ملتقى النهضة بالبحرين يؤكد: مشروع نهضة الأمة يبدأ من الفرد

اتفق الحاضرون بملتقى النهضة الشبابي الأول، والّذي انطلق الجمعة الماضي تحت شعار (التغيير .. آفاق ومفاهيم) بفندق إليت سويتس في مملكة البحرين، ويختتم أعماله غدًا الاثنين، على أنّ نهضة المجتمع تبدأ من الفرد، مؤكدين على أهمية بناء الجسور وتعميقها مع شركاء الحياة والعيش والثقافة، والانتفاع بما أتت به المنجزات الحديثة. 

أُقيم الملتقى تحت رعاية فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة، المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم"، وبمشاركة كلٍ من: د. جاسم سلطان، د. محمد حامد الأحمري، أ. مصطفى الحسن، أ. نواف القديمي، وعددٍ من الإعلاميين والأكاديميين. من خلال عقد جلسات إثّرائية وورش عمل متميزة؛ تناقش كيفية الوصول إلى مشروع رشيد يساهم في النهوض والتغيير.

وملتقى النهضة الشبابي يُعقد مرة واحدة كل سنة، ويُشارك فيه المهتمون بالنهضة من فئة الشباب (الرجال والنساء)، يهدف إلى الارتقاء المعرفي للمهتمين بالعمل النهضوي في الخليج من فئة الشباب (18 -30).

العودة: النهضة ليست معارضة ولا ولاءً سياسيًا


في بداية ورقته الّتي قدمها تحت عنوان "تساؤلات وهموم النهضة"، أكّد الدكتور سلمان بن فهد العودة، أنّ الاهتمام بالنهضة لا يعني التخلي عن الهموم الشخصية الفطرية، موجهًا حديثه للفرد قائلاً: "النهضة تبدأ بتعليمك وتفوقك الدراسي".

وتكلم العودة بعدها في عشرين نقطة موجزة؛ اسْتهلها بالإيمان الذي هو الحُداء الأعظم لإنجاز المشاريع ومواجهة التحديات. ثم تحدث عن أهمية التفريق بين الأصول الجامعة والقواعد المؤسسة، وبين المناهج الخاصة الّتي تخص مجتمعًا بعينه، أو زمنًا بعينه، لئلا يُمتحن الناس بجزئيات تُفتت .
وأشار إلى أنّه "ليس هنالك وصفة جاهزة للإصلاح، فلابد من التجربة والإصرار"، كما تساءل بحرقة قائلاً: "لقد كنت أسمع هذا الخطاب من أربعين سنة، وحتى الآن لم يتغير شيء كبير من ذلك الحين، في حين أن الأمم الأخرى أحيانًا تنهض في خمس أو عشر أو عشرين سنة، فما الخلل؟!".

وتحدث كذلك عن أنّ النهضة لا تَعني التخلي عن الهموم الشخصية كالزواج والوظيفة، بل هي شاملة لها، كما أكّد على أنّ النهضة "كلام"، وأنّنا نحتاج للكلام لأنّ الكلام هو فعل بحد ذاته، كما أنّه سبيل إلى الفعل الصحيح. مشيرًا إلى أهمية أن يكون الكلام هادئًا، هاديًا واعيًا.

كما أشار إلى محورية "الأخلاق العالية، والسلوك الحسن والانضباط" في النهضة؛ معتبرًا إياها أول ما يُمكن أن يقدم في سياق النهضة على المستوى الشخصي الفردي، بالإضافة إلى التخلص من فلول الأنا (والأنانية) واستبدالها بالنحن، مؤكدًا على أن "الأنا" ليست سوى رأس جبل الجليد، الذي يُخفي النزعات النفسية المتخفية.

وعرّج بالحديث عن أهمية المبادرات الفردية أو الجماعية الصغيرة والمتوسطة، في ظل غياب مشروع شامل لنهضة الأمة، مؤكدًا على تقدير المشاريع والمبادرات وعدم احتقارها وازدراءها. كما بيّن أهمية تجنب العراك مع الآخرين، وأنّ العراك هدر للطاقة، التي كان الأجدر بها هو المشاركة في البناء والنهوض. وحذّر من اعتبار القليل من ذلك نافع، قائلاً بأن القليل من ذلك يجر إلى الكثير، على ضوء تجربته.

