رمضانيات(1) الهداية والمشيئة ..اختيار أم جبر

الهداية والمشيئة:

الهداية في القرآن وارتباطها بالمشيئة الإلهية موضوع كبير ...ما علاقة اختيار الإنسان بهداية الرحمن؟ وأيهما يأتي أولا؟ هل الهداية قدر أم اختيار !؟ اقرأ معي الآيات التالية :

الهدى والضلال من الله :

(فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)

(كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)

حين ننظر للآيات وأمثالها وهي كثيرة في القرآن ومنتشرة، يخطر في بال القارئ أن الإنسان مجبر على الهداية أو الضلال!  وأنه ليس حرا في اختياره، أو أن الأمر ظاهره التخيير وباطنه الجبر كما قال البعض. والقرآن لا يترك الأمر بهذه الصورة بل يصلح الفهم الخاطئ  الذي يسلب الإنسان الاختيار .

تصحيح الفهم :

( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون).

إذا فإرادة الله لم تكن سبب لشركهم ...فهو اختيارهم ومشيئتهم.

امتناع الجبر والإكراه :

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)

 

مشيئة الإنسان في الهداية:

{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}

فهنا هم الذين اختاروا الكفر على الإيمان فاستحقوا العذاب على اختيارهم .

(إن هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً)

قصة الهداية في القرآن :

بعد أن صحح القرآن الفهم الخاطئ لنا أن نحاول ربط الأمور بعضها ببعض عبر اتصال النص القرآني :

تبدأ القصة بسؤال المؤمنين ربهم الهداية (اهدنا الصراط المستقيم ) ، ويجيب القرآن (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ).

ثم تأتي آيات تعطي نموذجا طويلا لقوم نزل عليهم الكتاب فاختاروا بإرادتهم عكسه (يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)!!

وهكذا يأتي القرآن بمواعظه ووعده ووعيده ليوجه الإنسان للخيار الصحيح ، ويترك له الاختيار :

 ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا)

كيف يهدي الله للحق وكيف يشرح الصدور ؟

  هداية الكتاب (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين )

هداية الرسل ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )

هداية التأمل ( وفي الأرض آيات للموقنين ... )

هداية الاعتبار ( لقد كان في قصصهم عبرة )

هداية التوفيق عند ابن القيم :

هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله تعالى: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء }، وقوله تعالى :{ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } وهذا الهداية خاصة للمؤمنين.

ونلحظ قوله هنا وهذه الهداية الخاصة بالمؤمنين بمعنى أن من اختار الإيمان ورضي به زاده الله هدى ووفقه وهي من هداية العون بعد الهداية العامة. ومن اختار الضلالة أركسه فيها.

وبعد الاختيار الحر تبدأ المنح وهداية العون:

"فأما الذين امنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا  )

( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )

الخلاصة:

شاءت إرادة الله العليا أن ينظم الكون وفق سنن مطردة، حتى يستطيع الإنسان أن يقوم بتسخيره والاستفادة منها ...فكل شيء يسير بإرادة الله في تنظيم الكون وسيره.

إرادته شاءت أن يكون طريق الهداية يمر عبر إرسال الرسل، وإعلام الإنسان بعواقب الأفعال حسنها وسيئها.

الإنسان يختار الطريق.. إما شاكرا وإما كفورا.

الشاكر يزيده الله هداية ويريه الطريق.

الجاحد يركسه الله فيما اختار، ويزيده في الضلالة.

تلك هي قواعد الهداية، وكل فهم يقود للجبر يقول عنه رب العزة بصريح العبارة ( كذبوا ).

التعليقات

أسئلة أولاً :جزيل الشكر لك

أسئلة
أولاً :جزيل الشكر لك د.جاسم على ما قدمت ,لكنك لم تتطرق إلى الأسئلة الحرجة رغم أنك -هكذا نحسب - قادر على اجابتها
1) كيف أكون حراً وأفعالي مخلوقة من الله (خلقكم وما تعملون )(خالق كل شيء).
2)كيف تكون إرادتي حرة وكل ما تقرره هذه الإرادة الحرة مكتوب في اللوح المحفوظ وسبق اليه علم الله.
3)إن كان الإنسان صاحب إرادة حرة أوجدها الله فيه - وهو كذلك- فلماذا يرد في القرآن الكريم وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم - عشرات النصوص الموهمة للجبر (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها) حتى أن الصحابة أنفسهم تسرب اليهم هذا التوهم وتساءلو (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل) ... اتمنى أن تجيبنا د.جاسم مشكوراً مأجوراً

عيد مبروك...

-كيف أكون حراً وأفعالي مخلوقة من الله :
متى كان لك الاختيار بين لونين فهي رسالة انك حر و الحرية قد تضيق او تتوسع بحسب الالوان التي تراها.
-كيف تكون إرادتي حرة وكل ما تقرره هذه الإرادة الحرة مكتوب في اللوح المحفوظ وسبق اليه علم الله.:
هذا من القدر الخارقة اي ايّ طريق تختار فنتائجه محفوظة سبقا و حتى اختيارك معلوم سابقا بما اكتسبت من ميولات نفسية و تعظيم و تصغير شيئ على شيئ في سرك في تفاعل حرّ
-إن كان الإنسان صاحب إرادة حرة أوجدها الله فيه - وهو كذلك- فلماذا يرد في القرآن الكريم وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم - عشرات النصوص الموهمة للجبر ;
هنا المقصود تناقض الظاهر مع الباطن فالاختيار الحقيقي عمل داخلي هو توجه النية لغاية ما و النية هي العمل القلبي الحقيقي الذي يبنى عليه باقي الامور و ربما السؤال ان السارق لا يمكن الا ان يكون سارق و لكن السارق التائب دليل على عدم صحة القهرية فالفرق بين الاثنين صدق عمل النية الذاخلي الذي هو عمل اخفى من السرّ ا ... و لا يجب الخلط بين سبق العلم بالشيئ في كل احتمالاته الممكنة و بين الجبر على الشيئ و ايضا بين ان يفضح العمل الباطني العمل الظاهري و هذا منطقي و لا علاقة له بالجبرية .... استسمحك في الاجابة و عيد مبروك...

