الوعي الحضاري فاعلية وتمكين وشهود (من التحليل لنقطة الانطلاق)
مقدمة: يعيش الفرد المسلم المعاصر بين ضغوط مفارقتين كبيرتين ، قرآن منزل يحتوي على أسرار العظمة الربانية وتوجيهاتها الفريدة وما أناطته بالمسلم من تكاليف تتعدى الشأن الفردي، وتنقل هذا الانسان لمهمة كونية كبرى، هي هداية الإنسانية الحائرة ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) فأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام محملون بمهمة كبرى على خطاه يسيرون، ومع هذه المهمة تاريخ من الانجازات الحضارية الكبرى، حيث افتتحت العصور البشرية الجديدة للإنسانية قاطبة بإبداع المنهج التجريبي الذي أتم الحلقتين الكبيرتين السابقتين للبشرية، حلقة المنهج العملي (في الحضارات ما قبل اليونانية ) ، والمنهج التجريدي النظري الذي أبدعته الحضارة اليونانية، وهكذا تكامل للبشرية المنهج العملي والمنهج النظري والمنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الإنسانية المعاصرة، وبين حاضر تبدو فيه الأمة خارج السباق الحضاري علما وعملا ، أرضها وسمائها وبشرها مكشوفون أمام العالم .
ومن هنا ولد باستمرار سؤال المرحلة في صيغه المختلفة وبعناوينه المختلفة ...النهضة ...اليقظة ...الصحوة .... التقدم ....البعث ...الشهود الحضاري ... مفردات كثيرة جوهرها وباعثها واحد هو غياب الأمة عن المشهد الكوني المعاصر، وانطلاق أمم الأرض، فبعد الأوروبيين واليابانيين برزت النمور الآسيوية والصين والهند ثم إيران وتركيا ... وفي قلب المنطقة ولدت دولة اليهود المكونة من خمسة ملايين من الأفراد والتي ألجمت أمة يبلغ تعدادها المليار ونيف ... عصر لم يعد فيه العدد هو سيد الموقف، بل المعرفة والنوع والاستعداد للتدافع الحضاري بكل أشكاله ...حالة جديدة طرحت نفسها ولا زالت على العقل المسلم وعلى الواقع المسلم، ونحن في رحلة البحث عن الإجابات .
حين وصلني العنوان الذي يلزم الحديث فيه قلت ما عساي أن اكتب في موضوع كثرت فيه الكتابات واستفاضت، فبين معرف ومحلل وباكي وشاكي تنوعت الكتب منذ الكتاب الأشهر (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمون ) لمدارس فلسفة التاريخ (مالك بن نبي وغيره ) للمعاصرين الذي كتبوا في ذات السياق ...آلاف المقالات والأبحاث ولما يتوقف السيل بعد، وهو ما يطرح سؤلاً عمليا، ما هو وجه القصور فيما يكتب حتى نحتاج للمزيد!؟ هل يكمن الخلل في قصوره في الإحاطة بالموضوع؟ أو في عدم انتشار ما كتب!؟ أم لعدم استيفائه لشروط الانتقال من النظري للعملي! أم لقصور المتلقين لهذه الاطروحات؟
ولما لم تكن الاجوبة على الأسئلة الحيوية السابقة حاضرة عندي، والطلب قائم للكتابة عن الموضوع قررت تناول الموضوع بمقاربة ستميل للعملية، ومحاولة تسليط الضوء على الخطوات التي يمكن أن يتحرك بها المشروع من خانة المفكرين لخانة الشريحة الوسطى للفعل مع الجماهير في حركتهم اليومية، ومن أجل بلوغ القاعدة البشرية الجماهيرية المستهدفة بمشروع الوعي الحضاري. ورغم أنه لا مفر من طرح بعض التعريفات الأولية للتمهيد للبحث إلا أن بنية الموضوع وهدفه الحديث عن نقطة انطلاق للفعل لا مجرد تشخيص الواقع وفك شفرته. وبذلك سينقسم البحث في جزأين الأول هو المقاربة المفاهيمية والثاني هو من الطرح النظري للعملي أو ردم الفجوة بين النظري والعملي.
مقاربة المفاهيم:
حين نقترب من عنوان البحث سنجد أنفسنا أمام فكرة الوعي وفكرة الحضارة وفكرة الفاعلية وفكرة التمكين وفكرة الشهود ... ونحتاج أن نقترب من هذه المفاهيم المشتبكة شيئا ما حتى يمكننا أن نتحدث عن موضوعنا بشئ من الوضوح ...
الوعي:
حين نتحدث عن الوعي نجد أنفسنا أمام كلمة الإدراك، والإدراك هنا وفي هذا السياق سنستعمله لعدد من الأبعاد ، إدراك الذات وممكناتها، وإدراك الآخر وممكناته، وإدراك الزمان والمكان، وبالتالي نحن نبحث عن وعي عام يسمح لنا باتخاذ القرارات في موضوع صناعة الحضارة، أو إستعادة الدورة الحضارية للأمة في ضوء معرفتها بقدراتها وبقدرات الآخر، وبالزمان والمكان الذي تتم فيه عملية التدافع الحضاري.
إن ما نبحث عنه بهذا المعنى حالة من الرشد تصاحب الروح والحماس، معادلة تقوم على أولي الأيدي والأبصار، وهنا يطرح السؤال نفسه ما هي المعارف الضرورية لخلق حالة الوعي؟ وكم حجم ما يلزم منها؟ وكيف ستصل للمستهدفين بالوعي؟ الأمر الذي يخلق طيفا واسعا من الإجابات، وسنجد مقاربة واسعة للموضوع في المناهج المدرسية، حيث تسعى هذه المناهج لطرح الإسلام وتنوير الجيل ونقله ليكون المجتمعات الجديدة ... فلماذا لم يتم التنوير رغم أن نسبة التعليم في المنطقة العربية تصل في المتوسط 55% وفي بعض البلاد تصل 80% من الكتلة الجماهيرية!! فما هي الحلقة المفقودة؟ .
ما الذي عطل حركة الوعي رغم كل هذا الضجيج حولها!؟ هل هو غياب المادة المعرفية؟ أو افتقاد المهارة أو نقصان الكثافة أو غياب التطبيق أو عدم الوصول للشريحة الفاعلة أو افتقاد محاولة الانتقال من التنظير للتطبيق بما يخلقه ذلك من تحدي عملي؟
وسأترك مقاربة هذه الورقة للموضوع إلى حين ننتقل للجزء الثاني من الورقة... ولكن حسبنا في هذا الجزء أن نقول أن فكرة الوعي تتركنا حول أسئلة عملية مثل الوعي بماذا ؟ والوعي لمن ؟ وأسئلة الكيفيات كاملة، وأسئلة المؤشرات على حدوث الوعي، وهي جميعا تشكل حلقة الوصل بين النظري والعملي.
