عالم أفكارنا المعاصر (3)

استعرضنا في الجزء الثاني من سلسلة عالم أفكارنا المعاصر أربعة أنماط من  أنماط الأفكار القاتلة، وتحدثنا بشكل تفصيلي عنها  وسنكمل اليوم جزء آخر من  هذه النقاط في الحلقة القبل الأخيرة من السلسلة...

ثامنا: الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان

وهذا النمط من التفكير يبتلى به من اعتمد الاتباع بغير علم، وافترض استحالة أن يخطئ من سبقه أو أن تكون رؤية السابقين قاصرة أو غير واضحة. لذلك ذم الله أيضاً هذا الأسلوب وذم من يتبع الأقدمين بغير علم، فقال تعالى: "ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً"[1]. وبعض العاملين في الصحوة اليوم يتبعون ظنوناً وأوهاماً دون أن يتثبتوا من مدى صحة ظنونهم وأوهامهم هذه، ودون مطالبة قادتهم  بالتدليل والبرهان على صحة ما ذهبوا إليه من أفكار وتصورات؛ بل ويفترضون أن الخطأ غير وارد وأنهم لا يحتاجون إلى الدليل أو البرهان، ويكفيهم قول قادتهم دليلاً وبرهاناً. هذا النمط القاتل من التفكير القائم على الانسياق التام وراء فكرة ما على اعتبار أن شخصاً أو قائداً فكر فيها – دون مطالبته بالدليل والبرهان - واجهه القرآن. فأرشدنا ربنا تبارك وتعالى

إلى كيفية قبول أي فكرة فيقول: "قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا "[2]، ويقول في موضع آخر: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"[3].

 

تاسعاً: الأفكار غير طموحة ولا تناسب الهمم العالية

وهذه مشكلة كبيرة تواجه الفكر والمشروع الإسلامي النهضوي المعاصر. فكثير من المسلمين أقصى وغاية مناهم والغالب على تفكيرهم أن يرووا ظمأهم بعبادة معينة أو ممارسة معينة في جزئية من جزئيات الإسـلام، ثـم لا ينظـرون إلى الصـورة الكـبرى واحتيـاجـات الإسـلام الملحـة والضرورية. وجل ما يتحدثون عنه من قضايا - وإن كانت هامة فغالباً ما تكون في آخر سلم الأولويات المعاصرة.

إن من أراد للإسلام أن ينهض يجب أن يسير على خطين: إصلاح نفسه، والعمل لتغيير الواقع الذي يحيط به، والمشاركة في عظائم الأمور التي تدور حوله.

 

 

ولكن ما يحدث في واقع الإسلام أن بعض المسلمين يهربون من الخط الثاني – خط التبعات والمسئوليات والكفاح والبذل – إلى الخط الأول ليرضوا ضمائرهم، فيقضون حياتهم بين الحرمين، ويشيدون المساجد، ويطعمون الطعام، وينحرون تقرباً وزلفى إلى الله. كل ذلك على أهميته وعظيم أجره إلا أن الله تبارك وتعالى حذر من الاكتفاء به وحصر الإسلام فيه، فقال تعالى: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله

واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله. لا يستوون عند الله. والله لا يهدي القوم الظالمين"[4]. ولقد قرظ الشاعر هؤلاء القوم – وصدق - فقال:

أيفيد الشرع ذكرٌ في مساجد كالقصور 

  أيرد البغي وعظ دون جيش في الظهير؟؟!!

فالاهتمام بالخط الأول دون الثاني هو من قبيل إرضاء الضمائر وليس هذا ما خلقنا من أجله، وليس هو دين الله في تمامه وكماله.

وصنف آخر من المسلمين يغرق في الخط الأول بحجة تنمية الذات وتنمية الروح والقلب. ويوسوس له الشيطان أنه ليس كفءً لخدمة الإسلام والعمل له والبذل في سبيله ما دام يُذنب ويقع في الأخطـاء والآثـام. وهو بذلك يدخل في هذه الدائرة المغلقـة، فلا يخـرج منها ليفكر في أحـوال الأمـة وآلام المجتمعات. ولو تأمل قليلاً لوجد أن زيادة الإيمان  لا تكون إلا بالعمل الجاد للإسلام، الذي يحيي في نفس الإنسان كل المعاني الإيمانية، ويدفعه دفعاً نحو العبادة والصالحات، ليتزود أكثر، وينطلق لأداء مهامه.

