نحنُ الإنسان .. خطاب اختزال أم إثبات

إنّ اختزالات الخطاب الذي يظهر كثيراً على السطح هنا وهناك - باختزال مقصود أو غير مقصود - ، مدعياً الحلّ و الخلاص في سبب أو سببين , مكرساً اختزالاً آخر في حصره من حوله بتصنيف وتضييق واحتكارية لمن سيكون صاحب التقدم والنهوض مستقبلا وحالياً ، هذه الاختزالات تُظهر مشكلات حقيقية في التوجّه نحو الإنسان ، إذ أنّ الإنسان الذي هو مدار ذلك كلّه سواءً كان فرداً أو مجموعاً ، عميقٌ جداً ، تكوّن عبر التاريخ والجغرافيا والتجارب والأديان وآلاف المكوّنات الأخرى له ، الذي مهما تعاظمنا يصعب علينا إدراكها وإدراك مدخلاتها ومخرجاتها الظاهرة والباطنة ، وأن التاريخ والسنن تقتضي أن التغيير والبناء مساهمة من المجموع تبدأ من الفرد لكنها لا تختصر فيه كرمز أو كأحد يستطيع فعل المعجزات دون بذل وتكافل .

 فالعناية بالإنسان ضمن بشريته وتنوعه واختلافه تجعلنا نحاول توليد الحلول الفاعلة والمختلفة كاختلافه في كلّية لا تنفصل ولا تتجزّأ ، واعين بما يحدث له وما يؤثر به ، بشكل يبعدنا عن التضليل والتوهيم في أن الارتقاء به وبفضائه مختَزلاً في حالة أو فعل أو فكرة واحدة ، ويظهر ذلك الاختزال في الأسئلة القطعية المفصلية، وفي التفاعلات الحدية التي لا تقبل تلك النسبية الواقعة في التغيّر و التحول والتجدد و لا تحتوي استمراريته في الهدم والبناء والخطأ والصّواب .

 نحن نحتاج فعلاً لصنع الخطاب، والفهم الذي يحترم الإنسان دون أن يمارس حجراً على اختيارته، ويستوعب تماماً مساحته الواسعة ، ويتعامل معه ضمن إنسانيته بلا طوباوية ومثالية ، ويرى في كل التغيرات التي تحدث له فعلاً ومستقبلاً جديداً له خصائصه واستلهاماته واستلابته التي بينها وبين البعد التاريخي والجغرافي اتصال وانفصال ، مع محاولاته - محاولات الخطاب و الفهم - الدائمة لتطوير تحليلاته ووعيه وأدواته بجهد مضني واشتغال حقيقي ، لأنّه بظنّي هو الأقرب لأن يبني ثقافة وحلولاً يستعين في إحيائها فعلاً وعملاً مع المجموع - كلاً بتفاضل تقتضيه سنن الحياة - .

 إن إثبات الإنسان وأهميّة حرية إرادته ، وعدم تفكيكه وتشييئه ، بل الإصرار على أنه وحدة كفرد ووحدة كمجموع، أحد الأولويات التي يجب أن نهتم بها كثيراً ، مساهمين في حلّ قيوده من منتجاته وأوهامه ، بأنه هو ذاته من صنع ذلك، وأنّ إنسانيته وحضارته المشتركة تذكّره دوما أنّ باستطاعته أن يقدّم الأفضل مادام يستحضر إمكانية خطئِه وإلزامية تجربته محافظاً على إنسانيته عقلاً و سلوكاً وشعوراً .

 منتبهين متيقظين لما يحكم قبضته على إنساننا نحن - أنا و أنت و المجموع - من حالة سياسية و قبائلية اجتماعية، ووصاية دينية كمؤثرات  نواتج جذرية داخلية ، مع عوادم الحداثة وانسلاخ قيمي وذاتي عن الهويّة والتاريخ والواقع كمؤثرات ونواتج خارجية موغلة ، مع مشكلات متكوّنة في الداخل تنتج خمولاً واستسلاماً نحو ذلك ، وأوبئة تظهر ضعف مناعتنا ، وتكشفنا ازدواجاً و تناقضاً  حذفاً وتشويهاً وأدواءً تنطبع علينا بوعي وبلا وعي ، نحتاج فعلا لتشخيصها وابتكار واختراع دواءها بفعالية وتكاملية وذاتية لصناعة بوادر نهضة متكاملة ترقى بالإنسان - أياً كان – لانطلاق والتحرر نحو الكون و الحياة .

 هذا الدّور الذي يقف خارجاً ليدرس ما يحدث بوضوح وأفق أكبر ، و ينغمس داخلاً ليفهم ما يجري باستشعار و تفاعل مستبصر ، و يسعى لإثبات الإنسان ورفض اختزاله وتسطيحه ، مع الرقابة المستمرة لكل المعطيات المتغيّرة والمكوِّنات الثابتة لما يحدث للعالم ككل ، مع محاولات جادّة للفهم و الاقتراب والانتباه الكامل للبعد والمسافة التي يحتاج لشقّها ونحتها وبنائها وتوضيبها ومراجعتها من جديد دون اختزال وتعميم وتمويه ، هذا الدّور نفتقد إليه كثيراً باندفاعاتنا وادعاءاتنا وابتعادنا وارتداداتنا عن الواقع، والانغماس في الأحلام والأفكار دون اختبار مفعوليتها على الإنسان الذي هو نحن والذي نحن هو.

التعليقات

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.