الحضارة:
كلمة الحضارة ومنها كلمة الحضاري الواردة في عنوان البحث بإضافة ياء النسبة، مصطلح في التداول المعرفي يستخدم بثلاثة معاني، أولها: استخدامه للتعبير عن انتقال مجتمع ما من الطور البسيط للطور المركب، فمن حياة الصياد البدائي أو الراعي المتنقل لطلب الكل والماء للسكنى مثلا حول الأنهار والاستقرار، ونشوء المجتمعات المركبة التي تظهر فيها آثار الاستقرار والتوسع في النظم، وبروز الظاهرة السياسية والاقتصادية والدينية والقانونية والكتابة والعلوم المعمارية والفلك والطب، ونظم المعمار المختلفة، وبروز الصناعات وشق الطرق وبناء الكباري والجسور ...كل ذلك يعبر عنه بالانتقال من البسيط للمركب وهو المعنى الأول في تداول كلمة حضارة في الحقل المعرفي. أما الاستخدام الثاني: فهو استخدام كلمة حضارة بالتبادل مع كلمة ثقافة، بمعنى ما يميز مجتمع ما من ظهور أنماط الفنون والملابس وأنماط الحياة والمعتقدات والقيم والمنتجات التي تعطي كل شكل اجتماعي خصوصيته وهويته. أما الاستخدام الثالث: فهو استخدام عنصري للمقارنة بين المجتمعات غير المتحضرة أو البدائية، ويركز بعض الباحثين في تقويم الحضارات على الجانب ألقيمي فيها، ويفضل آخرين تقويم الجانب ألقيمي والمادي في الحضارة.
أما حين نتكلم عن الوعي الحضاري فنحن نتكلم عن الإدراك المكافئ لمشروع إعادة إنتاج حضارتنا، أو استعادة الدورة الحضارية لمجتمعاتنا، وفي هذا السياق تبرز الحاجة لمعرفة المنافس الحضاري أين وصل في تقدمه الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتقني والزراعي والقيمي؟ وأن ننظر في مخزوننا الحضاري أين توقف في هذه المسارات!؟ فبمعنى من المعاني فكل حضارة تنظر لنفسها من خلال النظر في مرآة الآخر الحضاري بصورة أو بأخرى ليس لتتماهى معه، ولكن لتنظر في أمر الفجوة التي يراد سدها، وتضع إستراتجية التحرك الحضاري المناسب، بمعنى آخر الوعي الحضاري يطرح أسئلة قراءة الواقع والتخطيط له استراتيجيا وتكتيكيا، وهي المنطقة الأكثر صعوبة بعد التحليل والتنوير. وفي هذا السياق بدت كلمات مثل: الفاعلية والتمكين والشهود، كمراحل تقطعها الإستراتيجية للوصول للمطلوب النهائي فلنقترب منها.
الفاعلية:
الفاعلية هي بمعنى من المعاني مقاربة النشاط المنتج من خلال الجهد البشري. والمنتج هنا تعني المنتج للحضارة. فهناك في جانب مطلب كلي هو إنشاء الحضارة واستعادة دور الأمة في الحضور على مسرح الفعل الإنساني لا مجرد الوجود الفيزيائي. هي الإسهام المفيد للذات وللبشرية والذي يعطي مبررا للوجود.
فهو من جانب مطلب إنساني، ومن جانب آخر هو مطلب رباني باعتبار خصوصية الأمة الإسلامية ودورها المناط بها في الكون من خلال خاتم الرسالات السماوية .
والسؤال العملي: كيف نطلق ممكنات الإنسان المسلم حتى يمارس دوره في صناعة الحضارة؟ وأين تكمن معوقات هذه الفاعلية؟
فسؤال المعوقات، وسؤال كيفية تجاوزها، ومن سيقوم بحل لغزها، هل تكمن أسرار عدم الفاعلية في عدم معرفة الحاجة للفاعلية؟ أم تكمن في اليأس من إمكانية الفعل؟ أم تكمن في نوعية الغذاء الفكري المتداول؟ أم تكمن في صعوبة الواقع المعاش؟ أم في القيود التي تفرضها الأوضاع السياسية والاجتماعية على الفعل؟ ... في كل الأحوال نحتاج أن نكتشف موضوع الفاعلية وكيف سرت في مجتمعات كانت تعيش ظروفاً قريبة من مجتمعاتنا، فما الذي اخرج الجزيرة من ركودها في عصر الرسالة!! وما الذي اخرج أوروبا من ركودها الذي استمر ألف سنة!! وما الذي اخرج الصين والهند من ركودهما؟! هل هو مسار واحد أم مسارات متعددة؟! وما سر فاعلية الإنسان وانطلاقته؟ إننا حين نتحول من التحليل اللغوي للفظ الفاعلية للأسئلة العملية المتعلقة بالفاعلية نضع أيدينا على أسرار كثيرة تعيننا في مقاربة موضوع الفاعلية. ويمكن النظر للموضوع من زاويتين الأولى: زاوية لانطلاقة المشروع في غيبة المشروع المركزي للدولة. والثاني: انطلاقة المشروع من خلال الدولة وهما المساران المحتملان للحراك، ونحتاج أن ننظر فيهما لمقاربة الموضوع من زاويته العملية. ولكن سنقف عند الأول منهما لأنه جوهر السؤال المطروح لحين تبني الدولة المعاصرة العربية مشروعا لاستعادة الفاعلية الحضارية .
مشروع التحولات التي يقودها الأبطال المنفردين(حين لا توجد خطة مركزية تقودها الدولة)
حين ندرس المسارات الطويلة التي قطعتها الحضارات في غياب التخطيط المركزي طويل الأمد نرصد جهودا نوعية ومفصلية، أثمرت الصورة الكلية للإنجازات العظمى، وهي تسير عبر تراكم نقاط مضيئة في فضائها، ومن مجموعها تشكل الحالة الكلية للحضارة، فلو أخذنا نموذج الحضارة الإسلامية ابتداءً لوجدنا أنفسنا أمام تراكم يسير في مسارات متعددة، فهناك تراكم علمي معرفي، وهناك تراكم سياسي، وهناك تراكم عسكري، وهكذا... وللنظر للتراكم العلمي من فترة الوحي والبذور الحية، لفترة جمع القرآن، لفترة حصره في مصحف عثمان، لفترة تقنين اللغة العربية، لفترة تقنين الفقه وأصوله، لفترة جمع الحديث وعلومه، لفترة الترجمة، لفترة إنتاج المنهج العلمي ... لن نجد خطة مركزية انطلقت منها كل هذه الجهود، بل إبداعات أفراد قادت لصناعة الصورة النهائية ... ولو نظرنا للحضارة الغربية لوجدنا من القرن العاشر الميلادي بدأت نذر تحولات في أوروبا آتت ثمارها في القرن الثاني عشر، بإنشاء الجامعات التي تعلم علوما غير علوم اللاهوت، ثم ظهرت مسارات متعددة للتطور لو تابعنا منها المسار العلمي، فمن صرخة روجر بيكون في القرن الثالث عشر، حتى إبداع المطبعة في القرن الخامس عشر، حتى صرخة كوبرينكس وهزه لخيمة القرون الوسطى، لصرخة جاليليو بمنظاره التي كسرت عمود الخيمة التي تقوم بها القرون الوسطى بأنه لا علم إلا في الكتاب المقدس، ثم يعطي ديكارت صك الوفاة للقرون الوسطى، ثم تتوالى الإبداعات حتى تصنع الحداثة الغربية وعصر الصناعة وما تلاه، مسار طويل ليس له خطة مركزية تضافرت فيه طفرات أحدثها المبدعون في كل مسار أنتجت الصورة التي نشاهدها اليوم.
باختصار هو مسار غير مخطط على المدى الطويل نقطة الانطلاق فيه هي المبدعون الذين يستجيبون لصوت اللحظة ومع كل فكرة جديدة يتولد شعاع من النور يكون الفجر القادم .
مشروع التحولات التي تقودها الدولة:
وهناك مسار قصير تخطط له الدولة مركزيا، وتنحته نحتاً مثل التجربة الصينية والهندية والإيرانية والماليزية، وهو مسار تحرق فيه المراحل يعتمد على وجود رؤية محددة لدى القيادة في دخول السباق الحضاري، ودافع نفسي كبير لحدوث التحولات الكبرى .
