تراشق الأسئلة
تعلمت وأنا سائر في الشارع أو أتابع الأحداث أن أفك شفرات الرموز التي أمامي وأحولها إلى جمل استفهامية، فالمباني ليست أحجاراً ولكنها جُمل تحمل أسئلة شاهقة، والمتجولون في الشوارع ليسوا بشراً من لحم ودم، ولكنهم جمل متحركة مشبعة بالأسئلة. ربما يكون هذا من أسباب عدم اكتراثي كثيراً بعالم المادة وعشقي لعالم الأفكار.. حيث أنني أصهر المادة إلى فكرة، حتى أتمكن من فك شفرات ما أرى!!
فهذه الفتاة الفاتنة التي رأيتها بالأمس تسير في الشارع؛ رأيت فيها سؤالاً موجهاً إليّ مباشرة، "هل أعجبك شكلي؟"، ثم اكتشفت أنه ليس سؤالاً واحداً، فقد طرح مظهرها سؤالاً أعمق.. "ما هو الجمال في نظرك؟"، ثم اقتحمت الأسئلة عليّ خلوتي بدون إذن.. "هل تتزوج فتاة على نفس هيئتي؟"، ثم إذا بالسؤال يغوص في أعماق حياتي.."هل ترغب أصلاً في الزواج؟"، هذه الفتاة طرحت عليّ ألف سؤال وسؤال، لا أدعي أنها خصتني بتلك الأسئلة، كما لا أزعم أنها طرحت نفس الأسئلة على كل المارين، ربما احتفظت فقط بحقها في تلاوة السؤال الأول على الجميع!! لكنها خلقت حواراً طويلاً معي، ربما استمر نصف ساعة، رغم أنني لم أرها سوى بضع ثوان!! كنت سأستمر في ذلك الحوار معها، لولا أن أحدهم بدل ورقة الامتحان وفاجأني بأسئلة جديدة.
شخص أظنني أعرفه من قبل، تطرح هيئته القادمة من بعيد سؤالاً.. "هل تعرفني؟"، وسرعان ما أجدني أجيب على السؤال إما بالاقتراب منه وتفحص ملامحه، أو بطرح سؤال مباشر عليه.. "هل أنت فلان؟".
لاحظت أيضاً أن هناك أناساً لا أعبأ بهم في الشارع، تماماً مثلما أظن أن تلك الفتاة لم تنتبه أصلاً لوجودي في الشارع وسط مئات المارة، لكن هذا لا يعني أن من لا نعبأ بهم لا يطرحون علينا أسئلة، ربما يطرحونها بلغة لا نفهمها، أو نتجاهل إجابتها.. فتلك العجوز القابعة في زاوية تفترش الأرض وتبيع مناديل ورقية، قد أدعي أنني لم أتلق سؤالها.. لكن بقليل من الصدق مع النفس أجد السؤال قوياً مزلزلاً مشاعري.. "ألن تساعدني؟!"، وبقليل من الإنصات والعمق أجد السؤال المخيف في عينيها: "هل تعلم أن هناك ملايين مثلي؟".. اخترت الإجابة على السؤال الأول ربما لأنه الأسهل، فأخرجت المحفظة من جيبي.. لكن يبدو أن المحفظة تطرح أيضاً أسئلة، فقد وشت بي متسائلة.. "هل يمكن سرقة هذا الشخص بسهولة؟"، وبالفعل أجابها لص ماهر وانتزع المحفظة من يدي، تمكنت من رؤيته، فطرح عليّ جسده الهزيل سؤالاً مستفزاً: "هل تجرؤ على ملاحقتي؟"، فأجبته منقضاً عليه.
كنا نتبادل الأسئلة والأجوبة بشكل جنوني سريع، وأعتقد أنه يمكن النظر لأي صراع باعتباره تراشق أسئلة، فكل طرف يرمي خصمه بسؤال صعب ليرى كيف سيجيب عليه.
جرب وتصفح الجريدة.. لن تجد فيها حروفاً وصوراً كما يتبدى لك عند النظرة الأولى، ليس في الجريدة سوى علامات استفهام!! فهذه دولة تطلق قمراً صناعياً في تحد لخصومها، وهي في الحقيقة لم تطلق سوى سؤالاً جاء في صيغة "ماذا أنتم فاعلون؟".. الآن تتوقف سرعة إجابة السؤال على جاهزية الخصوم لمثل هذا النوع من الأسئلة، لكننا -إن آجلاُ أو عاجلاً-سنفتح الجريدة لنجد إجابة على السؤال.
أخذ الشارع يزدحم فجأة، يبدو أن الناس احتشدت لتعرب عن تقديرها لما فعلتُه مع اللص، بدأت الرؤية بالنسبة لي تضطرب، أتمنى أن أنظم الجميع مثل ما يحدث لطلاب المدارس قائلاً: ليتقدم القصير إلى الأمام وليرجع الطويل إلى الخلف، حتى أتمكن من الرؤية.. رؤية الأسئلة.. السؤال الطويل والقصير!!
خاب ظني في الجموع.. إنها تظاهرة إذن لمجموعة من الشباب، ينهالون بالسباب على فريق كرة القدم الذي يشجعونه، استولت الحيرة على أعينهم لتقذفني بسؤال.. "لقد فزنا المرة الماضية على نفس الفريق بنفس الخطة.. لماذا لم نفز هذه المرة؟!"
أخذت أفكر في الإجابة.. يا لروعة هذا الكون! فبقدر ما هو مشبع بالأسئلة إلا أن بين ثناياه تكمن الأجوبة، أدركت أن الحياة في إحدى مشاهدها البديعة تعكس ذلك الحوار المستمر بين السائل والمجيب، بين الإنسان والحيوان والنبات والجماد، حوار بلا ألقاب، كلنا نسأل وكلنا نجيب في ذات الوقت، حوار مستمر بين كل مكونات الكون.. تديره السماء.
