التوحيد والإصلاح... خواطر مغربية
الرحلة للمغرب ممتعه ، وخاصة عندما يلتقي الإنسان بشخصيات رائعة رجالا وسيدات، أناس تكون بهم الحياة أجمل وأكثر ثراء ، ذلك ما أشعر به في المغرب ، وصلتني دعوة كريمة من حركة التوحيد والإصلاح ، ولم أستطع مقاومة رغبتي في التعرف على هذه النبتة الرائعة في فضاء الحالة الإسلامية.
شددت الرحال إلى بلد أحبه، فالمغاربة يتمتعون برحابة الصدر والانفتاح على جميع الأفكار ، هناك حيث يستفز الإنسان طاقاته العقلية في حوارات حقيقية حول الحاضر والمستقبل، حيث لا يحتاج الإنسان للإعتذارايات المطولة التي ابتلينا بها في المشرق، هناك حيث يمكن أن تطرح ما تراه، مهما كان حادا، وستجد الحوارات طريقها العاقل دون توترات مرضيه.
لم يسعفني الوقت لاستكمال هذه الحوارات وغادرت المغرب وهي لم تغادرني ... تجربة واعدة في فضائنا العربي تختزن طاقة كبيرة لعمل شيء مختلف ، أو لنقل لتجرب طريقا مختلفا عن شقيقاتها المشرقيات. المغاربة يصرون دائما على خصوصيتهم المغربية ، وذلك أمر يجب أن تعتاد عليه هناك ، سواء اتفقت معه أم اختلفت، أم تحفظت ستجده أمامك ، وهي مقدمة عادة ما تبدأ بذكر تاريخ المغرب ، وعدم خضوعه للدولة العثمانية ...وتؤكد أن إمارة المؤمنين مستمرة في المغرب رغم كل التحولات ، ثم تمتد للقول أن الحركة الإسلامية عبر مسيرتها وبقناعتها العقلية تركت الفكرة الانقلابية، واعتمدت دون إكراه فكرة المشاركة في بناء الوطن ، وقد بدأت بفصل الدعوي عن السياسي في تجربتها ، ولما تتمه بعد ولكنها ماضية فيه ، وقد يضيف البعض مقولة أخرى أو تعبيرا آخر بالقول أنه لا يؤمن بالفصل ، ولكن بالتمييز بين السياسي والدعوي .
في هذه الرحلة كان المؤتمر الرابع للحركة ، والمدعوين كثر ومن أقطار مختلفة ، وربما من اتجاهات مختلفة. وهناك شعار جديد أضيف لقائمة المصطلحات المغربية المتميزة ، وهو القول بأننا سنعمل في المرحلة المقبلة على (تجذير التدين ) وهو استكمال لمقولة سابقة هي(إقامة الدين ) وشعار إقامة الدين كان بديلا عن الفكرة المشرقية التي تقول بأن الأولوية ل (إقامة الدولة ) وفكرة تجذير الدين الجديدة تعكس فكرة مفادها أن انتشار الظاهرة الإسلامية واتساعها نتج عن عمل الفضائيات، وعمت مظاهر الإسلام الخارجي كالحجاب والنقاب والثياب ، ولم يصحبها استبطان القيم الإسلامية ، حتى يتفق المظهر مع المخبر، وبالتالي ترى الحركة اليوم أن واجبها اليوم التركيز على تعميق الفهم للدين حتى لا يتحول المظهر بديلا عن الجوهر.
وفي هذه الرحلة وجدت طرحا يقول بأن الحركة يلزمها إعادة التمركز الدعوي بعد أن قامت الدولة المغربية مشكورة بتنظيم الفضاء الديني وتنشيطه ، وبدأت تغطي مساحات هامة وبكفاءة ممتازة ، وبالتالي فالحركة ترى أنه يلزمها أن تسدد في النواقص ، ولا تنافس في المناطق التي تقوم الدولة بخدمتها ، وهو ما تطلق عليه مشروع (إعادة التموقع الدعوي).
مرت الحوارات مع المغاربة من داخل الإطار الحركي ، وممن التقيتهم من خارجه سريعة ، استمعت لأفكار كثيرة ورائعة... وبالقطع هي انطباعات أكثر منها أفكار مكتملة ، ولكنها لا تخلو من الفائدة. أردت من خلال نقلها أن اشترك فيها مع قراء النهضة ليطلعوا على أهم التجارب العربية الإسلامية حتى الآن بوجهة نظر تكونت خلال رحلات عديدة ، ولكن حان أوان نشرها والحركة على موعد مع مرحلة جديدة .