وهنا يبرز السؤال الكبير كيف تتحرر ممكنات البعض في بيئات لا يوجد فيها دور مركزي تخطيطي للدولة!؟ ويساهمون في صنع الحضارة؟ والتمهيد لبروز مسار الدولة الموعود ... لو استطعنا أن نجيب على هذا السؤال لتجاوزنا عنق الزجاجة في المعضل المطروح على العقل العربي اليوم.
فالعقل العربي اليوم يطرح معادلته كالتالي :كلنا نريد النهضة، ولا يعجبنا ما هو قائم، والنهضة تحتاج لمشروع دولة، والدولة غير مستجيبة لمطلب الانطلاق فإلى أن تستجيب لا حيلة لنا !
وهو غير مدرك بأن مسار النهضة ليس بالضرورة يمر عبر بوابة التخطيط المركزي للدولة، فقد عبرت النهضة من بوابات أخرى كما رأينا في الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وهنا يطرح العقل سؤاله التالي: أليس هذا مسارا طويلا لا قبل لنا به... فمن سينتظر كل هذه القرون ؟
وهو سؤال مشروع يغيب عنه ممكنات اللحظة التاريخية ...لقد حدث في عصرنا ما يسمى بتسارع التاريخ، فالإحداث الكبرى لم تعد تحتاج لقرون، والتخطيط الذي لا تقوده الدولة قد يثمر ثمارا كبيرة بما توفره التقنية اليوم من أدوات التواصل والتأثير. لقد أصبح للفرد أثرا كبيرا في التحولات بسبب التقنية وأدوات الاتصال، فربما شخص واحد مثل بيل جيتس في عصرنا له من التأثير على واقعنا ما يتعدى دور أكبر الحكومات اليوم. فهناك زلزال معرفي عملاق يتدفق في فضاء العالم اليوم تستطيع فيه فئة قليلة واعية أن تصنع تحولات معرفية كبرى في مسار الوعي الحضاري حتى في غياب مشروع لتخطيط المركزي !
التمكين:
ومصطلح التمكين مصطلح يعني زيادة القوة للفرد والمجتمع والدولة، بشكل ينعكس على قدرة الفعل وعلى ديمومة الفعل ... وقوة المجتمعات اليوم تتمركز في قدراتها العقلية ومعارفها، وتنعكس على اقتصادها وصناعتها وزراعتها وخدماتها وقدراتها الدفاعية ومعنوياتها ... والتمكين عملية مستمرة من زيادة القوة، وكلما زادت القوة زادت الوثوقية في الذات، وزادت القدرة على استمرارية الفعل.
الشهود:
والشهود في المعنى الذي ننحته هنا هو الحضور المعياري الفاعل هو مكانة الأستاذية الحضارية، هو واقع الأمة حين تنحت لنفسها مكانا بين الأمم، ورغم أن التفاسير المتداولة تنحى منحى أخروي في تعريف الشهود، فهو حدث متعلق بيوم القيامة في ما هو متداول.. إلا أن السقف القرآني أعلى من ذلك بكثير، هو يحتمل المعنى الدنيوي والأخروي، هي حالة مكتسبة ناتجة جهد كبير لتكون الأمة معيارا لبقية الأمم، وشاهدا على مخالفتها للمعايير الكبرى للمطالب الربانية السامية، والشاهد حاضر للوقائع عالم بها فهو لا يشهد إلا على ما علم..
سؤال الكيف:
مشروع الوعي الحضاري والانتقال للفاعلية، والتمكين والشهود كما يشير عنوان البحث ، أخذ مسارا طويلا من التحليل، ولكنه فيما نرى لم يأخذ حظه في مسار التنزيل ... الانتقال من سؤال لماذا؟ لسؤال كيف؟ أو أنه عندما انتقل لسؤال كيف في أغلب أحواله أخذ مساراً متجها لفكرة محورية، هي السلطة باعتبار أن تحقيق التقدم المنشود في الدولة المعاصرة لا يتم إلا عبر بوابة تبني الدولة لمشروع التقدم، وهذا بدوره أخذ طابعاً مطلبياً مستمرا للدولة المعاصرة بأن تقوم بدورها، أو طابعاً لافتكاك الدولة من أيدي شريحة معينه وتحويله لفئة أخرى. هكذا مضت فترات الخمسينات والستينات والسبعينات وإلى يومنا ... ولم تثمر بعد نتيجة مرضية! ولنا أن ننظر للأحلام الثورية في بعض أصقاع الوطن العربي لنرى أن هناك مشكلة تتجاوز السلطة، مشكلة تتعلق بالوعي سواء عند من نجحوا أو اخفقوا في الحصول على السلطة. بمعنىً آخر أن الوعي المكافئ لإنشاء كيان سياسي واجتماعي قادر على اللحاق بالعصر يتعدى فكرة السلطة بشكل واضح، ويصل لعمق حضاري دفين، عمق فكري أعمق من مجال القوة المادية لمجال القوة الروحية والفكرية، يتعدى فكر النخبة - وهنا مربط الفرس - لآلية تجعل الحساسية الجماهيرية متقبلة لفكر النخبة وهو الأمر الذي يعيد طرح السؤال في صيغته العملية
كيف نوجد الوعي الحضاري الذي يشمل النخبة والحساسية الجماهيرية والذي يحرر فاعلية المجتمع وينقله للتمكين والشهود الحضاري؟
:نقطة تفكر
كان مشهد المطالبين بالحرية والعدالة في أحد الشوارع ملفتا للنظر، وهو منظر بدا مألوفا في هذا العصر في وسائل الإعلام ... فهناك هتافات وشعارات تطالب بالخبز للجماهير، تطالب بالتعليم والصحة للجميع، وحول هؤلاء يلتف شرطة الشغب متأهبين للانقضاض عليهم عند أول إشارة، وهو منظر مألوف أيضاً من كثرة تكراره، ولكن على أطراف المشهد كانت تمر جموع من الناس تنظر للمشهد وتبتسم، أو تمارس هوايتها في التصوير، أو تمر غير عابئة بكل هذا الصخب، شئ ما هناك أعاد لذاكرتي مشاهد أخرى التقت فيها الحساسية الجماهيرية بالمطالب الكبرى للنخب، أو التقت فيها حركة النخب بالمطالب الكبرى للشعوب، أو حتى حركة النخبة السياسية مترجمة لمطالب الشعوب وأحلامها كما في ماليزيا أو تركيا في عصرنا. شئ ما في المشهد الذي بدأنا به غير طبيعي! لا يكفي فيه أن يقال أن الجماهير مطحونة بحركة الحياة، ولا وقت عندها للنظر في أحوالها، فهناك شعوب مطحونة بأكثر من ذلك التفتت لأحوالها وطالبت بتغييرها. ويحضرني كتاب قرأته في الصغر وهو (البؤساء ) الذي صور أحوال فرنسا في ما قبل الثورة الفرنسية، فالبؤساء هم أصل الثورات والتحولات، ولابد أن نبحث عن حلقة مفقودة في معادلتنا أعمق من ما هو منظور، حلقة مكتوبة بالحبر السري عصية على القراءة للوهلة الأولى.
لماذا لا تطبع الطابعة ؟
لو كان الموضوع قابلا للتشبيه لقلت أن الجماهير هي الطابعة والنخب هي الكمبيوتر! شيء ما لم يسمح بأن تستجيب الطابعة لما يكتب على لوحة مفاتيح الكمبيوتر! شيء ما لم يؤهل الطابعة للتعرف على ما يكتب على لوحة المفاتيح !