وأكّد كذلك على أهمية بناء الجسور وتعميقها مع شركاء الحياة والعيش والثقافة، والانتفاع بما أتت به المنجزات الحديثة؛ فالله قد جعلنا شعوبًا لنتعارف (سواء بمعنى المعرفة أو التواصل بالمعروف). مشيرًا إلى أن قدْر أي مجتمع من النهضة مرهون بقدره من حرية الإبداع فيه.

وفي معرض حديثه عن معوقات النهضة، أشار العودة إلى أنّ حكوماتنا قوية جدًا في مقابل شعوب ضعيفة جدًا مما يُخل بالعلاقة المتوازنة وبقوى التأثير، خلاف المجتمعات الغربية التي تكون فيها المجتمعات والحكومات متوازنة القوة والتأثير بما يتيح الحد والتأطير من تأثير السياسة على المجالات الأخرى من الحياة، إلا في السياقات المتاحة.

واختتم العودة حديثه بأننا بأمس الحاجة إلى التغيير في طرائق التفكير والمعالجة، حيث أن مشكلتنا ذات جذور فكرية عميقة تظل تولّد مشكلاتٍ أخرى.

وبعدها توجه العودة بعدة مقترحات، حيث اقترح وجود لقاءات إقليمية في دول المشاركين في المؤتمر تكون حول النهضة، كما اقترح وجود ندوات وحلقات نقاش مع مختصين بشؤون متعددة، تزيد من الوعي بالنهضة بين الشباب. وتوجه بجزيل الشكر إلى مملكة البحرين على استضافة الملتقى، واستضافة الملتقيات الأخرى ذات نفس الاتجاه. وقد أُتيح بعدها المجال للأسئلة والمداخلات والتي استمرت لساعتين كاملتين.

حيث أجاب على إحدى الأسئلة بأن النهضة ليست معارضة سياسية، وليست بالمقابل ولاءً سياسيًا، كما حذّر من تحويل "الوسطية" إلى شعار يتقاتل عليه الناس ويصنفون بناء عليه. كما أشار إلى الفرق الكبير بين تكرار التجربة واستنساخها، وبين الاستفادة الإيجابية منها.

الأحمري: تراجع المجتمعات كان رديفًا لقداسة الفرد


أمّا الكاتب والمفكر الإسلامي محمد الأحمري، فقد استهل جلسته "أثر الفرد بالتغيير"؛ بالإشارة إلى مخاوفه من عدم فهم كلامه كما ينبغي، حيث أنّه بالإضافة إلى قلة جمهور الأفكار، فمقدم الأفكار يظل في معاناة مستمرة حول تسهيل السياق ومراعاة المسافة بين المتحدث والكاتب. ثم ابتدأ حديثه في الموضوع عن كلمة "دور" وأنها كلمة لها معاني عديدة؛ منها الوظيفة أو الأثر أو المسؤولية، مما يرجح الاعتقاد بأن كلمة "دور" جاءت كترجمة للكلمة من لغات أخرى.

ثم تطرق لبعض النظريات الّتي تعرضت لأثر الفردية أو الجماعية في عملية التغيير، حيث يُقال في إحدى النظريات بأنّه في مرحلة العصور الوسطى وما قبلها كانت عصور الأفراد حين كان التغيير يقوم على الأفراد بعينهم، ولكن ابتداءً من القرن الثامن عشر سادت فكرة الجماهيرية، وبدأ التركيز على المجموع البشري؛ ودوره في إحداث التغيير أو الثورات الكبرى.