المناظير الثلاثة :
سألت بعض المهتمين بالحركة من خارجها عن أهم العقبات التي تعترضها ، وأنا هنا أنقل ما قالوه ،هم يرونها حركة واعدة ، تتوفر لها كل مقومات التغلب على الصعاب ، ولكن تنتظرها قرارات صعبة.
أولا :
يلزمها الانتباه أنها تشتغل في أرض السياسة فيها عريقة ، وقد بنيت على خطين مزدوجين السياسة والدين. وهي الأرضية التي لا تقبل النقاش ولا المنافسة ، وبالتالي كل عامل في الحقل العام عليه أن يقف بوضوح ، إما في الحقل السياسي بأدواته التي أفسحت لها الدولة المجال فيها ، أو يعمل بالدعوة والتي أفسحت الدولة فيها المجال كذلك ، وبالتالي ليس أمام الحركة إن أرادت التقدم في مشروعها للمساهمة في خدمة التدين إلا أن تحرر كل مسار على حده وبوضوح ،بحيث لا تخطئه عين الخارج ، ولا يكفي أن يتم ذلك في الداخل ، وبالتالي يصبح هناك قضايا خاصة بالتوحيد والإصلاح لا يعالجها الحزب ولا يتدخل فيها ، وتتخصص فيها الحركة ، ويعالج الحزب القضايا المتعلقة بفضائه السياسي ، ولا تتدخل فيها الحركة .
ثانيا:
يلزمها الانتباه أن شركاء المشهد السياسي من الأحزاب الأخرى لا يسعهم التعامل مع شريك سياسي كالحزب ، لديه أدوات مختلفة في خلفية المشهد ، عبر استفادته من منابر الحركة لتمرير أجندته السياسية ، وهو ما لا تستطيع الأحزاب القائمة القيام به ، وهي ميزة لا تجعل أي من شركاء المشهد السياسي راض عنه أو مستعد للقبول به .
ثالثا :
الجالية المغربية في دول المهجر تشكل قلقا لدول الاستقبال الأوروبية ، ووجود حزب سياسي ذو أدوات دينية ، يدير المشهد في بلد عريق كالمغرب ، يعد خطرا يزيد من مخاوف هذه الدول ، لاحتمال تحويل هذه الأجندة للجالية ، وهي بوضعها الحالي تعد تحديا كبيرا للغرب .
واعتقد أن التوحيد والإصلاح يجب أن تنظر في هذه النقاط الثلاثة بعمق وهي تقارب المستقبل. وأن لا تقنع برضاها الداخلي ورؤيتها الداخلية عن نفسها ، بل أن ترى المشهد من خارجها ، وبالتالي تتخذ قراراتها الكبرى من وحي مصلحة الوطن ، وتقدم الخير فيه والتي هي حريصة عليه ككل المجتمع المغربي ، وإن تفاوتت الرؤى، وبالتالي هي أمام قرارات تخفف من مخاوف كل الأطراف المحيطة محليا وخارجيا ، وهي قادرة على ذلك بما تتمتع به من حكمة وسداد .
بين العموميات والتحديد:
لم تتح لي الفرصة للحديث مع الأحبة هناك حول رؤيتهم للمرحلة الجديدة بدرجة كافية ، فقد عدت للدوحة سريعا لظرف طارئ. ولكن وددت القول لو أسعفني أن شعار تجذير التدين يصلح أن يكون فلسفة تحليلية للمشهد القادم ، ولكن صياغة الخطاب يجب أن تأخذ منحنى أكثر دقة. بمعنى أن فكرة تجذير التدين تصلح أن تكون فلسفة لكل المراحل ، فالحركة دعوية ، ودعويتها تعني أنها تمد فضاء التدين باستمرار وتوسعه وتعتني بتجذيره وتجويده ...واعتقد أن هذا ما تحاول التطورات في الحقل الديني المغربي الرسمي والشعبي فعله باستمرار. فما هو الوعد المتميز الذي ستعبئ فيه الحركة شبابها ، وتحدد معالمه ومؤشراته لتقدم قيمة مضافة لوعد محدد الملامح. عندما يوجد هذا الوعد تصبح قوة الفعل عالية ، والفاعلية حاضرة ، ويتلاشى الكسل الدعوي وتقل البطالة .