هل نطرح هنا موضوع الوعي الحضاري، وما هو مضمونه؟ ومن هي الشرائح التي تحتاجه؟ وكيف يصل إليها ؟
ما هي الآلية التي يمكن بها أن تسود فكرة حية في مجتمع ما بشكل يسمح لها أن تساهم في حدوث تحولات حقيقية ؟
مضمون الوعي الحضاري:
لقد قلنا أن الوعي الحضاري هو وعي يكفي لإطلاق الفاعلية الحضارية في مجتمع ما، هو وعي بالذات ووعي بالآخر المنافس، ووعي بمتطلبات التقدم في طريق الفوز بأقل التكاليف وفي أقصر وقت. إنه باختصار قدرة على اتخاذ القرار المناسب في إطار التدافع الإنساني، قرار يسمح بتحقيق الفوز بالنقاط بدل الضربة القاضية !
بهذا المعنى يصبح أمامنا رؤية للمضمون تتكون من معرفة الذات، والذات تتشكل من صورة عن الذات الحضارية (والمتكونة عبر التاريخ ) وصورة لأسباب التخلف وبنيته وجذوره، وصورة عن المستقبل المنشود، وصورة عن الطريق للعبور له، وصورة عن الواقع المحيط بالتدافع في صورة السياسة المحلية والدولية، وصورة للاقتصاد ودوره في صناعة الأمم، وصورة للدين كرافعة للتقدم أو ككابح للتقدم ثم صورة عن أفضل الممارسات الإدارية لهذا الواقع وأدوات التعامل معه .
بهذا تتكون قاعدة سوية أولية للتعامل مع الواقع وإدارته في اتجاه صناعة الحضارة، وعلى هذه الأسس يتكون المضمون.
الشرائح الثلاث:
عندما ننظر للواقع سنجد أنه مكون من شرائح ثلاث متفاوتة الحجم والدور، فأمامنا شريحة الساسة وأهل الفكر وهي شريحة تصنع القرار والفكر. وأمامنا شريحة وسيطة في غاية الأهمية، وهي شريحة الفنانين والأدباء والمسرحيين والسينمائيين والوعاظ. والشريحة الثالثة هي عموم الجمهور. فشريحة تصنع القرار وتصنع الفكرة، وشريحة تبسطها وتنقلها للقاعدة العريضة، وشريحة تستقبل هذه القرارات والأفكار وتتفاعل معها. وصناعة التقدم نحو الحضارة تحتاج لتفاعل الشرائح الثلاث، فالحاسوب في هذه الشرائح هو الشريحة الأولى إنها النخب، والطابعة هي الجمهور الذي يتفاعل مع ما تكتبه الطابعة، والوسيط بينهما هي الشريحة الثانية التي تقوم بوصل حلقة النخب بالجمهور، وهي التي تحول الفكرة المستعلية لحديث في المقهى والشارع وتوصله للبيت والمدرسة .
:إطلاق الفاعلية
والآن كيف يمكن أن نبدأ من نقطة لا نحتاج فيها لقرار علوي بالفعل، نقطة يمكن أن تنطلق من ممكناتنا كمجتمعات! وماذا تحتاج المجتمعات لاطلاق ممكناتها؟ يشير حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الكتلة النوعية البشرية لا تزيد عن 1% لحدوث التحولات الكبرى فيها "إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة" متفق عليه. وفي مشروع الوعي الحضاري نحتاج أن نصل لهذه الكتلة البشرية النوعية، وتحميلها بمشروع الوعي الحضاري وعياً يطلق طاقات هذه الكتلة البشرية لتعمل على تكوين مؤسسات الانطلاق وتملأ الفراغات، فمنها تتغذى شريحة المفكرين والنخبة السياسية، ومنها تولد شبكة الفنانين والأدباء والكتاب والمسرحيين والوعاظ، ومنها تبدأ معالجة الملفات الكبرى، جيل جديد قادر على أن يغذي مفاصل الفعل، ويصل الفكرة بالجماهير، وبالتالي يمكن الطابعة من الاستجابة لما يكتب على الكمبيوتر. فالتحول من نداء الموتى أو طلب المعجزة أو مناداة الثالث الغائب لتحديد محتوى الوعي الحضاري المطلوب، وتحديد آليات نقل الوعي، ومؤشرات قياس التأثير، وتحديد الزمن اللازم لانجاز مشروع"نقطة التحول" سيكون نقطة تحول كبرى. كل ذلك من الممكنات في ظل التطورات التقنية المعاصرة، ولو تضافرت الجهود للقيام بهذا الأمر لأمكننا أن نعبر الحاجز بين النظرية والتطبيق. وهذه هي النقطة الأولى في حركة المشروع التي يمكن أن تجعل أحلام الأمة بالتمكين والشهود الحضاري ممكنة.
الخاتمة:
إن التحرك لإيجاد نقطة انطلاق حقيقية لمشروع الوعي الحضاري يكتسب أهمية قصوى اليوم للخروج من دائرة الشلل التحليلي والانطلاق لفضاء الممكنات العملية .

التعليقات
اخر ما توصل!!!
اخر ما توصل اليه العلم ان الطاقة تتنقل اي ان العالم لا فراغ فيه فهو مملوء بطاقة متنقلة مثلا المصافحة هي تبادل طاقة حرارية ما .
اذن نستنتج ان الطاقة لها شغل و منتوج يعمل بفكرة محددة فلكل طاقة او نوع من طاقة هي تحقيق فكرة طاقة . و تعريفي للطاقة و هذه محاولة ادعو كل مهتم ان يقوم بها ففي خطئي صواب يصيبه غيري.اذن الطاقة عندي مجموعة اثار ملموسة بدرجات المعرفة الحسية المتفاوتة و لها فكرة تخذمها اي ان كل نوع او عمل للطاقة له فكرة اي هدف يخدمه فعندما تنطلق عملية اصدار طاقة ما فهي تحقق فكرة ما في عالم الحس ولهذا فجوهر الطاقة هو انتاجها اي ماهو الشغل الذي يحرك الطاقة ؟
الذي يحرك الطاقة هو منتوجها الاصيل وهو التفكر العقلي فرق مع الفكرة الطاقوية الغريزية و الاجتماعية و الاقتصادية وغيره فكلها تطبيقات للتفكر العقلي و ما يميز التفكر العقلي هو الفكرة الطاقوية الحيوانية مثلا; فعل بذل الحيوان لطاقة لينتج عنده طاقة اخرى تحقق فكرة اطفاء الجوع كاحساس فيزيلوجي ذاخلي .فالطاقة هنا تتحكم بافكارها و قوانينها في ذات المخلوق الحي اما التفكر العقلي فهو جوهر الطاقة. فالانسان يحول الطاقة الى تفكر اي يستخذم السعرات الحرارية ليحولها من طاقة مادية الى تفكر نابع من مصدر معرفته الايماني اليقيني و الفكرة مثل الطاقة تنتقل من عقل الى عقل و الفضاء مملوء بالطاقة و منه مملوء بالافكار و بهذا افسر عملية التخاطر كوسيلة اتصال المستقبل...اي مخبر نقوم بالتنظير لانتقال الافكار كطاقة و نستعمل تقنيات الملاحظة و التجريب لاثباتها ...هذا مهم لان لكل نهضة شاملة علومها الخاصى و ابداعاتها الخاصة بها كرمز لجدية النهضة ...اذن التفكير هو استهلاك لطاقة و تحويلها الى طاقة اخرى هي الفكرة الطاقوية المادية اي طاقة تنتج من تفاعل كميائي عقلي بعد استهلاك طاقة مادية تسمح بتفاعل المعلومات اي طاقة الفكر المخزنة ليس من حيث الكمية و لكن النوعية و البناء العقلي اي الشكل العقلي(تحدده مصدر معرفته الايماني و مذى رقيه من بساطته) الذي يستهلك الطاقة المادية والمعلومة الفكرية الطاقوية بعملية تفكر هو الذي يحدد الفكرة الطاقوية المنتجة و قابليتها للانتقال عبر التخاطر او عبر النقل الحسي البسيط و طبيعة المسلم كرسالة شمولية في حد ذاته تمكن له التصال الفكري مع كل انواع التفكر سواء العقلي او غيره.