الملوك في القرآن (المشروعية المادية والمشروعية المعرفية)
هذه السلسلة – كالتي سبقتها - تنطلق عبر كلمة معينة في القرآن، وتتبع سياقاتها، وتحوال فهم الدلالات القرآنية والإشارات الربانية التي تضمنتها، وذلك تحقيقا للعظة والعبرة، والفهم والاستيعاب لسمات الحكم الصالح والراشد.
ونبدأ مع سورة البقرة وقصة الملك الذي حاج إبراهيم عليه السلام وجادله في ربه، وسبب جدال هذا الملك، هو أن الله آتاه الملك، ففعل الإيتاء هنا فعل إلهي كوني، يقول تعالى : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء)، والمشيئة هنا مشيئة كونية، تشمل المؤمنين والكافرين يقول تعالى: ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا)، كما أن الإيتاء يأتي عند اقتران العطاء بسر الغيب، ولهذا فهو استدراج في حق المعادي لله تعالى، وتكريم لمستحقه من عباد الله، يقول تعالى في حق داود عليه السلام: (وآتاه الله الملك)، وسر الغيب والابتلاء يجتمع أيضا في قوله تعالى:( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم)، كما أن هناك فرقا بين الإيتاء والهبة، فالله تعالى آتى سليمان عليه السلام، فلما ارتقى سليمان عليه السلام، وقال ما حكاه الله عنه: ( رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب)، جاءت الهبة من الله تعالى، فتمكن بها وبلغ ما بلغ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيد الشيطان لدعوة سليمان عليه السلام.
هذه الوقفة كان لا بد منها لفهم ما سيرد بعد قليل من تحليل لجملة الموقف.
ولننظر لنوعية الجدل المثار، إنه جدل في معاني الألوهية التي زعمها الملك لنفسه، ولكنه فقد القدرة على الجدال، لما أسكته سيدنا إبراهيم بطلب التحكم في الأيات الكونية المحيطة، وهذا خارج ما يملكه الملك، ويستطيع التحكم فيه.
لما انتقل الجدل إلى العوام، استطاع إبراهيم عليه السلام أن يرجع للعوام شيئا من العقل، مما يدل كذلك على أنهم مجبرون على ما اعتقدوه في أصنامهم، أي أنهم في الاعتقاد لم يكونوا بكامل إرادتهم، ولا يملكون شيئا من أمرهم.
وبطبيعة الحال، نصبت المحكمة التي كان هذا الملك هو الخصم فيها والحكم، وحكم بإحراق إبراهيم عليه السلام، لينجو إبراهيم بتدبير الله، لأن الملك لا يملك النار.
إن تجربة الملك المجادل هي إشارة إلى الاعتقاد الرائج لدى كثير من أهل السلطان بأنهم ما دام لهم الملك، فلهم سلطان المعرفة، ولهم الحق في جعل الأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم أربابا، فإن من أتاه الله الملك ليس كمن أتاه الله البصيرة.
إذن فالملك المادي لا يعطي المشروعية المعرفية في تشكيل عقل ووجدان الناس، بل ينبغي أن تندرج المشروعية المادية في إطار مشروع معرفي شامل ومتكامل يمنع السلطة من أن تصبح مطلقة، وأن تصبح بالتالي مفسدة مطلقة، ونمتلك عبر هذا المشروع الآليات الضامنة لإعداد العدة لنهضة المنتظرة.
وفي المقال التالي نرى نموذج اجتماع المشروعية المادية بالمشروعية المعرفية، ومصدر من مصادر المشروعية المعرفية.

التعليقات
الكمال القرآني
ان من ابرز معالم الشخصية القرآنية عدم اغفالها اصناف التكوين الانساني إبتداءً من شخصية الانبياء و،الافراد ، والملوك الا ان الطابع السائد لشخصية الملوك هو التكبر وبطر الحق وظلم الناس ، وقطع موارد المعرفة عن من يحكمونهم ان السياسة المتبعة تكاد ان تكون ثابتة وموارثة في النهج المرسوم والمتبع في سياسة الرعية .
ان القرآن يذكر طائفة من تلك النماذج المتسلطة لا للذكر والتسلية انما هو بيان ان في هذه الارض اناس اعتلوا رقاب الناس بالنار والحديد وكانت عاقبتهم ما قصة القرآن من النهاية المفزعة والمهولة فهل من متعظ.... الدكتور رائد عبد دراج
أضف تعليقاً