كما أشار الأحمري إلى نظرية أخرى؛ تنص على أن تقدم المجتمع مرتبط بالفردية أو الجماعية في المجتمع، فكلما كان المجتمع أكثر تقدمًا كلما كان التأثير فيه بشكل جماعي، وفي المقابل كلما كان أكثر تخلفًا، كلما كان أكثر فردية، وربما - والكلام للأحمري - يُعزى الأمر في المجتمعات المتقدمة إلى انتشار المعرفة والوعي بين الأفراد بدرجة كبيرة، مما يجعل عملية التأثير الجمعي أقوى، وأما في المجتمعات المتخلفة فتقل فيها المعرفة ويسهل فيها تقديم نماذج منقذة بشكل ما، وقد يكون هذا في شكل ساحر أو رجل دين، أو أي شكل من الأشكال الفردية.

وتعقيبًا على هذا، أكّد الأحمري أن التجربة التاريخية قد أثبتت أن تراجع المجتمعات كان رديفًا لقداسة الفرد، مستعينًا في ذلك بأمثلة كثيرة من الثراث الإسلامي، الّذي يُعظم تاريخ الأفراد (العلماء) بتجاهلٍ تام وكامل لتاريخ المجتمعات.

ولهذا يرى الأحمري أن العامة (جماعة الناس) لابد أن يشاركوا في أي عملية تغيير نهضوية، تستهدف واقعهم، فخصوصية النخبة تضر بالنخبة أنفسهم في المقام الأول، مشيرًا إلى أنّ الحكومات الفاشلة تشتكي من كثرة السكان؛ حيث يكونون عبئًا على عملية التغيير والتنمية.

وبالمقابل يرى الأحمري أنّ هناك خطران على المثقف، أحدهم من العامة والآخر من المثقف نفسه، حيث أن العامة لديهم قدرة كبيرة على تسطيح الأفكار واختزالها وإبعادها عن مرادها، مما يقدح في الفكرة التي يُراد منها إحداث التغيير، وأمّا خطر المثقف نفسه فهو أن يغرق في التنظير بشكل يجعله يتجاهل الجانب العملي، الذي يجعله يحتك بالجماهير. ولذلك يرى الأحمري أن أولى مهام المثقف هو مشاركة الناس بثقافته.

وفي معرض إجابته عن سؤال "كيف أكون مؤثرًا؟" أكّد الأحمري على أهمية وجود عملية تثقيف جادة، وهاجم الأحمري الروايات في هذا السياق، مفضلاً الكتب الجادة عليها، كما أكّد على الجمع بين الثقافة الإسلامية الأصيلة وبين الثقافة العصرية، بتجاوز تاريخ عصور التقليد الإسلامية، واختتم حديثه بلزوم الاعتدال بين العزلة وبين المشاركة، فالفرد بحاجة إلى الاثنين ولكن بتوازن واعتدال.

الحسن: النهضة هي جزء من فكرة الاستخلاف

أما الأستاذ مصطفى الحسن، أستاذ التفسير بجامعة الملك فهد، فاستهل جلسته "الاستخلاف في الأرض" بحديثه عن معنى كلمة "خليفة" في قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}؛ حيث أشار إلى اختلاف المفسرين فيها، وأنّ الصحيح الذي تدعمه الشواهد الأخرى هو "خليفة بمعنى خليفة عن الله في أرضه" بدليل تعجب الملائكة بقولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}، حيث يأتي الإفساد تجاه الكون، وسفك الدماء تجاه الإنسان، واستنتج الحسن بأن عمق مفهوم الاستخلاف المقصود في الآية هو الإصلاح تجاه الكون (مقابل الإفساد في الكون)، وفي التعايش مع الإنسان (مقابل سفك دمه).

وفي سبيل استيضاح معنى الاستخلاف تعرض بعدها إلى قوله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}، حيث أشار إلى أن مفهوم البلاء هنا هو في الاختبار والمنافسة، وكلمة "أحسن" من صيغ أفعل التي تفيد التفضيل، حيث لا حدود للحُسن الذي يُراد من البشر أن يصلوا إليه..

ثم استكمل الحديث فيما سماها بالأسئلة الكبرى التي رتبها على شكل هرم (الله، الإنسان، الكون) حيث أشار إلى أنّ "الله" هو المرجعية العليا المطلقة، وفصّل الحديث في بواعث العمل من إعمار الأرض، والتي تبتدئ من تحقيق الذات، إلى أداء الواجب، إلى التوق للخلود، لتختتم بإرادة وجه الله {يريدون وجهه}، وهذه هي المرحلة الصعبة التي يصعب الوصول إليها، فضلاً عن المحافظة عليها.

