أ.جاسم...للحق و للأمانة...أن الكلام انواع و من الكلام ما يغذي النفوس و العقول و يشبع!!!و هذا الكلام لا أراه يخرج الا من مشكاة النبوة...فأنت بطرحك لهذا الموضوع بهذا الاسلوب تكون (محمديا)بامتياز و ما العجب و ديننا دين الرحمة و العالمية...جزاك الله خير الجزاء.
حين ننظر لنفس الإمام القرافي
حين ننظر لنفس الإمام القرافي في النص السابق نجد توازنا نفسيا عجيبا...يسمح للإنسانية الجامعة بالحياة ...ويطلق آفاق النفس من الانغلاق والضيق ...يقبل بالآخر المختلف ويحتضنه كما هو ...ويفرق بين رغبته في هدايته للخير وعرض الخير عليه وبين حريته في الاختيار ...وبقاء كل الكرامة الانسانية له حين يختلف ويختار غير ما عرض عليه .
إن اساس الاخلاق المتين في الاسلام ان تعامل الناس كما تحب ان يعاملوك ...الكثير منا يعيش في بلاد الغرب والبعض يذهب لها متعلما ...والبعض فارا بدينه ...والبعض للسياحة ...فكيف نريد الآخر ان يعاملنا حين نعيش معه في داره وحين نكون واياه في وطن واحد ونحمل جنسيته ...او ندرس عنده ...او نزوره لمصلحة او حتى متعه ...ما هو مستوى الكرامة الانسانية التي نريد الآخر أن يعاملنا بها ...كيف يتقبل إختلافنا معه ...تلك هي المسطرة الكبرى التي رسمها الحديث النبوي ...نحن هنا نتكلم عن الاحوال العادية ...لا نتكلم عن من سبنا او من قاتلنا ...إنه الوضع الطبيعي للبشر ...شخص قرر أنه يعيش بدينه ويحقق كرامته الوجودية دون ان يخدش بدين احد او بكرامته ...
حين نصل في العمق لهذا المعنى الاسلامي النبيل نكون مؤهلين لان نكون رحمة للعالمين ...وهو المعنى الذي يتكلم عنه الامام القرافي رضوان الله عليه فانتبه.
تعليق ملحق
تعليق ملحق لم اقصد بالاهانة الذمي المعاصر فان قانونه الاساسي مختلف تماماً لانه تحول عبر الزمن من صفة الذمي الى صفة المواطنة اي له حقوق و واجبات الموطن اي تحول قانونه الاساسي من وجود قانوني على اساس علاقات و ارتباطات دينية الى وجود على اساس ارتباطات ارضية قطرية اي ان العالم تحول من وجودات دينية تحدد القوانين الاساسية لتحقيق غايتها الى وجودات قطرية ارضية تحكمها سنن طبيعية و كونية مختلفة و لا مجال للاهانة التحفيزية الا اذا كان الذمي يجهل الدين الاسلامي و فقط في الدول التي تطبق الشريعة الاسلامية اما باقي الدول المدنية المسلمة فان الجميع مواطن امام القانون اي ان السنة الكونية تحولت من تمييزات و تمحيصات دينيةوتحفيزات عامة انتهت نتاءجها وسجلت منذ عصور. الى تعايش بشري عام و شامل يقوم على اساس لا اكراه اي التحول من مرحلة الدعوة العامة كاساس لقيام السلطات و الامبراطوريات و التحفيز العام من خلال قوانين اساسية للذميين الى التعايش الانساني عام بعد انتها ء الغاية من السنة الكونية السابقة .اذن لا يوجد الا قانون المواطنة و المصير القطري او الارضي المشترك و بالمناسبة فان منظومة الخلافة الراشدة الثانية كما اسميها لا تعترف الا بالمحكوم الراشد سواء رشد ديني وجودي او رشد انساني تعايشي.
