الأفكار الميتة والأفكار المميتة وانتقامهما!!

في أخر فصول كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"لمالك بن نبي يعالج فيها بأسلوبه التحليلي الأفكار الميتة والأفكار المميتة، وانتقام الأفكار المخذولة ،حيث يبين كلا من الأفكار الميتة والمميتة، ومن أين جاءتا؟ وما هي تبعات هاتين الفكرتين في المجتمع الإسلامي؟

فيعرف الفكرة الميتة بأنها: “الفكرة التي بها خُذلت الأصول، فكرة انحرفت عن مثلها الأعلى، ولذا ليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصلية".

والفكرة المميتة- القاتلة-: “هي الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي”

إذن فالأفكار الميتة هي أفكار ذاتية داخلية فالمجتمع هو من يصنع الأفكار التي تقتله بنفسه، وهي أفكار ذات خطر كبير عليه،لأنها هي من جعلت الفكر الإسلامي فكرا قابلا للاستعمار[1]

وتغلغلت الأفكار الميتة في عمق المجتمع الإسلامي وأثرت في المجال الاجتماعي والسياسي.

بينما نجد أن الأفكار القاتلة أو المميتة أفكارا وافدة من الثقافة الغربية، هي في الأصل ميتة في محيطها لم تعد مستعملة،وهناك من آمن بها ،وهي من جلبت الاستعمار وجعلت من المسلم "تابعا".
ويبين لنا ابن نبي في ربط العلاقة بين الفكرتين أن "الفكرة الميتة تستدعي الفكرة المميتة" ويقول أن المشكلة التي يجب طرحها هي: لماذا تذهب النخبة المسلمة بالضبط للبحث هناك عن هذه العناصر؟ ويقصد بها البحث عن الأفكار المميتة القاتلة من الثقافة الغربية.

وإذ به يجيب عن السبب: إن ما يحدد خيار هذه النخبة في الواقع ليس مضمون الثقافة الغربية، بل مضمون الوعي في عالم ما بعد الموحدين الذي حدد"خيارا" لهذه النخبة بإرادة منها،أو بغير إرادة...العالم الثقافي الغربي ليس كله مميتا.."

يتبين لنا من كل هذا أن حامل الفكرة الميتة لا يستطيع أن يختار أفكارا حية فعالة من الثقافة الغربية، فالفكرة الميتة في المجتمع الإسلامي مرادفة للفكرة المميتة في العالم الغربي رغم أن هذا الأخير لا يملك الأفكار الميتة فقط التي تعتبر عنده نفايات تؤدي للتعفن.

وقد أعطانا مالك بن نبي نموذجا استفاد من أفكار الثقافة الغربية،وهي اليابان حيث أنها خرجت من حرب دمرت كل جوانب الحياة فيها،إلا أنها بدأت نهضتها وأصبحت دولة عظمى في كل المجالات  من خلال المحافظة على ثقافتها وتقاليدها وماضيها،وأخذت كل ما هو صالح وفعال وحي من الثقافة الغربية.

"أي أن المشكل لا يكمن في طبيعة العلاقة بالثقافة الغربية بل بالطبيعة الخاصة بعلاقتنا بها"كما قال ابن نبي

في هذه المرحلة نصل لصراع بين الأفكار الموضوعة: الميتة والمميتة في حين أن الأفكار المطبوعة لم تعد موجودة في الصورة.
ومن الطبيعي أن تكون للأفكار المقتولة نتيجة أو ردة فعل وتكمن ردة فعلها في الانتقام. حيث لا ينسجم السلوك مع فكرته المثالية فتنتقم الفكرة المخذولة لنفسها، وأكد ابن نبي أن المؤسسات التي لا تجد سندها في الأفكار محكوم عليها بالفناء، وينطبق هذا الحكم على كل مجالات الحياة التي تتضافر فيها الأفكار الموروثة الميتة والأفكار القاتلة الوافدة لتنتقم كما ينتقم جسر سيء البناء بالانهيار على بنائه.