ثم انتقد الحسن التقسيم السائد للعبادات، بعبادات أصلية وعبادات غير أصلية، حيث يُحصر معنى العبادات الأصلية على النسكية كالصلاة والصيام، والتي يكون للمرء فيها نية واحدة، وأما العبادات غير الأصلية كالنوم والمشي، والتي يكون للمرء فيها نيتان، نية دنيوية بإشباع الحاجات الجسدية، ونية للتقوي على طاعة الله، حيث أنّ هذه منظومة تعاني من إشكالية كبيرة جدًا  ـ والكلام للحسن ـ بحيث تجعل النسك هو محور العبادة، طاردة العبادات المدنية عن هذا المفهوم. والصحيح - كما يرى الحسن- بأنّه يجب الإبقاء على المعنى اللغوي لعمل الصالحات، فكل عمل صالح هو عبادة أصلية لها نية واحدة، وبهذا التعريف يُمكن أن نفهم بعض الآثار الّتي تنص على قيام بعض العلماء بترك قيام الليل، والقيام بالمناقشات العلمية..

وفي معرض الحديث عن العلاقة بين الاستخلاف وبين النهضة، أشار الحسن إلى أنّ النهضة هي جزء من فكرة الاستخلاف، فالاستخلاف معنى نسبي بتحدد بالزمان والمكان والقدرات، فقد يكون الاستخلاف في حق أمة معينة هو في النهضة، وقد يكون الاستخلاف في حق شخص آخر هو في قيامه بإعالة عائلته، أو إطعام والدته، وهكذا. ولا يجب أن نذوّب مفهوم النهضة في فكرة الاستخلاف حتّى لا نقع في المطبّات المعرفية لاحقًا.

القديمي: مشروع الإخوان المسلمين هو الأكثر نضجًا

بدوره، استعرض الأستاذ نواف القديمي في ورقته، التي كانت بعنوان "مسارات الحل عند الإسلاميين"، لمدة ربع ساعة وبشكل موجز، بانوراما عن أبرز الحركات التي تبنت هدف النهضة ـ بأي شكل كان ـ مشيرًا إلى تجارب تلك الحركات في هذا المجال. مؤكدًا أنّ المشهد الثقافي الحالي في المجتمعات العربية الحديثة ـ حتى القرن الواحد والعشرين ـ هو امتداد للتنوع الثقافي في القرن التاسع عشر، عند التيارات الفكرية في رؤية مسارات الحل.

وأكّد على أن المشهد الثقافي الحديث في المجتمعات العربية بما يحويه من تباينات تقرّ بأن مجتمعاتنا في "وضع سيء"  ـ على حد تعبير القديمي ـ لكنه استدرك على أن ثمة تباينات واسعة وجذرية في تحديد معيارية هذا السوء وأسبابه ودوافعه. واعتبر القديمي أنّ مشروع الإخوان المسلمين (النظري في مرحلة التأسيس) هو الأكثر نضجًا وعملية في تحقيق التقدم والنهضة، لكنه أشار إلى أن مشكلة الجماعة في أن تجربتها الطويلة راكمت على كاهلها كثيرًا من التراث والأفكار المَعِيقة، التي ساهمة في ضبابية واضطراب مواقفها الحديثة من مشروع النهضة، بالإضافة إلى ضخامة الجماعة واتساعها الجغرافي، والذي اعتبره أدى إلى غياب للمشروع، بحيث لا يمكن الإجابة بسهولة عن سؤال مثل: ما هو مشروع الإخوان في السعودية أو في مصر أو الأردن؟!

من أكثر الأفكار إثارة للنقاش والمداخلات هي تأكيده على أنّه لا يمكن تحقيق (تقدم كبير) إلا عبر بوابة العمل السياسي (الدولة) المباشر أو غير المباشر، واعتبر أن أي مشروع إسلامي لا يمر عبر بوابة الدولة فسيظل حبيس الفضاء الرومانسي، مستدركًا القول بأنّ الحديث عن الدولة هنا لا يعني بالضرورة التأثير المباشر بصناعة القرار، فقد يكون بالتأثير على صانع القرار السياسي.