اذن الطاقة هي كمية فكرة لها هدف و تحتاج الى تفكر ليحرر طاقاتها حسيا و قد اخذ هذا التحرير شكل التفجير الطاقوي من خلال عقل تفكيري انتج فكرة الانشطار و نتج عنه الطاقة النووية.فاحاول ان الفت النظر ان تعاملنا مع النهضة يجب ان يكون بهدف ايجاد انشطار فكري يحرر التفكر المسلم لا يفجره اي التفكر المسلم الذي يولد الفكرة النووية التي تحقق الانشطار مصدر تحرير الطاقة النورانية للتفكر المسلم .فالكتاب و السنة مملوء بالطاقات النورانية المنزلة بالوحي من كلام رب العزة جل في علاه سبحانه و كل كلمة تحمل نورها فيها و كلما ازددنا ايمانا ازددنا قربا من انوار الكلمة.و القران يامرنا بالتفكر اي باستهلاك الطاقة المادية في التفكر لتحويل الطاقة المحسوسة الى طاقة نورانية او طاقة فكرية في مرحلة اولى .علينا بالتفكرفي الطاقة النورانية الكامنة في القران التي تجعله صالح لكل وقت و زمن الى ان يرفع. و هناك فرق بين الفكرة الطاقوية التي تخلق كما تخلق المادة و طاقة النورانية التي تنزل بالوحي هي كلام الله عز وجل نحن ملزمين بالتفكر فيها لانتاج فكر طاقوي مادي مرتبط بالطاقة النورانية كلما لزم الامر فالحضارة المادية و صلت الى الضوء كمادة و له وزن اما النور فهو مختلف. فالوحي رسالة مضمونها طاقة نورانية موجهة الى العقل التفكري المكرم و النهضة مرتبطة بالفكر الطاقوي الذي يجعل المسلم قادر على اداء رسالة الطاقة النورانية التي نجد اثارها في ساحة مصدر المعرفة الايمانية الراقي اي الايمان بالغيب ببعض التفكر العلمي او الفلسفي او التجريبي وهو اليقين في الرسالة السماوية المحمدية.
اذن هناك فرق بين التفكير اي عملية عقلية بسيطة خالية من اي مصدر لمعرفة ايمانية سابقة يبني معرفته على مصدر معرفته الايماني التجريبي البسيط كلما تقدمت تقنية تفكيره غايته تفجير الافكار الطاقوية
اما التفكر فهو عملية عقلية مبنية على مصدر معرفة ايمانية غير مادية غيبية ذات درجات متفاوتة غايتها تحرير و نشر الطاقة النورانية في الكون ليس العالم فقط!
اذن الدين الاسلامي هو الطاعة الفردية الذاخلية و الخارجية باسلام وتسليم لمصدر المعرفة الايماني الغيبي التنزيلي. فما علاقة الطاعة بالعقل !العقل انما يقوم بتحصيل الحواصل الايمانية بالتفكر وهذا يجعله قادر ان يسبق في مخيلته العلمية الواقعية التفكير المادي بلا منازع و المخيلة الواقعية انما هي استباق في كسب المعلومة و تحليلها و منه ركوب موجة النهضة بجد و ايمان.
هذا المقال حاول الإجابة عن
هذا المقال حاول الإجابة عن سؤال :
لماذا لم تصل الجماهير إلى الإحساس المطلوب نحو الوصول إلى نقطة الفاعلية النهضوية؟
أين هي الحلقة المفقودة ياترى...بين خطاب فكر النهضة وبين الجماهير؟
في اعتقادي البسيط أن البحوث القادمة والتي على مفكري النهضة الاتجاه إليها ..هي دراسة الجمهور
متطلباته وهمومه والموضوعات التي تثيره..للتّمكن من الوصول إليه وإثارة اهتمامه وحساسيته تجاه
الفعل النهضوي وأهميته...
وبالتالي تعدّل الصورة المقلوبة
فالصورة الآن أمامنا والتي يعيشها المجتمع العربي والإسلامي البسيط..
إقصاء واستهجان لكل من لديه وعي حضاري..
وأقصد بالوعي الحضاري هو ذلك الدافع نحو الفاعلية ووالتمكين والشهود (كما جاء في المقال)
والمطلوب ...
تقبّل تدريجي للفكرة يتسلل إلى حياة الجماهير ويدفعها لتبني الفكرة والدخول في ساحة الفعل والتأثير بمقتضاها...
ولن نصل إلى ذلك إلا بدراسة واعية لنفسية الجماهير والتأثير في العقل الجمعي.
اضم صوتي الى صوتك
اتفق معك مشروع النهضة تحتاج الى دراسة اجتماعية و نفسية لمجتمع النهضة و اضم صوتي الى صوتك و مجتمع النهضة كل مكان فيه تجمع مسلم حتى المسلم في دار الغرب
نحو علم للفاعلية
احيي الأخ فضيلة الدكتور جاسم على هذا الجهد المقدر والنظرة الثاقبة والوعي العميق. ولما كنت أحمل نفس الهم المتعلق بنهضة شعوبنا لأكثر من ثلاثة عقود يسرني أن اشركك وجمهورك الكريم فيما توصلت إليه في أبحاثي حول الفاعلية:
علم الفاعليّة
الشيخ محمد الشيخ*
1- المشكلة:
- محنة الأنانية والعنف والشقاء الإنساني.
- أزمة النهضة الحضارية في العالم الثالث، خاصة الشعوب الإفريقية والعربية.
- أزمة العلم المعاصر.
2- تعاريف:
أ- الفاعليّة: لغويّاً تعني الكفاءة والتجاوز. واصطلاحاً تعني القدرة على الإنتاج والإثراء الشامل للحياة، تعني الإيثار والإبداع.
ب- التتميميّة: تعني أن تتحقّق هويّة الظاهرة من خلال تتام أو تكامل الأضداد، ولكن ليس آنيّا بل وفقاً لشروط معطاة. بذا تشكّل التتميميّة أساساً جديداً للمعرفة البشرية وتسوغ وعي التنوّع والاختلاف.
3- فروض علم الفاعليّة:
أ- الطبيعة التتميميّة للكون.
ب- الطبيعة التتميمية للإنسان.
ت- الطبيعة التراكبيّة للعقل.
4- انطولوجيا الفاعليّة(نظريّة الوجود):
تختص المادّة بخاصّتين تتميميّتين: موجات المادّة عند الكثافة الهائلة للكتلة وذبذبات المعلومات البيولوجية عند الكثافة الهائلة للمعلومات. تسمح هذه الفرضيّة بتوسيع الأساس الأنطولوجي للفيزياء المعاصرة، فنحصل على ما أسمّيه فيزياء معمّمة. في إطار الفيزياء المعمّمة تستدمج دالّة السعة(نظام شرودنجر) موجات المادّة عند الكثافة الهائلة للكتلة لتصف ظاهرات الجماد (وهو موضوع الفيزياء المعاصرة). أو تستدمج دالة السعة ذبذبات المعلومات البيولوجية عند الكثافة الهائلة للمعلومات لتصف ظاهرة الحياة. عندئذ تنبثق ظاهرة الحياة وما تختص به من فاعليّة عند الكثافة الهائلة للمعلومات. ويتحقّق القصور للمادّة عند غياب الفاعليّة، أي عند غياب الحياة. تتحقّق الفاعليّة بيولوجيّا من خلال تطوّر الشعبة ومن خلال نشاط الأنساق البيئيّة حيث يتجسّد الإبداع والعطاء والإثراء الشامل للحياة.
