عالم أفكارنا المعاصر (4)
سوف نستعرض في المقال الرابع والأخير ما تبقى من سلسلة عالم أفكارنا المعاصر آخر أربعة أنماط من أنماط الأفكار القاتلة
النمط الحادي عشر: التحفز للرد على الفكرة وعدم الاستعداد للإنصات الجاد لها وتقييمها
بعض الناس عندما يسمع أي فكرة أو تصور لا يرهق عقله في التعرف على دقائقها وعلى جوانب الفائدة فيها أو إمكانية تطويرها والبناء عليها، وإنما يصبح همه وشغله الشاغل أن ينقد هذه الفكرة بفكرة أخرى مضادة، فيبدأ بالبحث عن العيوب في الفكرة التي أمامه دون أن ينتبه للجانب الإيجابي فيها.
ما الذي يضير العاملين والقادة لو قلبوا الأفكار المعروضة عليهم ذات اليمين وذات الشمال؟ فما كان فيها من خير يتم التركيز عليه وتنميته، وما كان فيها من خطأ تتم مراجعته وتصويبه أو إسقاطه وإلغاؤه.
الثاني عشر: الاعتقاد بمعرفة القيادات لكل شيء و المبالغة في تقدير قدراتهم
ومن الأخطار التي تحدق بالفكر الإسلامي في هذه المرحلة الاعتقاد بأن القيادات والمفكرين يعرفون كل شيء، وما على الأفراد إلا الاتباع. هذا التواكل الذي يتربى عليه الأفراد يجفف منابع الأفكار، ليكتشف المرء بعد مرور السنين أن اعتقاده بمعرفة القادة وقدراتهم ليس في محله، فيكون قد عطل عقله وضيع أوقاته ولم يُفِد الإسلامَ من قدراته وملكاته.
إن تعليق النظر والعقل على شخص لا نعلم – على وجه اليقين – نصيبه من العلم وقدراته وملكاته أمر في غاية الخطورة. ويؤدي إلى تجفيف منابع التفكير في قطاعات وشرائح كبيرة، لو أعملت عقولـها لربما أنتجـت
خيراً من قياداتها وممن ينظرون في أحوالها.
يجب تربية الأفراد على أنهم ليسو كماً مهملاً، وأن قياداتهم لا يشترط أن تحيط علماً بكل شيء، وأن هذه القيادات تحتاج إلى آراء وأفكار العاملين، وأن قرارات وأفكار وتصورات القادة تحتاج إلى مزيـد من التفكير والنظر، وأن كل فكرة تطرح إما أن تبين جانباً من القصور أو تبين طريقاً خطأً يمكن إسقاطه بعد مناقشته، أو طريقاً للبناء يمكن استثماره. ولا ينظر للشخص بمكانته.
وليس هذا في حالة عدم التأكد من خبرة وعلم القائد فقط، بل حتى إن وجدت الثقة والتقدير للقيادة فهذا لا يعني إلغاء دور التفكير والبحث عن سبل العمل المنتجة، فهذا المصطفى يتقدم له الحباب بن المنذر ليوضح له أن الموقع الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية غزوة بدر معسكراً للمسلمين لا يصلح، فينزل القائد على رأي صاحبه، وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه يشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد بفكرة الخندق فيمضيها القائد ويأمر بالتخندق. كل هذه المعطيات تدل على أن هذه الكتلة البشرية كانت تفكر وتنظر، ولا تُسلٍّم - حتى مع وجود المصطفى - بأن القيادة تملك حلول كل المشاكل، وأن بيدها مفاتيح كل شيء، وأن المستوى القيادي يعلم كل شيء، فتتعطل بذلك العقول، وتضيع الطاقات، التي هي ثروة هذه الأمة. وهذه هي غزوة الأحزاب لا تحسم لصالح المسلمين إلا بتدخل شخصية لم تسلم إلا في أجواء الغزوة، نعيم بن مسعود الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم - بعد أن أسلم – ويطلب من النبي أن يساهم معهم فلا يطلب النبي منه سوى أن يخذل عن المسلمين، وبالفعل يأتي بفكرة إبداعية – ليست من إبداع الرسول القائد – وتحسم المعركة لصالح المسلمين. لم يكن التفكير حكراً على أبي بكر وعمر وصفوة الصحابة، إنه منهج تربوي نبوي في منتهى الرقي لفن التعامل وإدارة الصراع.