جاسم السلطان: معايير تحدد نهوض المجتمعات


وفي بداية مداخلته، استهل الدكتور جاسم سلطان، المشرف العام لموقع النهضة، في جلسته التي كانت بعنوان "فلسفة التاريخ"؛ بالحديث عن مشروع النهضة الذي يتبناه، والذي ابتدأ عام 2004 حيث فصّل الحديث عن بدايات المشروع وأهدافه واستراتيجياته، ثم بدأ بالحديث بعدها عن فلسفة التاريخ؛ حيث عرض أهم أفكار المؤرخين وفلاسفة التاريخ الكبار، كابن خلدون وهيغل وماركس ومالك بن نبي وتوينبي وغيرهم.

كانت البداية من المعايير التي تحدد نهوض المجتمعات، حيث ذكر جاسم سلطان بأنها أربعة معايير تتلخص في مستوى الشعور بالهوية، والاهتمام بالعلم وإنتاجه، ونظم العمران بشتى أنواعها (السياسية والاقتصادية والعمرانية)، وأخيرًا القدرة على الدفاع عن كل هذه المكتسبات. وفي حديث أكثر تفصيلاً عن الهوية قال: إنّ "الهوية هي مجمل صورة المجتمع عن ذاته وتصوره عنها"، حيث أشار إلى أن الصورة عن الذات إنْ كان فيها خوف وقلق، فستنعكس على كل الفضاءات الحياتية الأخرى.

وتساءل بعدها قائلاً: "إذا كانت هذه معايير المجتمعات، فما هي معايير الأفراد؟" وأجاب عن تساؤله بقوله: إنّ معيار الفاعلية ربما هو المعيار الوحيد الذي يمكننا فيه تقييم نهوض الأفراد. مشيرًا إلى قول مالك بن نبي عن أن "الزمن عبارة عن نهضة يجري تحت جسور كل المدن لكن وحدها المدن المتيقظة تأخذ منه بأكبر نصيب".

ثم في إطار حديثه عن المساحات التي تشملها النهضة، أشار إلى المساحات المفصلية، التي إنْ تم إصلاحها فسيتم إصلاح قطاعات كثيرة، وتأتي الدولة في مقدمة هذه المساحات المفصلية، والتي يُشار للنهضات التي تتم عن طريقها بمصطلح "مسار الاحتشاد". ومن ثم يأتي بعدها دور الأفراد وهي التي تأخذ مدى وزمنيًا طويلاً لكي تحدث.

ثم استهل الحديث بالتفصيل عن فلاسفة التاريخ ابتداءً بابن خلدون، كأول من أشار إلى أن التاريخ باطنه عِبَر. منبهًا إلى الدروس التي يمكن استخلاصها من التاريخ، حيث ابتدأ الحديث المدرسة الدورية التي ترى المجتمعات تمر بدورات حياة، وبالمقابل هناك المدرسة الخطية التي ترى التاريخ كخط واحد لا يتكرر، وأشار في هذا السياق إلى أنّ التقدم عمومًا ليس سوى حاصل صراع الأفكار داخل المجتمع أيًا كانت المرحلة.

ومن ضمن الدراسات الّتي أشار إليها جاسم سلطان في إطار حديثه عن اختزال البعض للنهضة في الحقول السياسية، أشار إلى دراسة حديثة تقول بأنّ ثمانين بالمائة من المشاريع النهضوية التي غيرت مسار التاريخ ليس لها صلة بالسياسة.

أحمد عاشور: أصبحنا نعاني من التمييز بين ماهو عالم افتراضي وعالم واقعي

استهل أحمد عاشور مدير موقع الجزيرة توك وصاحب الفكرة حديثه بالتأكيد على أن الإعلام الجديد لا يعني سوى تغيراً في الأدوات، مع بقاء نفس المضامين التي كانت في الإعلام القديم ، كما أشار في مقدمته إلى أن الإعلام الالكتروني ذو صبغة عالمية لا تفرق بين جنسية وأخرى، مما يجعل من فرصة البروز محدودة بالكفاءة ومن هنا فقد وجه نصيحة بعدم فقدان الثقة في الوسائل وفي وصول الصوت إلى العالم.