اعتذر د.جاسم لم اكن افكر في الذمي المواطن انما ذهب ذهني الى موضوع اساليب الدعوة
الأخ عبد القادر هل تعتقد حقا
الأخ عبد القادر
هل تعتقد حقا أن هناك إهانة مطلوبة؟!!
يا أخي ((و لقد كرمنا بني آدم))
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
شكراً لك على الالتفاتة اخي الفاضل
شكراً لك على الالتفاتة اخي الفاضل انما حاولت فهم معنى الاهانة للدميّ و التي يفهمها المسلم البسيط انها اهانة ذل و بغظ و تحول بينه و بين اداء دوره كمسلم صاحب وجود ذو رسالة. فالحديث الصادر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم اكيد ان الاهانة المقصودة الى اهانة التحفيز و هي ليست خاصة بغير المسلم فقط فحتى المسلم العاصي كتارك الصلاة مثلا يهان من خلال اجتناب الاكل معه في واناء واحد ليس استحقارا ولا استكبارا انما التزاماً دينيا و تنبيه و تحفيز له من خلال نقل عملي لرسالة موجهة مباشرة له منذ مئات السنين فقد يكون تارك الصلاة من اسرة واحدة وقد يكون اخ اكبر فمع الاحترام المفروض في الاخوة نقدم عمل تحفيزي رمزي يثير تساؤل و بحث و طبيعي جدا ان كلما تطور الوعي البشري للفضيلة و الاخلاق و الادب يتطور معنى اداء ذالك التحفيز العملي و يرسم له اطار يبين معناه و اشكاله بدقة فالغير مسلم مثلا لنا تجاه من احسن للاسلام او للمسلمين واجب البرّ و الاحسان و من الاحسان لهم استعمال الوسائل اللازمة و بتدرج لغرس بذرة التحفيز لطلب الحق و بعده شجاعة اتباعه . ولقد كان لي حوار مع مثقف غير مسلم له انسانية علمانية قمت و مازلت بجهد دعوي فقال لي ذات يوم وهو قد درس في صغره الديانة المسيحية اي مثل المدرسة القرانية عندن"كاتيشيزم" ثم انتهى الى ان الدين خرافة ... الخ فحاولت ان ادعيه لدينه لاخراجه على الاقل من الكفر بنعمة المخلوقية او العبودية التي تضمن له هواء و ماء و ضوء كل يوم من حياته فربما صدق في مسيحيته و يجعل له الله مخرجاً فردّ علي مهاجماً المسيحية و قال لي بوثوق في حجته... لو كان القسيس على يقين من ان النار حق و ستاكل طفلتي الصغيرة هذه اذا لم تذخل في المسيحية لحاربني بسيف و لاحتال علي و اجتهد بكل السبل و لو الارغام لينقذ طفلي الوديع من النار و بما انها مسالة غير يقينية فانه يترك لي الخيار و لا خيار مع اليقين و اضاف انه معجب بيقين الذي احاوره به و باسرار و انه يسعد و يرتاح بالحوار فقلت ليس لعم اتيته عندي. . .ثم اضفت له ان منذ سنين و انا ابحث عن الحكمة من حكم قتل المرتد في الاسلام و اجابني عنها هو فسكت و قال اترك الوقت يفعل فعله وا نه ينتظر اشارة تدفعه اي انتقل من الانكار الى انتظار تحفيز رمزي خارجي
و من جهتي فهمت ان تلك الاحكام هي تحفيزية و تاكيدية.
