مقابرنا الجميلة
قطع بعض السياح الأجانب الهدوء الضارب علي أطراف مدينتنا عبر ترجلهم ونصب كاميراتهم لالتقاط العديد من الصور لمقابر المدنية من زوايا مختلفة
وتجمع العديد من الأهالي متسائلين لماذا يحرص هؤلاء القوم علي تصوير مقابرنا دون باقي أجزاء المدنية التي مروا بها !!
وأنا كذلك رجل من قومي شغلني هذا السؤال فقلبت فيه النظر طويلاً فقلت ربما لأن النمط المعماري للمقابر يجمع بين نمط المدافن الفرعونية والمسيحية والإسلامية فربما يكُمن هنا سر جاذبية المكان للعين الغربية !!
فقال لي صديقي لست مقابرنا الجديدة بنفس إبداع وجمال مقابر الفراعنة القدامى وبالتالي لا أظن أن هذا هو السبب الذي جذب السياح لتصوير مقابر حديثة يدخل في بناءها أدوات المدنية الحديثة.
فربما يكون هناك سبب أخر جذبهم، فقلت له هات ما عندك فقال ألا تتفق معي في أن جمالية مكان المقابر متقدمة بمراحل علي جمالية أي مكان أخر في المدنية؟ فالمقابر في صفوف متراصة ومعظمها بألوان زاهية وكل مقبرة أمامها شجرة غناء،وعلي مداخلها تنادي عليك مبردات المياه العذبة بالماء المثلج،والأهالي يلتزمون الصمت عند زيارتها فلا ضجيج فيها ولا صخب، وكل عائلة تتنافس في جعل مرقدها الخاص ُمحاط بالعناية والرعاية، وإضافة لكل ذلك هناك عم أحمد وعائلته الساهرة آناء الليل وأطراف النهار علي حراستها ورعايتها فقلت لصديقي ربما يكون كل ما تقدم شكل مشهدا جاذبا للضيوف الأجانب.
رحل الأجانب برحالهم وصورهم وبقي عقلي مشدوها، تُري لماذا تبدو مقابرنا ومقابر كل المدن المجاورة لنا أفضل حالا من شوارعنا وبيوتنا ومصالحنا ؟؟ أليس يقولون أن الحي أبقي من الميت ، فلماذا لا تتساوي نظافة الشوارع بنظافة الطرق التي بين المقابر؟ ولماذا لا تتزين شوارعنا بالأشجار مثل المدافن؟؟ ولماذا لا يوجد من يسهر علي رعاية المدنية بعزيمة وحرص مثل عم أحمد حارس المقابر ؟؟.
وبعد جولة جغرافية وتاريخية حول مدينتي من حيث المؤثرات الثقافية والاجتماعية التي تتعرض لها وتؤثر في سلوك سكانها وجدت أن الخطاب الديني هو البطل في صنع هذا المشهد الجمالي في مناطق المقابر فعبر خطب الجمعة وسرادقات العزاء وغيرها من المناسبات الدينية يركز الخطباء علي الدار الآخرة وكل ما يتعلق بها بدءاً من الموت ووصولاً إلي قيام الساعة مشددين علي حسن التواصل مع الأحباء الذين انتقلوا إلي دار الحق ووجوب زياراتهم في مقابرهم وحسن التأدب في زيارتهم فلا ضجيج ولا صخب، ويحرص الخطباء علي ذكر طائفة من الآثار في ثواب من يزرع شجرة علي مقبرة الخ من المواعظ التي تتناول هذا الجانب الذي ُيلامس شغاف القلوب، فمن منا لم ُيفقد حبيباً ويود أن يبره ويحسن إليه.
فعبر هذا الخطاب العاطفي الجياش تشكل عالم الأفكار عند أهالي المدنية بأن على جمالية المقابر وزراعتها بالأشجار وتوفير الماء العذب للزائرين لها هو دليل صدق محبتهم للراحلين عنهم وأحد طرق القرب إلي الله.
في نهاية المطاف نجح الخطاب الديني في رسم هذا المشهد الجمالي في عالم المقابر فهل من الممكن للخطاب الديني أن يُشكل نجاحا ممثلاً في عالم الأشهاد ويُقدم خطاباً حضاريا يلامس الرأي العام فيتجلى ذلك في نظافة مدننا وجمال شوارعنا فتخلو من الضجيج وتنبت فيها الأشجار ونأمن فيها علي أولادنا وأنفسنا ؟؟؟

التعليقات
لفتة رائعة لهذا المشهد
لفتة رائعة لهذا المشهد ..والذي يدل عن انفصام في فكر الإنسان المسلم وقطيعته عن الدنيا...رغم أن الإسلام دين يبني الدنيا والآخرة..
وشكراً لهذا الطرح الشيق
حقا...قد تحول الخطاب الديني
حقا...قد تحول الخطاب الديني عن اولوياتنا فغاب عنه المهم الى الاقل اهمية ...دون توازن في الصورة بل تشوه في كثير من زواياها ...
صورة جميلة تجسد هذا العجز في الخطاب ...
شكرا لك
أضف تعليقاً