ومن ثم تحدث عن تجربة موقع الجزيرة توك ونشأته وبعض الصعوبات التي تعرض لها في بدايته، كما فصل الحديث عن بعض المفاهيم والرؤى حول الإعلام الجديد، حيث أشار إلى أن الإعلام الجديد عموما مجال جديد، وأي إضافة فيه هي إضافة لهذا الفن الذي ما زال يتشكل ويتبلور يوماً بعد يوم، كما ذكر في نقطة طريفة بعض الشيء أن التداخل بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي يوصلك لدرجة كبيرة من الخلط بينهما، حيث أنه في العالم الواقعي نجد أن أبواب الكثير من الجهات والمنظمات موصدة، خلاف ما يحدث حين يتعلق الأمر بالعالم الافتراضي، فأنت لو ذهبت لمكتب وزير مثلاً - والكلام لعاشور- فربما تجد الباب مغلق، لكن لو أرسلت له إيميل، ففرصة الرد على إيميلك عادة أكبر.

وأكد عاشور أن أي شخص يمكنه أن يمارس الإعلام الجديد ويستغل أدواته لنشر أفكاره ومفاهيمه ومعتقداته، إلا أن العالم العرب قد تختلف بعض قواعد لعبة الإعلام الجديد عن العالم الغربي خصوصاً حينما يتعلق الأمر بعادات وتقاليد. وأشار ف الوقت ذاته بأن للمنتديات والمجموعات البريدية أثر كبير على الجمهور العربي، مؤكداً على أن الشخصية العربية على الانترنت تحب المشاركة وتحب الانضواء تحت قيادة معينة.

وقطع عاشور المخاوف المترددة حول خصوصية الفيس بوك (أو الإعلام الجديد) حينما أكد على أنه لا يوجد أي خصوصية في الفيس بوك، مؤكداً على أن كل شيء في الإعلام الجديد مؤرشف. وكذلك أشار إلى سهولة اختراق الحواجز التقنية، حيث أشار إلى أن السعودية هي الدولة الرابعة في ترتيب الدخول إلى "الجزيرة توك" على الرغم من حجبه داخل السعودية! الأمر الذي أثار موجة كبيرة من ضحك الجماهير.

واستعرض عاشور تجربة المقاومة الالكترونية، بعرض الكثير من التقنيات والمواقع الجديدة ذات العلاقة والصلة بالحملات الإعلانية في الإعلام الجديد، مختتما الجلسة بعدد من الأسئلة والمداخلات التي اتسمت بقدر من الحماسة والمتعة.

طارق المبارك : نعاني من ضبابية في رؤيتنا لمفهوم النهضة.

استهل الأستاذ طارق المبارك جلسته "مشروع النهضة بين النظرية والتطبيق" بالحديث عن السياق الذي تجيء فيه هذه المناقشات، حيث أشار إلى أهمية وضع كل هذا في سياقه التاريخي العالمي حتى يدرك الإنسان وضعه مشيراً إلى أن الوعي بالنهضة وضروراتها في العالم العربي قد مر بمراحل أساسية ابتدأت من المشروع الإصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إثر الاحتكاك المباشر بالغرب والانصدام بالواقع الحضاري، ثم اتبعت بحركات إسلامية ولدت ضمن أحداث عالمية مست العالم الإسلامي كالاستعمار الغربي بما أعاد التفكير داخل التيارات الإسلامية حول أبجديات النموذج الغربي بما ساهم في مزيد من الانكفاء على الذات، وأخيراً جيل من المفكرين والناشطين الإسلاميين الذين بدؤوا بتلمس الفوارق بين المبادئ الكونية التي ساهمت في النهضة وخصوصية التجربة الغربية.

