مستقبل المراكز العاقلة

تعد مراكز الدراسات والأبحاث بمثابة  العقول في أجساد الأمم والشعوب فمن خلالها  ُتدرك الأمم ذاتها وتعلم دورها وتتطلع إلي مستقبلها، وغالباً مايرتبط مصير الأمم  بمدى تعظيمها لدور العلم والعلماء والإستفادة من محصولهم المعرفي ،والمراقب لدورة الحضارة وتعاقب الأمم يدرك مدى ارتباط تقدم الأمم والشعوب بمؤشر تقديس العلم والإصغاء له، وحسن التعاطي مع عصارة فكر العلماء والباحثين إبتداءً من صياغة المشاريع الوطنية الكبرى ووصولاً إلي مراحل التنفيذ في دنيا الناس.

والساحة العربية والإسلامية تدخل في منظمومة التدافع الحضاري بصدر شبه عاري فى  مجال إمتلاك مراكز بحثية عالية الكفاءة تغطي مجمل مجالات العلوم التطبيقية والإنسانية، فالمراكز البحثية الوازنة في الساحة العربية تكاد تكون معدودة علي أصابع اليد ،علي الرغم من قسوة التحديات الداخلية وضغط الهيمنة الخارجية التي تتعرض لها الأمة العربية،فالعديد من هذه التحديات لانجد لها صداً معرفياً منظماً يكسبها لغةً ُتمكن النخب والحساسية العامة-الرأي العام- من التعاطي الفعال معها.

ولكن لماذا تعاني الأمة من شح في مراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية ؟؟

يرجع ذلك لعده عوامل كبري  من أبرزها عزوف السلطات التنفيذية عن ثقافة البحث العلمي ودعم العلماء ويتجلي ذلك في فشل العديد من المشاريع الوطنية في مجالات التعليم والتنمية لإهمالها الجانب العلمي وعدم استشارة العلماء البارزين في هذه المجالات قبل البدء في التخطيط لهذه المشاريع وأحسب أن هذا العامل يدركه كل مثقف عربي.

  فلماذا إذاً لا يدعم المجتمع عبر رجال المال والأعمال إنشاء مراكز بحثية ترفد المجتمع بالدراسات ومؤشرات القياس بعيداً عن التعقيد الحكومي؟؟  ولماذا لا تشجع الحركات والأحزاب والمنظمات عناصرها علي ثقافة البحث العلمي وعمل الدراسات وإنتاج الأبحاث والتنبؤ بالمتغيرات؟؟ علي الرغم من أن هذه الحركات لاينقصها المال ولا الكفاءات الأكاديمية المتخصصة في العديد من العلوم المعاصرة .

يرجع ذلك إلي عوامل شتي سنتناول منها ما يخص المراكز البحثية:

  أولاً: العديد من المراكز البحثية القائمة لا تمتلك بوصلة علمية محددة مضبوطة علي فرع معرفي محدد، أو معالجة قضية سيولوجية بعينها تتعلق بالواقع المعاش وخاصة نحن في زمن طابعة التخصص والناجحون فيه هم الذين يعرفون ويحددون اللوحة التي سوف يصوبون عليها سهامهم

  ثانياً: توقف إنتاج العديد من المراكز البحثية العربية عند عتبة الندوات والمطبوعات وعدم تواصلها  الحي مع الميدان من خلال الرصد والتنبؤ والتدريب ،فالعديد من قضايا المنطقة الساخنة لا تتدخل فيها مراكزنا البحثية بشيء يذكر، في حين أن مراكز الأبحاث الغربية تتغذي علي قضايانا رصداً ودراسة وتدريباً .

ثالثاً: الكثير من مراكزنا البحثية تخضع لما يعرف بخداع الأيديولوجيا الكثيفة والتي تجعل عملها البحثي مصبوغ بتوجه  محدد سلفاً تُفسر من خلاله الأحداث والوقائع مما ُيؤثر علي فلسفة العمل البحثي ويخرجه عن جادة الموضوعية والحيادية فتتحول وظيفة المركز من مساحة إبداع الحلول واستشراف المستقبل إلي منصة لترويج أيديولوجيا محددة.

رابعاً: ارتباط بعض المراكز العربية بأجندات سياسية وثقافية لقوي خارجية مهيمنة علي المنطقة العربية شغب علي الصورة الذهنية لدور وأهمية مراكز الأبحاث في عقل الرأي العام العامي والمثقف .

فمن خلال تلك النقاط الأربعة السابقة حدثت فجوة ثقافية ونفسية بين فكرة مراكز البحثية ودورها وبين جمهور الداعمين المتوقع لها في المجتمع، ولكن أيضاً جوانب القصور والخلل في جانب رجال الأعمال والأثرياء العرب أعاقت هي الأخرى التواصل الفعال بين أولي الأيدي(أصحاب الأموال( وأولي الأبصار(العلماء)  وهذا ما سنتاوله في المقال القادم .

التعليقات

هل تنطلق سيارة بسرعة 320 كم/ساعة دون أن نمتلك الوقود لاستخدامها؟

شكرا أستاذ ياسر على هذه الإشارة للمراكز البحثية التي باتت عنصرا رئيسا في صناعة القرار في الكثير من الصناعات العلمية، والعملية السياسية والعسكرية ،وحتى الاقتصادية لدى الدول المتحضرة. لكن، ألا ترى أن جزءا رئيسا من المشكلة لدينا هو غياب الوعي لدى الجماهير بكافة شرائحها "المتعلمة -المثقفة - أصحاب الأموال..الخ" بأهمية هذه المراكز؟! فتخيل معي أننا أحضرنا جهاز حاسب ووضعناه في قرية في أقاصي أفريقيا لا تملك حتى الماء فضلا عن الكهرباء ..فمافائدة ذلك الحاسب؟أو مافائدة أن يمتلك الإنسان سيارة تنطلق بسرعة 320 كم/ساعة دون أن يمتلك الوقود لاستخدامها؟
نعم نحن بحاجة لمراكز بحثية..لكن لابد لنا أيضا من علاج لقضية الوعي لدى أولي الأيدي والأبصار كي يتقبلوا تلك المراكز ونصبح في مصاف الدول المتحضرة.

بانتظار مقالك القادم..

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.