وهذا سيدنا موسى يأخذ الأمر من الله عز وجل- الذي يعلم السر وأخفى – بالذهاب إلى فرعون، فيفكر ويقترح "رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون"[1]. لقد سجل الله لنا هذا الموقف حتى لا تقدس القيادات وإن كانت على أعلى مستوى، لأن التفكير عبادة وحق لكل مسلم، فكيف بسيدنا موسى يقترح في خطة العمل وهو يتعامل مع رب العالمين؟؟!!
الثالث عشر: عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء
ومن أشد ما تعاني منه عقولنا عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء، وذلك استناداً إلى أن الإنسان عليه بذل الجهد وليس عليه إدراك النتائـج. والخلط بين قدريـة النتـائج وحدوثهـا بقـدر الله ومشيئته وقتما يشاء وبين المراجعة والنظر في الخطة والتصور ومجال الأخطاء خطأ فادح لا يغتفر. فالله تبارك وتعالى أجاب المسلمين لما تعجبوا من هزيمتهم في غزوة أحد بقوله: "أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.."[2]، أي راجعوا سلسلة القرارات والأعمال التي قمتم بها وستدركون مواضع الخلل والقصور. هذا البحث المستمر عن التحسـين والتجويـد والتطويـر تقوم به كل المجتمعـات. أما في مجتمعاتنـا -
فلسبب أو لآخر - يعتبر النظر إلى الماضي والنظر في أخطائه سبةً أو فتحاً لأبواب الفتنة والخلاف والنزاع والشقاق، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، وهكذا تكرر نفس الأخطاء وتسيل الدماء وتدفع المجتمعات والقوى الحية ثمن أخطائها مرة ومرتين وثلاث مرات، دون أن يتنبه أحد إلى بساطة الحل، وإلى أن الثمن المدفوع في هذا الخطأ هو مقابل الحصول على فرصة في
المستقبل. قد يستغرب القارئ هذا القول، ولكن استمع إلى إجابة توماس أديسون عندما سأله أحد الصحفيين عن حقيقة الإشاعة القائلة بأنه أجرى ألف تجربة فاشلة، فكان رده: "لقد عرفت ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح". فهو لم يحاول إخفاء تجاربه الفاشلة؛ بل اعتبرها نجاحاً مهد له الطريق نحو المستقبل. ويقول روبرت شولر: "أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل"[3]، أما تيس روز فيقول: "إن أي اعتذار لا يصاحبه تغيير يعتبر إهانة"[4]، بينما يقول ونستون تشرشل: "لا يكفي أن نقوم بعمل ما نستطيع، بل علينا أن نقوم بعمل ما هو مطلوب"[5]. وفي المؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية توجد ملفات كاملة للأخطاء والتجارب الفاشلة التي مرت بها، بحيث يتم الاستفادة منها.
الرابع عشر: تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها
ومما يؤدي إلى التخلف التسطيح الشديد للأمور أو المبالغة والتهويل فيها. فبعض المسلمين لديه حلول جاهزة وبسيطة لكل المشاكل. وقسم آخر يهول من الأمور ويضخمها بحيث يتعذر معها فعل شيء، ودائماً ما يكون حديثه عاطفياً ارتجالياً، ويشير من حين لآخر إلى القائد المنقذ الذي سيحرر العالم. وكلا الصنفين يؤدي إلى قتل الإبداع والمبادرة بالأفكار الجديدة.
إننا أمام منظومة فكرية في ساحة النهضة في المجتمعات الإسلامية تحتاج في بعض أجزائها إلى تغيير شامل. وكثير من المؤسسات الخيرة العاملة في الساحـة الإسلاميـة من الأحزاب والجماعـات والمؤسسات الحكومية وغيرها تقوم - من حيث لا تدري أو من حيث تدري - بتكريس هذه الظواهر وتربية النشء والعاملين عليها. فهي من جانب تتحدث عن النهضة، ومن جانب آخر تربي على كل ما يؤدي إلى وقف تيار النهضة. إن عملية البحث عن الفكرة النيرة وقدح العقول في المجتمعات الإسلامية وتغيير أنماط التفكير التي سبق ذكر بعضها هنا هي مقدمة ضرورية لانطلاقة النهضة الإسلامية.

[1] سورة القصص: 34
[2] سورة آل عمران: 165
[3] داني كوكس. القيادة في الأزمات. بيت الأفكار الدولية
[4] نفس المرجع السابق
[5] نفس المرجع السابق
---------------------------
اقرأ أيضا:





التعليقات
أضف تعليقاً