5- تركيب العقل: أدّى تطوّر معماريّة الدماغ البشري إلى أن تتنزّل الفاعليّة من خاصيّة تتعلّق بتطوّر الشعبة إلى خاصيّة تتعلّق بتطوّر النوع البشري. كما أدّى تطوّر معماريّة الدماغ إلى أن تتجسّد الفاعليّة من خلال بنيات للعقل تدعم الغرائز الأساسيّة للبقاء. فأصبح العقل البشري يتركّب من ثلاث بنيات: أ ـ بنية العقل التناسلي (القاعدي) التي تعطي الأهميّة والأولويّة للبقاء عبر التناسل، فيعي الإنسان ذاته كائنا وظيفته التناسل. ب ـ بنية العقل المادّي والتي تعطي الأولويّة لإنتاج واستحواذ الخيرات الماديّة، ومن ثمّ يعي الإنسان ذاته كائنا ماديّا واقتصاديّا. ج ـ بنية العقل الخلاّق والتي يعي الإنسان من خلالها ذاته كائنا وظيفته الحب والعطاء الشامل. يقصد ببنية العقل النسق أو النواة التوليدية للوعي التي تحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحى استجابته وتفاعله مع العالم. ويقصد بالوعي المحتوى المعرفي السلوكي للإنسان. تسود البنية التناسلية حينما تكون الوسيلة الوحيدة المتاحة بغية التغلب على ارتفاع معدلات الوفيات هي زيادة معدلات المواليد، وحينما تكون القوة العضلية للرجال والنساء هي مصدر الأمن الاجتماعي والغذائي. تسود البنية المادية حينما توفر البنية التناسلية البشر كمياً فينتج تحدي وهاجس جديد هو توفير المأكل والمأوى لملايين الأفواه الفاغرة، وحينما تتضامن البنية المادية والخلاقة في التصدي للتحدي. تعتبر كلاًّ من البنية التناسليّة (القاعديّة) والبنية الماديّة (البرجوازيّة) متدنّية الفاعليّة، لأنّ برامجها للعطاء مغلقة، تحصر الحب والعطاء في إطار الفرد وأسرته وربما عشيرته أو طائفته، بينما البنية المفتوحة مرتقية الفاعليّة هي بنية العقل الخلاّق. كل فرد من أفراد المجتمع يحتاز البنيات الثلاث. لكل بنية عقل مرجعيتها المعرفية والقيمية ومفهومها للذات التي تحفز لأجل تحقيق مشروع البنية. تجدر الإشارة إلىً أن أهم ما يميز بنيات العقل هو حراكها، كان ذلك على صعيد الفرد أم المجتمع. لذا فإن سيادة البنية لا تكون كلية، كما لا تكون مطلقة غير قابلة للتحول.
6- الطبيعة الإنسانيّة:
الإنسان ذو طبيعة تتميميّة: داروينيّة عند تدنّي الفاعليّة طابعها الأنانية والعنف والاستبداد، وإنسانيّة عند ارتقاء الفاعليّة طابعها الحب والإبداع والعطاء الشامل.
7- نظريّة معرفة الفاعليّة(نظريّة المعرفة التتميميّة) : المعرفة هي ناتج علاقة تركيب العقل بالوجود، أي أنّ المعرفة دالّة في متغيّرين هما تركيب العقل والوجود. عندئذ يتجلّى وعي القصور عند تدنّي الفاعليّة، ويتجلّى وعي الفاعليّة عند ارتقاء الفاعليّة. عند تدنّي الفاعليّة يكون الوعي انعكاساً لشروط الحياة الماديّة، أمّا عند ارتقاء الفاعليّة يتجلّى الدور التأسيسي للذات. هذا يعني الوجود المستقل للواقع، بيد أن معرفة القوانين الأساسية المستقلة لهذا الواقع تعتمد على نمو الفاعلية.
8- التحليل الفاعلي: منهج يحلل فاعلية الأفراد والمجتمعات والنصوص. ويقصد بذلك الكشف عن نمو وتفاعل بنيات العقل من خلال الاستجابة لتحديات الوجود الاجتماعي.
9- آلية نمو الفاعلية: يقصد بنمو الفاعلية تجاوز مهام وأغراض بنيتي العقل التناسلي والبرجوازي وتبني مهام بنية العقل الخلاق، وفقاً للآلية التالية: أ- التحدي، ب- تصدع بنية العقل السائدة، ج- الاستجابة، ويقصد بها الانفلات من بنية العقل السائدة بمشروع للفاعلية والدفاع عن المشروع. هذا يعني أن ليس من إبداع دون تنمية الفاعلية. ليس الإبداع مجرد ذكاء، أنه في الأساس فاعلية، ذلك أن كشف الحقائق الكونية يتطلب ذاتاً كونيةًً.
10- سيكولوجيا الفاعلية: يحدث الضغط النفسي الذي ربما قاد إلى الانهيار النفسي عندما ينهار مشروع البنية المستدمجة دون احتياز مشروع بديل وفكرة بديلة عن الذات. ويحدث الاغتراب حينما ينفلت المرء من البنية السائدة بلا مشروع أو يجبن عن رعاية المشروع، فيصبح بلا هوية فاعلية- أي بلا هوية. ويكون من ثم عرضة للشعور بالعجز وفقدان السيطرة، اللامعنى، اللامعيارية، الانعزال الاجتماعي و الغربة النفسية. أما السعادة فهي نسبية تتحقق من خلال النجاح في انجاز مشروع البنية المستدمجة. عليه ينشأ الصراع النفسي حينما تتنابذ عند الإنسان مشاريع بنيات العقل.
11- سوسيولوجيا الفاعليّة:
البناء الاجتماعي هو نسق تراكب بنيات العقل من خلال سيادة إحداهن. ينجم عن ذلك بناء اجتماعي تناسلي أو برجوازي أو خلاق. عندئذ يكون التغيّر الاجتماعي هو الانتقال من بنية سائدة إلى أخرى وفقاً لآلية نمو الفاعلية، وحينما تتوفّر القوى الاجتماعيّة الجديدة الحاملة للوعي البديل. هكذا يتحقق حراك وتاريخا نية البناء الاجتماعي.
12- حركة التاريخ: تنشأ حركة التاريخ من خلال العلاقات الديناميكيّة لبنى العقل، أي من خلال حراك البني الاجتماعية، فيتولد فضاء الفاعلية. تتعسر النهضة الحضارية في ظل سيادة الوعي التناسلي لأن مشروع التناسل ليس هو مشروع النهضة، ولأن الوعي التناسلي يعتقل العقل والجسد والجنس في التناسل ويناهض الإبداع. يستدمج النموذج الفاعلي النماذج الرئيسية لحركة التاريخ: النموذج الماركسي الخطي والنموذج الدوري لتوينبي والنموذج البنائي الوظيفي للتوازن والاستقرار.