ويقول بن نبي:"الأفكار الموضوعة تختلف عن الأفكار المطبوعة التي كانت في القوالب الأصلية، وهذا الاختلاف أو هذا الغدر يدوي في كل نشاطنا، ويعرض هذا النشاط للانتقام من طرف الأفكار الأصلية انتقاماً يكون أحياناً غاية في العنف على الصعيد السياسي عندما تنتقم الأفكار المخذولة. وقد يكون من الأيسر تصور هذا الانتقام في المجال التقني عندما تصمم خطأً إحدى الماكينات وتنفجر أو أحد الجسور فينهار لأن الانتقام في هذه الحالة يكون فورياً. ولكن المجتمعات والحضارات والممالك قد تنهار هي أيضاً بنفس الطريقة، وليست كوارث التاريخ في غالب الأحيان إلا آثاراً مباشرة لنوع من انتقام الأفكار المخذولة".

تحميل كتاب مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي

-------------------------------------------

اقرأ أيضا:

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(1)

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(2)

المجتمع والأفكار (مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي 3)

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي (4)

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي (5)


[1] قابلية الاستعمار هو مفهوم طرحه المفكر مالك بن نبي في كتابه"شروط النهضة, والمجتمع قابل للاستعمار لأن لديه القابلية، والاحتلال تأكيد للقابلية وعدمها المثال عليها هو الجزائر مع المحتل الفرنسي والهند مع المحتل الإنجليزي، الجزائر تخسر مليون ونصف المليون شهيد في حرب الاستقلال،بينما تخضع الهند ويستغل المحتل ثرواتها لفترة طويلة قبل أن تنال استقلالها.

 