حول خطاب الحركة :
مرت الحركة بتحولات فكرية كبيرة ومتوالية ، فمن فكرة الحركة السرية الثورية وأدبياتها وهتافاتها ، وأناشيدها للحركة المفتوحة المطبعة مع الأوضاع ، والتي تشكل حاضنة للتدين ، والتي لم تستوفي عمق الأدبيات للحركة الرسالية التي تنادي بإقامة الدين وإعطائه الأولية على إقامة الدولة التي شغلت الحركة المشرقية بها نفسها ، وهو مسار تعتز به الحركة المغربية ، وتعده ميزة لها.
ورغم ذلك هو مسار لم يتم التجذير له بأدبيات موسعه ولا بتيار عاطفي موازي ، مما جعل الحركة وشعاراتها الشبابية وهتافاتها أقرب لنفس المرحلة الأولى ، أي مرحلة الحركة السرية الثورية ، رغم أنها تمارس ممارسة جديدة في ظل الوعي الجديد. وتلك ملاحظة مهمة في سياق إنتاج الحالة الجديدة التي تتقدم لها الحركة. وهي حالة تتماهى مع نظيراتها المشرقيات في مفردة التغير دون إطار نظري يكافئ التطور ، فتعيش بالشعارات القديمة رغم أنها تمارس ممارسات مختلفة ، ولكن الحركة المغربية تتميز وتسجل تفوقها من خلال معنيين كبيرين ، وهما أنها أعلنت وبوضوح تحولاتها الكبرى بدون تلعثم في كتاب "الرسالية " وهو وثيقة مهمة تسجل سبقا كبيرا للمغرب ، وأن قناعتها الداخلية تتماهى مع ما تمارسه ، وبالتالي فالسياق التربوي يشهد تحولات مهمة في هذا السياق ، وهو ما لم يحدث في الحركة المشرقية التي تبدو تحولاتها في الممارسة أقرب للتكتيك منها للقناعات على الأقل في بعض الأطراف المهمة فيها ، ومع ذلك لا يبدوا أن التحولات الفكرية قد أخذت مسارها في الفضاء التربوي بالكثافة المطلوبة ، والتي تغير من مواصفات المرحلة الأولى الجنينية وخطابها.
الصورة الثانية على مستوى الرسائل الموجهة للخارج هناك تحدي يواجه الحركة ، فخطاب التفهم والمصالحة مع العالم المحيط وهو ناتج قناعات كبرى لدى الحركة، يقوم على إيجاد قدم وخطاب يسمح للحركة بالتوائم مع محيطها المحلي والإقليمي والعالمي. هذا الخطاب يشغب عليه في الوضع الحالي خطاب شعاراتي مأزوم مع العالم والقضايا الدولية ، والتي تعكس الحيرة بين التصالح وحالة الغضب من الممارسات الدولية غير العادلة ، وبين مصلحة التعبئة الشبابية والجماهيرية ، وبين الرؤية الموضوعية للقوى والسياسات ، وبالتالي فنوعية الملفات التي تهتم بها ...فلسطين ...أفغانستان ...العراق ....السودان ...هل تصدر له خطاب الزحف!؟ أم خطاب العدل!؟ وهي معضلة لابد للحركة أن تتعاطى معها سريعا على مستوى الممارسة ، وعلى مستوى الوعي ، وعلى مستوى التثقيف ، وأن تأخذ حظها من النقاشات الموضوعية لأنها تعني الكثير للحركة وجاهزيتها للتقدم.
حول العلاقة بالمجتمع :
هناك فارق كبير بين فكرة بناء المؤسسات وإدارتها، وبين الهيمنة عليها ، وهي فكرة تسير وتتسق مع فكرة التحكم ، وقد تكون مفيدة في بناء عمل ضيق المساحة وقاصر على الأعضاء والمحبين ، وبين فكرة التمكين والتي تعني الثقة في المجتمع ، وهي الأقوى في الانتشار والتأثير.