فقد تلقنت الإجابة هذه المرة من "سوبر ماركت" مجاور، حيث رأيت من نافذته المبيدات الحشرية ومعاجين الأسنان، فالوسائل لا تنتصر فقط لكون طبيعتها تمكنها من جلب الانتصار، فالمبيد الحشري طبيعته تقول بأنه قاتل للحشرات، لكن الحشرات بعد فترة تتكيف معه، لذلك يجب تغييره واستخدام نوع آخر، واسأل البكتيريا التي تسبب التسوس الذي يجتاح أسنانك -رغم استخدامك لمعجون الأسنان باستمرار، تنبئك أنك سقطت في فخ الإعلانات، وظننت أن تثبيت المعجون سيضمن ثبات النتيجة.
البعض تغمره نوبة الفرح بعد اكتشاف وسيلة جديدة ناجحة، ويظن أنه بذلك عثر على طريق التفوق، وهذا صحيح إن كان يواجه خصماً غبياً كسولاً، لكنه إن كان أمام خصم ذكي فسيختلف الأمر. عليه أن يحسن فن طرح الأسئلة الجديدة المباغتة!!
إن استخدام وسيلة جديدة يعني رشق الخصم بسؤال جديد لم يتدرب بعد على إجابته، ومن ثم فاحتمال الخطأ في الإجابة سيزداد بحسب صعوبة السؤال، لكن إذا طُرح نفس السؤال مرة ثانية؛ فيُفترض في الخصم العاقل أن يكون قد تجهز لإجابته. يمكن أن تستمر في طرح نفس السؤال طالما أنك متأكد أن الخصم لم يجد إجابة بعد، مع الوعي بأنك فقدت عنصر المفاجأة.
هما عنصران إذن.. المفاجأة والجدة، فالمفاجأة تسبب تلعثم الخصم حتى ولو كان يعرف الإجابة، أما الوسيلة الجديدة فتتيح فرصة أكبر للخطأ في الإجابة. فإن اجتمع العنصران عظمت فرص النجاح.
لكن ليست العبرة بطرح سؤال جديد مفاجيء فحسب، فأحياناً ترتد الأسئلة على أصحابها بإجابة صاعقة مفحمة، كتلك الإجابة النووية التي أجابت بها أمريكا اليابان، لتندلع براكين وحمم علامات استفهام جديدة لن ينساها التاريخ. يجب أن يكون السؤال الجديد المفاجيء مدروساً، حينها يكون الأمل في لحظة النصر مشروعاً، وهي ليست لحظة طرح السؤال، بل لحظة الإجابة الخاطئة.
عادت الفاتنة مرة أخرى إلى الشارع.. يبدو أنها كانت تتسوق.. سمعت أحدهم يغازلها.. الموقف يتطور بإيقاع سريع جداً، فقد نزل رجل ضخم الجثة من سيارته ثائراً، يا إلهي.. إنه زوجها وكان ينتظرها، لا أظن أنني بحاجة إلى وصف ما أصاب ذلك المراهق.. لقد أجاب على سؤال الفاتنة الإجابة الخطأ، فكال له زوجها آلاف الأسئلة الدامية!!
ليته قرأ حكمة سان تسو الصيني وهو يؤصل لفن الحرب – وما الغزل عنها ببعيد: "تقع مسئولية حماية أنفسنا من الهزيمة على عاتقنا نحن، لكن فرصة هزيمة العدو يوفرها لنا العدو نفسه جراء خطأ يقع فيه".


التعليقات
فكر عميق فلسفي .. راقني
فكر عميق فلسفي ..
راقني للغاية ..
رشقني بالعديد من الأسئلة .. و بالكثير من الأجوبة ..
أعلم أنه لن يفارق فكري قريباً ..
حُييت أخي المفكر : وائل عادل ..
*
عمر شمس الدين
تلميذ نجيب أنت ..
فهمت الدرس و وعيت المغزى و وظفته بما يناسب أخلاقك و أهدافك ..
تحية إكبار و إعجاب ..
رائع
جزيت خيرا
توقفت مرات عديدة أثناء قراءة المقال
لأني شعرت بهذه الكلمات تكشفني على الملأ
إذن يحق لي طرح الأسئلة كما وجدت غيري يؤنسني فهو يطرح الأسئلة أيضا
شكراً لك على هذا الطرح الجميل
شكراً لك على هذا الطرح الجميل ...
إذا ... ما هي الاسئلة التي نطرحها نحن على من حولنا؟
و كيف نطرحها؟ و هل يمكن توظيفها؟
بتسليم أن هناك أسئلة قيادية، تقود أو توجه المجيب تجاه نسق معين من الإجابات كان السائل قد دسه في سؤاله ... نجد أننا يمكن أن نكون إجابات لكثير من الأسئلة التي يحتاجها الناس.
فمثلاً ... إذا أعنت مسن على عبور الشارع، أكون بذلك قد أجبت على:
سؤال المسن، هل يمكن أن تساعدني؟
سؤال مشاهد، هل لازال الخير موجود؟
سؤال مشاهد فضولي، هل سيجد من يساعده؟
سؤال مشاهد خجول، هل يمكن أن أفعل مثله؟
و غيرها من الأسئلة التي تجول معنا في ذات الشارع، و الخلاصة أننا يجب أن نكون إجابات متحركة بطرح الأسئلة القيادية التي تصب في الصالح العام
is this really a moment of
is this really a moment of victory , when people fail in answering my questions , or answering them wrong ???
so so great !!!
so so great !!!
رائع !!
رائع !!
أضف تعليقاً