التعليقات

موضوع فلسفى يفتح أفاق الادراك

موضوع فلسفى يفتح أفاق الادراك على ما يحدث حولنا بارك الله فيك

فكر بنبي

فكر بنبي ينطلق من نظرة مادية للحضارة و هو امتداد لفكر الحضارة المادية مفيذ للفرد المسلم يقوي التكامل الفكري له.
وهو ينظر الى الحضارة بمنزار يجعل الفرد هو الذي يحدد مساره و ان كان يعترف بوجود سنة كونية لكنه يمحور تفكيره حول السنة الكونية الطبيعية فقط و يلغي تقريبا في الثنايا التحليل سيطرة السنة الكونية و يحول تفاعل الانسان الفكري المادي الى نوع من سيطرة على المصير و تحكم فيه الا انه شبهة التحكم و السيطرة و النسان حتى في اقصى تفاعله الايجابي لا يخرج عن سيطرة السنة الكونية التي تداعبه بدرجة من الدقة تحاكي الصدفة و دليلها شعوره بالسيطرة لحيظات ثم يفيق على وقع اسئلة تقول انك لم تسيطر على شيئ و بدافع للجدلية المادية يعود كرة تلوى الكرة بما تتيح السنة الكونية للتقنية المادية الجدلية و التجريبية العقلية حتى تستهلك كلها .
ان مجتمع الاسلام له بناء خاص تشبه طبيعة القراءن فهو انطلق من النهاية و لهذا نجد الفرد المسلم مختلف في تاثير السنة الكونية عليه و التي تجبره الى الرجوع الى البداية ليصل الى ان يؤدي دوره كناقل للحقيقة الحضارية الكاملة المطلقة و هذا الرجوع الى الوراء يتيح له التقاطع مع الحضارة الغربية المادية ليحقق الالتاءام الحضاري و لا يكون بداية ذالك الا بمؤسسة قوية او لها ادنى مستويات التناسب للفعل المسيطر حضاريا لا سلطويا هنا.
اذن النظرة الى النهضة الحضارية للمجتمع المسلم نظرة مختلفة عن غيره و النظرة مهمة لانها تتيح التموقع ومنه تحدد الفعل و اتجاهاته و ياتي بعد النظرة التموقعية خطة العمل التطبيقية و اتجاهها الذي يحدد وسائلها و تقنياتها الى ان تصل كواقع معيشي لكل فرد
و لذالك هناك فكر واحد يتيح الانطلاق في نهضات متعددت نهضة فردية و سلطوية قطريى و حضارية
النهضة السلطوية القطرية:
شروطها :
من الكتاب و السنة الدعم السلطوي.اي العمل على دعم السلطة بدعم الثقافة السلطوية لكل قطر قائم :
ان من العبث تجاهل سنة كونية اقامت قوة سلطوية قطرية لم تكن لتنتج الا من ثقافة سلطوية قطرية اي من العبث الاعتقاد ان جماعة اشخاص فرضت سلطة ما من ذاتها او من ذوات خارجة عنها انما هي نتاج ثقافة سلطوية لجمهور القطر فلا و لم يوجد قطر حكم بغير اهله و استمر و هذه قراءة فقط للسنة الكونية.و ما شخص السلطة النهائي الا تفاعل عناص تاثير خا جية و الجدارة السلطوية للجماعة السلطوية و لكن في الاخير النظام السلطوي هو نتاج تحقيقه لاذنى عناصر الثقافة السلطوية للكتلة القطرية و ما النداءات الجمعوية و السياسية للنظام السلطوي الديمقراطي الا تقصير في النظرة التموقعية و عدم ادراك حقيقة الذات الجماعية الحضارية الشاملة و عدم ادراك التعامل معها .فهذه النظرة التموقعية تحرر الفقه و بخاصة فقه المستقبل لتوجهه الى حقيقة و جوده و رسالته و تريحه من عبئ فساد او غياب النظرة التموقعية.و تدفع بالفرد القطري الى ادراك ثقافته السلطوية و تطويرها بالاستعانة بالعناصر الاصلية و الاصيلة للجماعة الحضارية الشاملة و التفاعل معها في اطار ثقافته السلطوية و تحقيق تكامل سلطوي شعبي قطري متعدد في اطار وحدة الجماعة الحضارية الشاملة ومنه.
يتحول الفرد القطري الى بدفع ثقافته السلطوية الى دفع لشخص السلطة للعمل و فق تقنيات حديثة مقتبسة بما يحقق النهضة المادية نحو فكرة قطرية واضحة و فكرة حضارية موحدة.و يسهل انتشار و قبول مشروع النهضة سلطويا و من هنا نستطيع ان نتقدم بخطى واسعة من خلا اقتباس الحلول التقنية الحديثة سواء في التنمية المحلية الصناعية و الاقتصادية و نستغل طاقاتنا البشرية با ستعمال البرامج الاقتصادية الخ...و اما العامل الخارجي المؤثر او الضاغط على السلطوية القطرية فسيتضاءل لانه يخضع لقوانين ستلغي تاثيره او معاداته .لانه سيجد نفسه امام كيلن قطري حقيقي يرفض القابلية للضغط منطقياً.و يبقى باقي اتجاهات النهضة و التي اعد لها تفصيل تطبيقي تعرض لاحقا في صورة كاملة باذن الله عز و جل في علاه.
هذا جزء مما احضر للاثراء به ارجو ان يحقق الاثراء

يخرج الحي من الميت و المميت

يخرج الحي من الميت و المميت:ان فكر بن نبي هذا يسهل لنا اخراج الفكرة الحية من الفكر المميت و ان لي بعض الاثراءات حول المفهوم الحي الذي نخرجه من المفاهيم الميت و لضيق الوقت ارجو ان اثري فيه في وقت قريب تقبل مروري