أما الصنف الثالث من المسلمين، والمنوط به النهوض بالأمة وتحقيق آمالها وأحلامها، هذا الصنف الذي يحاول جاهداً أن يسير على الخطين ما استطاع فهو يعاني من الأسر والسجن بين قضبان إنجازات الماضي. هذا الصنف المخلص لا يجد من يحدثه عن إنجازات الحاضر؛ ناهيك عن الإنجازات المستقبلية المرتقبة. وقادته وموجهوه لا يحدثونه إلا عن إنجازات الماضي،

والحديث عن إنجازات الماضي فحسب يضعف الهمم العالية، ويولد بلادة في التفكير، والاعتماد - كل الاعتماد - على الآخرين في تحقيق الإنجازات.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً أن يظل طموح أصحابه وجنده وأتباعه في القمة دائماً، فوعد سراقة بن مالك - في رحلة الهجرة - بسواري كسرى، وهو المطارد المطرود من بلده وقومه. فهو يبشر سراقة بالإنجاز المستقبلي المرتقب وهو انتشار الإسلام في ربوع العالم، وليس هذا فحسب؛ بل وسيتم هذا الإنجاز في حياة سراقة، ولاشك أن هذا طموح ما بعده طموح.

لقد كان بإمكان الرسول صوات الله وسلامه عليه أن يحدث سراقة عن إنجازات الماضي، عن بيعتي العقبة، وهجرتي الحبشة، ودخول الإسلام المدينة وانتشاره بين أهلها، وعن خروجه من بلده رغم كيد قومه بنجاح ومهارة، إلا أنه لم يحدثه عن كل ذلك؛ بل حدثه عن إنجاز مستقبلي مرتقب لتطمح نفسه وتعلو همته.

أما الآن فإذا سأل سائل عن إنجازات الصحوة الإسلامية فلن تجد إلا من يحدثك بحديث الماضي، بالرغم من وجود الإنجازات التي لم يحسن عرضها. والنفوس بطبعها تواقة إلى من يشير إلى المستقبل ويمتلك رؤية واضحة له، ومعرضة عمن يكثر من الدفاع عن الماضي مهما كان عظيماً.

 

عاشراً: عدم التركيز على القول بل على القائل

من آفات التفكير التي يعاني منها العاملون في تيار الصحوة عدم التركيز على ما يُقال، وإنما التركيز من يقول. فالقائل أهم من الفكرة أو القول. وهذا يتمثل في ظاهرتين:

الأولى: عدم قبول الفرد للكلام إلا من شخصية تنتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته. وكل فكرة أو قول يصدر عنها فهو مقبول. بينما لو طرح أي قائل أو عالم أو عامل لا ينتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته فكرةً أو رأياً؛ بل ربما كان أكثر حنكة وأقوم سبيلاً لرفضه دون بحث أو نظر. وصدق المولى حين قال: "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"[1]. فالكثيرون لا يحللون ولا يدرسون ما يُقال وما يطرح عليهم من أفكار، بل هم أسرى لشخصيات بعينها. إذا قالت فقولها صواب، ومن خالفها فهو جاهل لا علم له ولا وعي.

والثانية: هي رفض الكلام أو الفكرة التي تُعرض. فبدلاً من أن يتم تهذيب أو نقد أو تطوير الفكرة ينصرف التركيز على صاحبها. ويصبح الحديث عن ذاته، وتترك الفكرة وتنسى. كما اتهم النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم بالسحر والجنون "وقالوا معلم مجنون"[2]. فالكفار لم يناقشوا الفكرة، بل ركزوا على شخصية القائل. وقد تزداد الأمور سوءاً وذلك بالنيل من صاحب الفكرة، ونيته وولائه وتربيته، وتتم رسم صورة له في أذهان الناس بحيث يبدو وكأنه لص أو منحرف ما كان يرجو الإصلاح، فإذا ما ذكر اسمه تُذكر الصفات التي أُلصقت به ولا تُذكر فكرته، تماماً كما حدث مع الطفيل بن عمرو الدوسي الذي نصحه المشركون بأن يسد أذنه حتى لا يسمع كلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه الطفيل لم يذكر أفكار وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، بل تذكر تحذيرات المشركين فأسرع بسد أذنه، ولولا أنه كان عاقلاً لبيباً حكيماً لما أقبل على الاستماع لقول وفكرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فعلى العقل المسلم أن يتجاوز هذه الآفة لينظر للحق من حيث هو حق وليس لقائله. فإذا تكرست ظاهرة الاصطفائية  في الاستماع وكرس الإنسان جهده للنظر للقائل بدلاً من النظر للفكرة والتصور فلن يكون هناك انتفاع بهذه الأفكار المتدفقة في العالم، والتي يمكن أن تشكل أحياناً قفزات كبيرة وواسعة إلى الأمام.

 

------------------------------------

 اقرأ أيضا:

عالم أفكارنا المعاصر (1)

عالم أفكارنا المعاصر (2)

التعليقات

عالم افكارنا المعاصر

شكرا دكتور
عدم التركيز على القول بل على القائل
ما يجعل المرء يحتار أننا إذا أخذنا من الكتب الغربية نهتم بالقول بغض النظر عن القائل لتعم الفائدة تحت شعار الحكمة ضالة المؤمن وإذا أردنا الأخذ من الكتب الاسلامية أو العربية صار القائل هو المعيار لنستفيد من كلامه أو نرفضه ، الله المستعان

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.