التفكير النقدي(الحلقة 10)
إن النقد في جوهره هو مجموعة من العمليات الذهنية التي تستهدف تقييم بعض الحقائق و المعلومات و الأفكار و الظواهر... و تمييز ما فيها من خير و حق و صواب و جمال عما فيها من باطل و خطأ و قبح .
الذي يمارس النقد يدرك أنه يعبر عن فهم مقارب لما ينبغي أن تكون عليه الأشياء و فهم مقارب لما هي عليه الآن ، و عمله الأساسي هو توضيح ذلك الفارق و تشريحه و بيان خطورته.
أهمية الممارسة النقدية :
نحن نعرف أن القرآن الكريم عاتب النبي – صلى الله عليه وسلم – شخصيا على بعض اجتهاداته ، كما هو الشأن في قبول فداء الأسرى و الإعراض عن عبد الله بن أم مكتوم و غير ذلك...
أهمية الممارسة النقدية بالنسبة إلى المفكر و الساعين في طريقه :
1- الرؤية النقدية للمجتمع وأوضاعه بما فيها من إيجابيات و سلبيات ، هي الشيء الجوهري الذي يميز (المفكر) عن (العالم) و(الداعية) و(المتخصص) لأن صناعة المفاهيم التي يصنعها تتمحور على نحو أساسي حول الواقع الاجتماعي و حول إمكانية تطويره والارتقاء به.
2- المفكر يقوم بدور (الجراح) و هو في هذا بحاجة إلى أمر مهم ، هو برهنته على أنه يملك مساحة فاصلة بين وعيه ووعي مجتمعه ، أي أن وعيه ليس مندمجا قي الوعي الجمعي ، وبسبب ذلك يستطيع المفكر تقويم المجتمع و نقده و قيادته فكريا و ثقافيا ؛
إن أوضاعهم تكون فعلا أشبه بالجرح الذي التأم على فساد ، وهم يستخدمون في ذلك المجاملة و المداهنة و المداراة و العاطف الاجتماعي ... هنا يأتي دور المفكر (الجراح) لينكأ الجرح ، و يخلصه من الجراثيم المتجمعة فيه ، والتي قد تكون في مرحلة من المراحل خطرة جدا و قاتلة.
3- تحتاج الأمم دائما إلى من يفحص لها مساراتها ، و يتحسس مآلات أعمالها ، ومن يمد لها قرون الاستشعار في جوف المستقبل حتى تضبط إيقاع حركتها اليومية برؤيتها المستقبلية ، وهذه المهمة العظيمة من المهام الجوهرية للمفكر ، بل إن المفكر يكاد يكون هو المؤهل الوحيد للقيام بذلك.
وقد قال سفيان الثوري – رحمه الله- :(( الفتنة حين تدبر يعرفها كل الناس ، لكن حين تقبل ، فإنه لا يعرفها إلا العالم )).
إن المجتمعات كثيرا ما تجد نفسها في حمأة الرتابة و الجمود على الموروث ، و كثيرا ما تجد نفسها غارقة في تقليد الآخرين ، وتجد نفسها أيضا مستكينة أمام التحديات ومستسلمة للمشكلات و الأزمات ، وهنا يأتي دور النقد الاجتماعي البناء ودور المفكرين العظام الذين يجددون المفاهيم وينقدون السلوكيات.
النقد هو الرئة التي تتنفس بها الأمة ، وهو المصباح الذي يضيء لها الطريق ، وهو لا يؤذي إلا الحالات المريضة ، و لا يتضايق منه إلا من لديهم نوع من الاعوجاج و التفريط.

التعليقات
نقد الذات
هل بإمكان المفكر ممارسة النقد على نفسه بالمفهوم ذاته أي يقوم بإجراء عملية جراحية على نفسه دون أن يتسبب بموته أم يجب عن جراح آخر؟
أضف تعليقاً