وفاءً بالوعد هذا ملخص مركز للاثراء ارجو ان يكون موفقاً
اولا: ان الفكرة اذا فقدت شيئ من عناصرها فقدت و جودها في التعبير عن شيئ ما و تحولت للتعبير عن شيئ اخر .
ثانياً: ان الفكرة اما ان تواجهها فكرة اقوى منها فتقضي عليها و اما ان لا توجد فكرة اقوى منها و لكن تفقد احد عناصر مصدر قوتها كانقطاع حبل الوريد مع جذور عصارة الثقافة الاصلية و الفقد هنا مبني للمجهول و المجهول هنا مجموعة من السنن الكونية الضرورية.اي ان الفكرة الميتة هي فكرة تنتج من جراء فقد الفكرة الاصلية لاحد عناصرها فتنبع فكرة اقل قوة و تسود و لكنها تحمل موت محقق لذاتها
و منه فان الفكرة الميتة الضعيفة في درجة قوتها تتحول الى فكرة مميتة في المرحلة التي تسود فيها دون ادراك لذاتها الميتة و تريد ان تسود اكثر و تصر على الاستمرار فهي المميتة لكل امل او فكر من خلال طبيعتها الميتة الضعيفة , في عودة الفكرة الاصلية بعناصرها الاصيلة.
اذن كيف يتم اخراج الميت من الحي.ببساطة ان بن نبي يوجه الى ضرورة ربط افكار النهضة الثابثة في زمكانية ما مع الجذور الاصلية و الاصيلة. و لكن يلاحظ ما يلي:
ان السنة الكونية هي التي سمحت لفكرة ضعيفة ان تسود على فكرة قوية و لكن نفس السنة تجعل لهذا السواد اجل مسمى لان الفكرة الضعيفة تحمل موتها فيها و موتها هو عودة طبيعية بسنة كونية مؤكدة للفكرة الاصلية الاصيلة بعد اكتمال عناصرها التي فقدت احداها.
ان الفكرة الاصيلة فكرة متقدمة و مميزة و قوية و لهذا فانها تعيش ابداً و تفرض نفسها في كل فكر و فكرة.
ان السنة الكونية انما تريد ان تدرك الفكرة القوية بمستوى ادراكي عالي من خلا ل ترك سيادة فكرة اضعف من الفكرة الاصلية.
و ان بن نبي يعرض نماذج افكار ميتة و لكن يجمع بين شقي الحضارة المادي و الروحي ....اختصارا
انما الفكرة الميتة و جدت لتحيا منها الفكرة القوية الحية و التي لم تمت انما فقدت السواد فقط ومن الفكرة الميتة تولد الفكرة مع الادراك المعاصر لها انياً.
و يساعدنا في هذا الفهم التفرقة بين درجات قوة كل فكرة , فالفكرة الميتة التي تتحول الى مميتة باضافة عنصر السواد لها ,ما نلمس منها انها اقل درجة و اضعف اي اقل شمولا و نبلا وعمقاً اما الفكرة الاصلية الاصيلة فهي اقوى شمولا و عمقاً وهذا قانون يمكن تطبيقه على الحضارة في شقها المادي الصرف او الروحي الصرف او المتكامل
وهذا التقسيم يسمح لنا بدرجة عالية من الدقة حيث يتيح التنقل بين الثقافات البشرية بسهولة.
اما مثال اليابان فان اليابان و ان دمر فانه لم يحدث قطع لحبل الوريد مع جذوره ذاتيا.انما اليابان يدرك بوعي كل عناصر فكرة وجوده الاصلية و هي تعمل كالة او كفريق رياضة تعرف الهدف و طريقة تحقيقه التجريبية و التدمير كان ظاهري و خارجي و لم يكن تدمير ذاتي لاشعوري عميق.
اذن السنة الكونية تخرج الحي من الميت عندما تتحقق لنا درجة الادراك المطلوبة لفكرة وجودنا الاصلية بعناصرها الاصيلة.
عذرا للاطالة وقد اجتهدت للاختصار.

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.