الحالة الإسلامية بواقعها الحالي لا تثق إلا في نفسها وفي ما تحت أيديها ، وهي بقية من فكرة الاحتشاد للانقضاض ، ولكن الانتقال لفضاء جديد مثل فكرة " إقامة الدين " لعله من المناسب الانتقال لفكرة "تمكين المجتمع" من الفعل الرشيد بدل قيادته للفعل الرشيد. والحركة في هذا السياق قادرة على التفكير والمفاضلة بين حركة ضيقة النطاق ، أو حالة منتشرة واسعة القاعدة
أخيرا :
إن مرحلة التحولات الكبرى والتوفيق بين الاستمرارية والقطيعة في المواقف هي مسؤوليات كبرى يجب أن تطرح نفسها بقوة للنقاش ، وبالتالي تعيد الحركة التمركز ليس في الحقل الدعوي ، ولكن في الحقل الاستراتيجي في محيطها المحلي والإقليمي والدولي للعالم كله. ذلك هو التحدي المطروح! هذه خواطر كتبتها على عجل وليست معمقة ، ولكنها قد تشكل وقودا للحوار والنظر كلها كانت من وحي زيارة المغرب لم تمتد سوى خمسة أيام أحببت أن أشارك بها جمهور الموقع ، والذين ربما لم تتح لهم الفرصة للقراءة في تجربة المغرب الشابة و الغنية.

التعليقات
رائع فرع القراءة التفاعلية
د.جاسم احترامي و تقديري...
ما ان يلوح بخاطري وميض فكرة حتى اجدها انجاز واقع وهذا رائع فرع القراءة التفاعلية رائع !!!لي عودات انشاء الله.
مزيدا من التجذير
سلام الله
هي تجربة نسأل الله أن تجد طريقها إلى المزيد من الحكمة و النجاح
تبقى محددات التميز في تجربة التوحيد و الإصلاح في مسائل التخصصات و التمايز بين الدعوي و السياسي ثم الانتقال من الجماعة المتمركزة على الذات إلى المؤسسة الفاعلة في الوسط الممتد.
إنها تجربة لها مميزاتها البارزة و تبقى مجموعة من المحاذير يلزم الانتباه إليها و أهمها تحديد الهوية تصورا و كذلك ممارسة و عبر كل القنوات.
يلزمها المزيد من الشجاعة في السير عبر طريق التهضة و الانفتاح و مواجهة الإرث الفكري الشرنقي الذي ما زال موجودا عند العديد من الأطر و بعض القياداة.
السلام عليكم لقد تشرفت بحضور
السلام عليكم
لقد تشرفت بحضور الدورة التكوينية التي اطرها الدكتور جاسم سلطان في موضوع نظم عقلك والحقيقة ان الدكتور قد علمنا يف ننر للحياة برؤية ثاقبة وعلمنا كيف نفكر وكيف نعالج مشكل التخلف الحضاري الدي تعاني منه الامة
شكرا
شكرا جزيلا للأستاد جاسم سلطان على زيارته لبلده الثاني المغرب ، وجلسته الممتعة المفيدة معنا .
شكرا
شكرا للأستاذ جاسم سلطان أن شرفنا بزيارة بلده الثاني المغرب ، كانت الجلسة معه ممتعة ومفيدة ، والحركة تحتاج لأمثالك من خارج التنضم لتنبه الحركة بأخطاءها وترشيد توجهاتها وطرح الاسئلة الفلسفية العميقة نحو مستقبلها ومستقبل الصحوة لنهضة الأمة من جديد......... وجزاك الله عنا كل خير
التوحيد والأصلاح.....نهضة وفلاح
اكيد اخي جاسم ماشعرت به وقلته ايضا احسننا به جميعا و نحن ننتشي معك لحطة افتتاح المؤتمر الرابع للحركة وكم كنا سعداء ونحن نرى تلك المئات من الحجيج المتوافدة من انحاء شتى من بلاد المغرب خارجه. فانت همك دائما شباب النهضة وامثالكم من تسعدالامة بهم والشباب هم املا لتحيق ذالك النصر.
الطيبين دائما شعورهم طيب
اكيد ان الانسان يشعر بطيبة المكان ...وطيبة المكان من طيبة اهله.....ولكن الطيبين هم جدائما من يشعرون بطيبة المكان واهله....وانت دكتور جاسم واحد من هؤلاء ..عرفناك داعيا ومدربا ومحاضرا .... وابا وصديقا لكل شباب العالم الاسلام فعرفناك قبل ان نراك....وعرفنا طريقك قبل ان نعرف مكانك وعرفنا ...وجهتك قبل ان نعرف بلدك........فانت همك دائما امتك...... وامثالكم من تسعيدالامة مكانتها بكم......والشباب هم املا لتحيق ذالك
أضف تعليقاً