المصالحة و الوعي بالذّات .. تمهيد أوّلي
إن العقلية السجالية الجدليّة التي بلينا بها، والمثقلة بالكثير من الدوغمائية مع مقدار الصّوت المرتفع الغير مجدي هنا وهناك، والذي ما زال يبرهن على أنّ “ العرب ظاهرة صوتيّة “ يؤخّر بنا كثيرا نحو معالجة الكثير من مشكلاتنا الجوهرية الأساسيّة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الفكريّة، ثم تأتي مزايدات أخرى نفعيّة توجّه هذا الجدال السلبي نحو مصالحها ومكاسبها منتَزَعة الضّمير و بعيدة تماماً عن المعقول والممكن فيما نحن في أشد الحاجة إليه ، وهذا الخطاب الذي يزيد من التعثّر و التأخّر ينعكس علينا في جميع المستويات ، فمقدار الفرقة اتّسعت لتصبح أكبر من الجغرافيا ذاتها ، فالمذهبيّة والتعصّب و الإستبداد وابتعاد مشروع الهويّة في إطاره العام كمشتركات أساسية أوليّة يتّفق عليها الجميع من تنمية وعلم و منجزات وعقل تغيب كثيرا تحت وطأة هذا الجدال الذي يؤخّر الكثير .
هذا يستلزم منّا على الأقل أن ندخل تحت مظلّة الحوار والتعايش بشكل أكبر وأكثر فعالية، تنعكس كأقل تقدير في التخفيف من حدّة الصّراع هنا وهناك على جميع أراضي المساحة ، لكن المقدّمة و الواقع الذي يستدعي هذا الحل الأولي يظهر كمعوّق في نفس الوقت للجهود التي تسعى نحو الفهم و الترتيب وإعادة شمل الصّف بقدر الممكن ؛ هنا بظنّي أن فكرة الحوار والتعايش تحتاج لتمهيد أوّلي مهم جداً يغيب كثيراً .. هذا التّمهيد هو المصالحة مع الذّات ، وعودة كل تيار أو حزب أو منظومة إلى التصالح مع ذاتها، ويستلزم هذا أن تتجه للوعي بذاتها و بممكناتها وباختبار نواياها ، مع مراجعة التاريخ و إعادة صياغة ما ثبت فشله أو تخطّته المرحلة ، إضافة لطرح المفاهيم من جديد تبعاً للمستحدثات على الواقع والحدث ، وإيضاح المنطلقات والأساسات لكل مشروع، وكل ذلك يتم تحت حوار ونقد ذاتي داخلي مستجمع قواه، وتركيزه بعيداً عن ساحات الجدال والصّراع ، مع ترك المساحة والمرونة للآخرين في مراجعة ذواتهم ومشاريعهم .
فغياب الوعي بالذّات وبالواقع الآخر، والحدث وبصناعة المستقبل ، ابتداء من الفرد كخليّة أولى وانتهاءً بالعقل الجمعي ، إحدى الإشكاليات التي من المهم جداً التّصدّي لها و طرح الحلول والمقترحات في علاجها ، مما سيوفّر لنا البيئة أو البداية الجيّدة للحوار الفعّال الذي سيتفق على العموميات التي تنطلق من احتياجات الذّات وقضاياها الأولية الجوهرية ، والذي سيغيّر طريقة تفكيرنا وإدارتنا للأمور ومطالبتنا بالحقوق ، خاصّة وأن الجدال حول الأيدولوجيات والنوايا لا يفيد الكثير إذ عادةً ما تكون هذه المساحة حسّاسة وقابل للإستثارة سريعا والعودة لنقطة البدء من الجديد .
فصناعة الوعي، وحوار التنمية والتعليم، ورغيف الخبز والدواء هي قاعدة جيّدة للإنطلاق منها بتوزيع عادل للثروات، وبحلول توفيقية للإدارة، وتوجيه هذه المنظومة ضمن مشروع الحوار القائم على المصالحة الداخلية التي ستؤدي للمصالحة مع الأخرين في المركز، و مع الآخر كطرف مهم ومؤثر له دوره الإيجابي والسّلبي ، مع التأكيد على الإبتعاد عن أي مشروع أو أيدلوجية تسعى للسيطرة أو تسيير دفّة الحوار في صالحها .
إن هذه التدوينة هي محاولة للوعي بأهمية الوعي ذاته مع تأكيد أثره في المصالحة مع الذّات التي تسهّل الكثير نحو المصالحة مع الآخرين ، قد لا ينصت لها الكثير من النظومات و المؤسسات الكبرى لكنّ الحل الفردي له أثره ، فحين نتوجّه نحو إعادة الوعي الشعبي بحقوقه وضرورياته وذاته ضمن الدوائر المحدودة يضمن الكثير من التغيير والتوسّع مستقبلاً ، وسيشكّل ضغط وعبء على هذه الإدارات التي سيظهر عيبها إن استيقظ هذا الضمير الشعبي، وبدأ بالمساءلة و المشاكسة والمطالبة ، من هنا يممكنا أن ننطلق مسخّرين الوسائل من إعلام متاح ومواقع عنكبوتية، وبيئات تجمع هذا العقل الجمعي ، وتساهم في صنعه ؛ خاصّة، وأن هذا المجموع كان مغيّب لفترة طويلة تحت هيمنة هذه المنظومات على الإعلام و التعليم والحياة بصفة عامّة .
أختم بمقولة لنيلسون مانديلا الذي نجح بشكل كبير في صناعة مثل هذا الوعي وتحقيق مساحة كبيرة للحريّة ، يقول في ختام كتابه رحلتي الطويلة من أجل الحريّة: ( لقد سرت على طريق الحرية الطويل ، وبذلت جهدي كي لا أتداعى أو أسقط و إن تعثّرت خطواتي أحياناً ، و لكني اكتشفت سراً يقول: إن الإنسان الحر كلما صعد جبلاً عظيما وجد من ورائه جبالاً أخرى يصعدها ... لأن للحريّة تبعاتها ، ولا يسعني الإنتظار لأن رحلتي الطويلة لم تنتهي بعد ) .

التعليقات
صحيح التغيير يبدأ من
صحيح التغيير يبدأ من الفكر
لكن إزاي؟
اعتقد محتاجين نركز في مسألة الإعلام و الفن جدا
أضف تعليقاً