في المقابل كان لي حوار مع مسيحين كاتوليك ملتزمين منهم من يكتفي بان لكلٍ دينه ويدعو ا لنا و ندعو له و منهم من يشهد ان الله واحد احد و يبقى على حبه للمسيح فهنا لاىمجال للاهانة فهو يعلم انها احكام شرعية و يتفهم اي تصرف تحفيزي بل يزداد احتراما كلما وجدنا نفهم ما نلتزم به ونؤديه في مكانه ولا نستغله لغريزة او هوى ...اذن التحفيز العملي او الحكمي له قواعده فلا يمكن اهانة القسيس لتحفيزه لان له طاقة روحانية بل تحفيزه هو بحمل الحجة التي تكون مِراءة ينظر فيها لنفسه بنفسه و بما انه رجل دين فانه يفهم ما يؤرق كل رجل دين من حمل الناس للحقّ.
و ااكد لك اخي الفاضل كلما اجتهدنا بصدق لتحفيز الناس للسير الى الحق كلما ازداد حبنا لخلق الله و كلما فهمنا معاني الكتاب والسنة على حقيقتها و كلما لقينا احتراما من الغير مسلم فهو يشعر ان هذا الجهد و الاجتهاد معه من غير اجر و اليقين في حمل الحجج و تصريفها ماديا و منطقيا و علميا ليس بغض و لا استكبارا لذلك فاني ارى و الله اعلم ان هذا الاسلوب التحفيزي لا يتاح الا الى المسلم الذي له ادراك لرسالة وجوده و تصدر عنه في شكل يناسب هذا العصر و يؤدي الغاية منه كما يقول المثل ضرب الحبيب...
ارجو اخي الفاضل اني وضحت ان هناك ما هو ظاهره اهانة و لكن حقيقته تحفيز و الا كان من السهل الحكم بقتل الذمي بدلا من قتل المرتد الذي شهدا يوما ما بالشهادة .فبدلا من اقصاء شيئ من الدين ندركه و نؤدي غايته في توافق مع تطور مستوى ادراك الفضيلة العامة و المشتركة للبشرية فنجتنب التنفير الى تبشير و تحفيز ...
معاني جميلة و رفيعة و دقيقة
معاني جميلة و رفيعة و دقيقة
ان من يعمل في الدعوة في الميدان الاصلي للدعوة يعرف هذه المعاني و يفرق بين هذه المفاهيم و يرى الاسلام في حقيقته ليس الاسلام الاذلال الذي يشفي غليل الضعف... ويتحول معنى للاهانة ليس الى اذلال بل تحفيز ذافع لطلب معرفة الاسلام .و علم النفس الاسلامي جدير به ان يدرس الاهانة المطلوبة و فنها الذي يحقق التحفيز لا الذي يولد الكره و الغل للاسلام و قد اختبرت هذا و كان اسلوب اهانة ليس سب و تصعير انما كونت مع جماعة من المسلمين باختلاف ميولهم جو من الالفة و المحبة دافعها الاسلام و كل غير مسلم يشعر بنقص فيه امام هذا التالف و لم نشترط على غير المسلم الا احترام ادب مجلس المسلمين فاذا اراد الجلوس و اخل الادب ننسحب بادب يشعره باهانة نفسه لنفسه و قلة معارفه في الادب يحرمه من مجلسنا ... هذا مثل عن صورة الاهانة المطلوبة و هي تختلف بحسب مستوى الغير مسلم والشرط الوحيد هو عدم توليد كره او بغضب للاسلام انما توليد حافز للتساؤل والمعرفة من ذات غير المسلم لذاته ...
فعلا الاسلام ليس دين ادلال بل دين رسالة . و لقد منّ الله جل في علاه بهداية عدد من خلقه و نستمر في زرع بذور التحفيز مع قل الوسائل و لكن الملاحظ ان علماء المسلمين بحاجة الى قانون توزيع الاختصاص و هو من ضروريات العصر يسبب تضارب و صراع العلماء حتى في الدعوة...
جميل جداً..!
لو استطعنا فهم القرآن الكريم وسرة المصطفى_صلى الله عليه وسلم_ حقاً لما حصل هذا القصور في التعامل مع كل حوانب الحياة, ولما حجرنا واسعاً..
أثابك الله د.جاسم
أضف تعليقاً