13- فضاء الفاعليّة: يتشكّل فضاء الفاعليّة من الفضاءات الجزئيّة لكلّ من البنية التناسليّة والبرجوازيّة والخلاّقة. حيث يشكّل الفضاءان الجزئيّان للبنية التناسليّة والبرجوازيّة بحكم تدنّي فاعليّتهما ما نسمّيه بالفضاء الدارويني، ونقصر تسمية فضاء الفاعليّة على الفضاء الجزئي الذي تسوده البنية الخلاّقة. بناء على آلية نمو الفاعلية لا يخلو الفضاء الدارويني من حملة الوعي الخلاق، فقد أسهمت جهودهم في النهضات الحضارية وتقدم البشرية، وظلوا مصدراً لإشاعة الأمن والسلم والجمال والمعنى في الحياة الإنسانية.
14- نظريّة الثقافة: الثقافة بوصفها جاهزيّة معرفيّة لأجل إنتاج وإبداع الوسائل الماديّة والقيم الروحيّة، أي فاعلية، تتحقّق من خلال تراكب الخطاب التناسلي والبرجوازي والخلاّق. كل ثقافة تحتوي على كل الخطابات. إذن لا تختلف الثقافات من حيث التركيب، بل تختلف وفقا لطبيعة الخطاب السائد. ينطوي كل خطاب على دال مركزي، مرجعية قيمية ووعي للذات، وظيفتها تحقيق مهام وأغراض البنية السائدة. ما يسمى صدام الحضارات ليس هو صدام بين ثقافات مادية وأخرى إنسانية، هو بالأحرى تنابذ ثقافات مادية وأخرى تناسلية، نجم عن اختلاف مهام وأغراض كل من البنيتين. الدين في صورته القياسية خطاب شامل، بمعنى أنه يخاطب جميع بنيات العقل. فيجد فيه كل قارئ أو مريد بنية وعيه، فيتماها وذاته داخل النص. لذا الدين يوحد ولكنه أيضاً يفرق، فلا تجتمع الملة على المقاصد النهائية للنص. الآن، من خلال الفاعلية، يتلاشى التناقض بين العلم والمقاصد النهائية للدين.
15- النظريّة السياسيّة:
نظام الحكم هو انعكاس للخصائص التكوينيّة للبناء الاجتماعي. ينتج البناء الاجتماعي التناسلي سلطة تناسلية تتجسد من خلال نظام القرابة كما هو الحال في النظام الملكي وما شابهه. ينتج البناء الاجتماعي البرجوازي سلطة اقتصادية كما هو الحال في النظام الرأسمالي. وينتج البناء الاجتماعي الخلاق سلطة للفاعلية والمشاركة تتجسد من خلال نظام ديمقراطي اشتراكي. عليه- بعكس ما ذهبت طموحات الحداثة الأوربية والماركسية- لن تسود القيم الكونيّة، قيم الحريّة والعدالة والمساواة والتسامح في فضاء دارويني، لهذا السبب اعتبرت المدينة الفاضلة يوتوبيا. كثيراً ما يوظف الخطاب الخلاق من خلال الصراعات الدينية والعرقية والاقتصادية و الاجتماعية بغية احتكار السلطة والثروة والحقيقة عوضاً عن إلغاء الاحتكار، وهذه من الخصائص المميزة للفضاء الدارويني. من أهم متطلبات الانتقال إلى فضاء الفاعليّة: (أ)دال مركزي جديد (ب) وجدان كوني (ج) مشروع حضاري بديل (د) القوى الاجتماعيّة الحاملة للمشروع. وهو انتقال- بالضرورة- سلمي، ديمقراطي وإنساني يعكس فاعلية الفاعلين الاجتماعيين.
16- نظريّة الأدب:
الأدب هو بنية فاعليّة لغويّة تخيّليّة، أي تنتمي إلى فضاء فاعليّة تخيّلي، وذلك نتيجة لتماهي بنية العقل وبنية اللغة. عندئذ ينشأ نظام النص من أن النظام اللغوي الداخلي للنص الأدبي هو في نفس الوقت نظام لعلاقات الفاعلية. عليه تنشأ أدبيّة الأدب بوصفها ناتج علاقة الاستخدام الفنّي للغة وعلاقات الفاعليّة داخل النص.
17- معنى الحياة: يتمثل المعنى والهدف النهائي للحياة الإنسانية في تنمية وزيادة الفاعلية عوضاً عن زيادة النسل أو زيادة رأس المال.
18- من هو الإنسان (أي الإنسان الخلاق) ؟: هو من يجسّد القانون الأساسي للحياة، قانون الفاعليّة، بجعل الحب الكوني – حب يتعدى حدود العرق والدين والجغرافيا- والعطاء الكوني مشروعا وهدفاً للحياة، وثابر على تنمية المشروع.
19- النتائج:
أ- يقترح علم الفاعلية أساساً جديداً للمعرفة البشرية بناء على:
- توسيع مفهوم المادة بالكشفً عن التتميمية المعممة لموجات المادة وذبذبات المعلومات البيولوجية.
- توسيع مفهوم التطور بالكشف عن أن الجينوم يولد مستويين للبقاء: الكفاءة التناسلية والفاعلية.
- توسيع مفهوم العقل بالكشف عن تعدد بنيات العقل.
ب- في ضوء ذلك أمكن تجاوز التناقضات الآتية:
- التناقض بين الفيزياء والبيولوجيا.
- التناقض بين البيولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
- التناقض بين البناء الاجتماعي والتاريخ.
ت- الهدف النهائي لتطور الكائنات الحية كما الحال بالنسبة للحياة الإنسانية هو زيادة الفاعلية.
ث- تنمية الفاعلية هي المفتاح لتجاوز الفضاء الدارويني مهد شقاء الإنسان.
* الشيخ محمد الشيخ( سوداني): مبتكر التحليل الفاعلي، ومبتكر النظرية الفيزيائية المعممة التي تعنى بالقوانين التي تحكم نمو وتطور الكائنات الحية. elsheikh46@yahoo.com
** للمزيد من المعلومات أنظر/ موقع مركز دراسات الفاعليةwww.faeeliya.org
البداية البدرية:
البداية البدرية:
دكتور لي معادلة اسميها البداية البدرية يجتمع فيها مجموعة عناصر تؤدي الى بداية سليمة واجد معضمها في ثنايا تحليلاتك و سعيد جا بذلك
المعادلة البدرية;
اولا اكتمال عناصر الامة بالمنظور الحضاري الكامل و كانت متجسدة في كيان قيادي بشري واحد مُشِع .
ثانيا:تجمع تعداد محدد هو ادنى عدد وراء المفهوم الحضاري الكامل بادراك عملي واقعي من خلال ارقى مصدر للمعرفة وهوالايمان ايمان يقين يغلب الواقع المادي المحبط مهما كان الواقع المادي.
ثالثا:تفاعل ايجابي روحي منسجم و استعمال تقنية التنظيم المادي في ابسط مظاهره .هذا باختصار اثراءً لطرحك دكتور و دمت مشكوراً على وضعك بوادر البداية البدرية النهضوية .
لا ينقص اذن الا اجتماع ثلاثة مئة فكر نهضوي متشابك اجتماعاً طبيعياً و لقد و ضعت لبنة تمهد لاجتماع هذا الفكر .
مقال تحليلي عميق، يسرد حقائق
مقال تحليلي عميق، يسرد حقائق لا يصح ان يغفل عنها العاملون في ميدان نهضة الامة، وقد أثار عندي تساؤلات اطرحها على فضيلة الدكتور جاسم.
هل الفعل الحضاري المطلوب الأن والذي لا بد من البحث عنه هو على مستوي الفعل العلمي أم الفعل التنظيمي، فالامثلة التي طرحها المقال للتدليل على مشروع التحولات التي يقودها الأبطال المنفردين(حين لا توجد خطة مركزية تقودها الدولة)، تصب في الفعل العلمي فقط وغاب عنها الفعل على مستوى النظم التي يلمس تأثيرها المباشر على العامة، والامثلة المطروحة ليس لها هذا الاثر المباشر على العامة.