جميل جدًا جزاكم الله كل خير

جميل جدًا

جزاكم الله كل خير

اعجبني تعليق فريد للدكتور

اعجبني تعليق فريد للدكتور طارق منذ ايام

يقول ان القضاء هو الحكم وان القدر هو المقدار، بمعنى ..يقضي الله لك بالاولاد فهذا هو القضاء ويكون عددهم ٥ فهذا هو القدر

الملاحظه ال٢ في حديث الايمان... الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والرضا بالقضاء والقدر ، وهذا الرضا قد استبدل مكان الايمان لانه يقع بعد ان قررت قراراً معينا لك القدرة في الاختيار فترى عواقب ما تختار ...فالانسان هو المسؤول عن قراراته

مقال متيمز كصاحبه

يقول تعالى "أو تقول لو ن الله

يقول تعالى "أو تقول لو ن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكونمن المحسنين * بلى قد جاءتك آيتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين"
فلو كانت حجة لقبلها الله منهم ، ولكنه سبحانه يرجع الأمر إليهم : "جاءتك" "فكذت" "استكبرت" "كنت من الكافرين"
كلها ترجع الأمر إليك أيها الإنسان

أواب-السودان

موضوع مهم

الموضوع مهم للغاية. و برغم أهميته إلا أن الفهم العام عند معظم المثقفين و المتدينين هو العكس

و البعض يستدل بالاية:

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ }

بداية شيقة لسلسلة رمضانيات

جزاك الله خيرا على هذا المقال الذي استفدت منه

ورمضان مبارك سعيد

اوافق و ابصم و اوقع و للاثراء فقط

احترامي وتقديري للدكتور جاسم
موضوع راااائع كما العادة ....
اوافق و ابصم و اوقع و للاثراء فقط اقول اننا ناخذ منها ما يعني و يخذم مشروع النهضة اي ان الموضوع موفق جداً

اذن حقيقة مطلقة تؤكد ان لا ظلم للعبيد المتساون في صفة العبودية فقط اما الممكنات الانسانية فهم متكاملون ... فصفة العبودية لا اختلال في توازنها اما الممكنات فقد يختل توازنها و هنا تاتي الهداية بانواعها لاصلاح الاختلال و اعادته الى توازن يلغي الجبرية المفتعلة و المتولدة من تحويل مجرى الممكنات الانسانية من غايتها في تحقيق توازن بشري متكامل الى محاولات احداث خلل في صفة العبودية .مثل استعمال اقتباس من العدل لتحويله الى مظهر غايته تحويل العبودية من مصدر العدل الى مصادر منظوماتية مبراغماتية....
فكل من امن و عمل الصالحات هو حر مخير مهدي الى السبل الواسعة اما خلافه فهو مجبر ظال حر في سجن الطبيعة ....
اي المؤمن العامل بايمانه دائما يجد اماكن الخيار و يوفق الى الخيار السليم منطقيا اما خلافه فلا يرى اي اختيار في طريقه و يترك الطبيعة و الواقع يختار له و هو تابع لا يعرف طعم الاختيار و الحرية و الصوم يعلمنا معنى الاختيار و الحرية او تحرر الذات من الطبيعة .
رمضان مبارك كريم للدكتور جاسم و فريق مشروع النهضة و كل من همه نهضة الامة برسالتها و نهوض شعوبهم من التخلف الدولي.

رائع

لا فض فوك د.جاسم

موضوع متميز

السلام عليكم

اشكرك جزيل الشكر على هذه التوضيح الرائع دكتور جاسم

فاعيلة الانسان هي مفتاح النهضة ، وأول خطواتها

جزاك الله خير

من سيهديهم ومن يضلهم

استاذي الفاضل
ماذا تعني بشاكر ... وكافر ......وكيف يكون الانسان شاكرا....وكيف..
لازال المقال في حاجة الي مزيد توضيح
مع أني اتفق معك علي الفكرة

وأظن أن الله حدد في كتابة من سيهديهم ومن سيضلهم
مثل :
يهديهم ربهم بإيمانهم
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله
الله لايهدي من هو كاذب كفار
لايهدي الظالمين
لايهدي الفاسقين
فكل شيئ عندة بمقدار وليس شيئ الي بقدر
ولذلك لاحجة لأحد لأن اصناف من يهديم ومن يضلهم مذكوره في مواقع اخري في القرآن السنه
ولعل المر يحتاج الي جهد باحث مدقق لجمع االنصوص وتوضيح الصورة

رمضان كريم

توضيح جميل لمعاني الهداية بسبلها ....اللهم ارزقنا هديا طيبا من عندك
جزيت خيرا والدي ...

جميل وواضح جدًا جدًا كنت مرة

جميل وواضح جدًا جدًا
كنت مرة أسمع لأحدهم يقول مفسرًا هذا الأمر
أن الله قبل الخلق يخير عبيده إن أرداوا الضلال فالضلال وإن أرداوا الهداية فلهم
وهذا هو معنى مشيئة الإنسان برأيه
وما زلت غير مقتنعة بهذا المخرج الذي جعله لنا

كل الشكر لك دكتورنا الفاضل

استاذنا الجليل شكرا جزيلا على

استاذنا الجليل

شكرا جزيلا على هذا المقال الذي ارى ان الحاجة اليه كبيرة
مقال يستحق النشر

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.