ثم أنه في الحالة الاسلامية تم تناسي دور الدولة كحاضنة لمثل هذه الابداعات وان لم تكن مخططة، فيكفي التوافق الفكري العام بين الشعب والنظم الحاكمة وما لذلك التجانس من اثر كبير في توجه العقل البشري الى الابداع في مجالات مختلفة، حيث ان مثل هذه البيئة حاليا تعتبر عائقا في حركة العقل البشري، حيث ان التركيز منصب على الصراع بين الفئات العاملة للنهضة وبين النظم التي تعمل على تثبيت حالة الجهل والتخبط في كثير من البلدان الاسلامية، وهذا له الاثر الكبير في احجام العقل البشري عن الابداع في مجالات يعدها ثانوية، اذ ان الحاجات الاساسية مازالت تحتاج الى جاتب كبير من الجهد العقلي لتوفيرها؟
هل بدأت دورة الحضارة الاوروبية حينما بدأ العلماء في تحريك عقولهم نحو الفعل العلمي، ام بدأت حينما قامت الثورة معلنة بداية مرحلة جديدة من التاريخ الاوروبي؟ نعلم ان الفعل الانساني هو المحرك الاساس، ولكن الفعل الحضاري المؤثر له وجود مدرك من خلال كيان الدولة.
في تعريف المقال للتمكين يطرح المفهوم التالي: "وقوة المجتمعات اليوم تتمركز في قدراتها العقلية ومعارفها، وتنعكس على اقتصادها وصناعتها وزراعتها وخدماتها وقدراتها الدفاعية ومعنوياتها"، وهنا اتساءل كيف يمكن تفسير الضعف المادي لدولة مثل كوريا الجنوبية على الرغم من القدرة العقلية والاختراعات المهولة، فهي دولة لا يرهب جانبها على عكس كوريا الشمالية. وكيف نفسر ضعف اليابان دوليا وسياسيا على الرغم من ان اقتصادها يعتبر من اكبر الاقتصادات في العالم؟
سؤال أخير، إذا كان إحدى شرائح الواقع المراد تغييره هو الامة، فلماذا لم يتعرض المقال لمفهوم الامة بالتحليل والتبسيط، فمن هي الامة؟ هل هي الامة القطرية؟ ام الكويتية؟ ام الباكستانية؟ وكيف يمكن الوصول بالامة ان تفكر كامة وتتحرك كامة واحدة؟ هل هناك خطاب يجمع هموم الامة ويوحدها؟ هل التركيز الحاصل حاليا على مفاهيم كالوطنية وحصر الخطاب بهموم الشعب داخل حدود الدولة القطرية يدعم مفهوم الامة؟
تعليق على 1%
فكرة 1% يجب ان لا تشتبك بما لا يمكن تحقيقه فهناك تصورات مثالية تتعلق بالصفوة والقرىن يخبرنا عن وجود كل الاصناف في معسكر الرسول ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ونحن نعلم ان من كان عند رسول الله قسمهم القرآن فهناك السابق بالخيرات وهناك المقتصد وهناك الظالم لنفسه ...والبشر هم البشر في كل عصر ومصر ففي الهند قد يوجد غاندي واحد مثلا لكن لن يوجد الف ... وفي جنوب افريقيا يوجد نلسون مانديلا واحد ولكن لن يوجد الف ...يجب ان نفكر بموضوعيه تعطي المشروع امكانية الوجود وان لا نغرق في تصورات خيره ولكنها علىارض الواقع تدخل في دائرة المحالات ومن علق آماله على محال عاد بالخيبة .
فالتطلع للكمالات مشروع وهو يضع هدفا للإنسان للتزكي المستمر ...يرفع همته ...ولكن لا يقطع رقبته بالمطالبة بالمحال ...كيف والله يعلم عن النفس الانسانية انها تصعد لسقف الملائكة وتهبط لمنزلة الحيوان والانسان بين نوازع متعددة .
فكرة الواحد بالمئة فكرة عمليه حدثت في كل الامم وبالتالي فهي من ممكنات الانسان وفي اي مجتمع مسما كان او كافرا ... وهي لا تنافي فكرة التزكي الاسلامية والمطالبة بالكمالات ولكنها تشذبها بحيث تصبح واقعية وعملية يراها الانسان في نفسه فيقول استطيع ان اكون من الطليعة ... تلك هي القصة.
مجموعة الـ1%
إن مجموعة الـ1% هذه يجب أن تكون نموذج معدل لنموذج الصحابة قبل 1400 سنة بمعنى آخر أن يعيشوا بالمبادئ الأساسية التي بها ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. فعلى مجموعة الـ1% أن تتورع وتزهد في الدنيا لباقي الـ99% . ويحضرني مثال غاندي عندما بدأ بغزل ملابسه وخياطتها لنفسه. إذا كانت النخب في بلادنا تقول ما لا تستطيع أن تفعله. مجموعة الـ1% حتى تكون فاعلة يجب أن تتكيف مع الدنيا وتحب بكل إخلاص الذهاب للآخرة للقاء ربها فرحة بما انجزت. وجود مثل هذه الصفوة قد بدأ بالظهور ولكن بصورته الأولية. لن يقوم أي مشروع حضاري بفوضى خلاقة بين أقطار المسلمين وتخابط مذاهبهم ومدارسهم. ما نحتاج إليه هي فئة لا تخاف لا تخاف لا تخاف لا تخاف لا تخاف لا تخاف إلا من خالقها وخوفها من خالقها يدفعها إلى نشر رسالته رحمة للعالمين وليس تخويفاً وترهيباً لهم. عندما تزهد فيما عند غيرك يأتك الله بخير منه. وآخر ما اقول أن الدعوات الصادقة الفاعلة هي التي تعمل بصمت وتأني حتى يشتد عودها فتخرج للعالم قلبها كظاهرها لا تحابي أحداً وتمنع نفسها قبل غيرها عن الظلم. قد يبدو كلامي شاعرياً رومانسياً لكن هذه سنة من سنن الكون كما أرى فعلها كل المجددون. مجموعة الـ1% لا ينبغي لها أن تسعى لأي مطلب دنيوي كسلطة قوة منصب مال فقط همها تبليغ الرسالة انه لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله وتتحرك حسب مصالح الناس وحقوقهم لا مصالحهم كمجموعة يحاسبون أنفسهم قبل ان يحاسبو غيرهم. هذه المجموعة (كفكرة) يمكن تطبيقها في مجالات الحياة وليست حكراً على السياسة أو القيادة مع أنهما الأهم والأكبر تأثيراً.هذه المجموعة يجب أن تكون من أحسن أبدع الناس في مجالاتهم أو هم نخبة النخب.
قد اصبت اخي الفاضل
قد اصبت اخي الفاضل صفات او مظاهر المعرفة العلمية الايمانية الراقية المطلوبة حاليا في1% المطلوبين للنهضة في كل مكان و اضيف انهم اشخاص يعيشون في زمننا هذا في زهد عصري ليس الزهد الظاهري الذي تناقله التراث انما زهد نموذج فكري لحياتهم لا يضطلع عليه الا العالم بالسر و اخفى من السرّ سيجتمعون حتما فكل المعطيات تتوجه الى فرضية اجتماعهم و يكون دورهم بداية بدرية سليمة.و اتفق معك ان اجتماعهم ايضا سنة كونية و سوف ينسحبو من الاضواء من ذواتهم بسنة كونية ايضا و يواصلو زهدهم المعاصر.تقبل مروري اخي الفاضل.
أضف تعليقاً