وفي معرض إجابته عن سؤال "في أي عالم نعمل" ذكر بعض النقاط الأساسية حيث يذكر أن الإسلام أصبح متعولماً، وأن ارتباطه بمركزه الجغرافي (العرب) بدأ يقل، كما أكد على استمرار ارتفاع الشعور بالهوية الجماعية للمسلمين، بالإضافة إلى عولمة تتزايد تأثيرها على مختلف نواحي الحياة غيرت من قوانين اللعبة الدولية.

ثم أشار إلى ضبابية كبيرة في مفهوم النهضة لدى قطاع واسع من العاملين في المشاريع التي تنتمي إلى مشروع النهضة، وأشار إلى أن هذه الضبابية تقود إلى التماهي مع واقع الحداثة الغربي في ظل غياب مشروع ناجز يستند عليه، وكل هذا يقودنا إلى الاقتناع بأهمية تأسيس نظري متماسك للنهضة الإسلامية. وقد حذر المبارك من حصول ارتداد وانكفاء آخر عند اكتشاف تشوهات من واقع الحداثة الغربية كما حصل قديماً وعندها ينهار مصداقية الطرح النهضوي، كما أكّد على الحاجة إلى رؤية متماسكة ملهمة لمواصلة العمل في ظل التعقيدات والمشاكل، مختتماً بالإشارة إلى التلفيق السائد في أفكار الشباب الساعي للنهضة وتداخل المنظومات الفكرية لديه.

كما حذر المبارك من إشكالية الانفصال عن البعد الروحي في القرآن الكريم بالخطاب النهضوي وعدم استثمار الرأسمال المعنوي له على مستوى الأدوار التي يزكيها، مشيراً إلى أن الخطاب النهضوي لا يوجد له نسق ومعالم واضحة حيث تسود الكتابات المتشذرة بغير رابط يجمعها. كما ذكر المبارك بأن الخطاب النهضوي يعاني من تداخل الهم المعرفي التساؤلي في قضايا شائكة مع النقد الفكري المنظم للجمود والتخلف، مشيراً إلى أن أي خطاب نهضوي تغييري لابد أن ينزل إلى مستوى الهم والحدث اليومي، وألا يغرق في الرومانسية.

كما اختتم المبارك حديثه عن الحراك النهضوي وبعض الأفكار فيه حيث تحدث عن الحاجة للمشاريع العملية، وإشكالية البديل ، كما تطرق للواقعية في التصورات وعدم الإغراق في الخيالات الرومانسية والخطاب العاطفي الذي لا يقدم ولا يؤخر، كما أشار إلى أهمية الواقع التقني الذي أتاح كثيراً لم يكن متاحاً في فترة سابقة من حيث التواصل والتغيير ضمن فئات ومجموعات صغيرة ومحدودة.

وقد تلا هذا ورش عمل بين المشاركين حول إشكاليات الخطاب والحراك النهضوي، تلاها مناقشات مع المبارك حول ما تم التوصل إليه من قبل المشاركين.

هاني المنيعي : القصة من أجمل الأساليب لتوصيل الأفكار

بداية استهل هاني المنيعي دورة "التغيير في عالم الأفكار" بالحديث عن دورة حياة الفكرة والتي تتلخص في عدة مراحل: الالتصاق، الانطلاق، الانتشار، الانحسار، الاندثار. وقد أكد على أن الأفكار في العالم الالكتروني تنتقل بسرعة شديدة كما يحصل في الإشاعات، بما يستلزم علينا أن نستفيد من تقنية الانتشار هذه في مبادئنا.

ثم تحدث عن مراحل دورة حياة الفكرة، مبتدئاً بالحديث عن مرحلة الالتصاق التي تُعنى بالتقبل والتي تتكون من ستة مراحل تبدأ بزرع بذرة الفكرة في رأس المتلقي. ثم تتحول الفكرة إلى قناعة. ثم القناعة تتحول إلى مرحلة القرار ، ثم القرار يتحول إلى تصرف وفعل (يحدث مرة واحدة)، ثم يتحول هذا التصرف إلى سلوك متكرر وأخيراً يتحول السلوك إلى إيمان ودعوة.

وبعدها عرج المنيعي على الحديث عن شرائح الجماهير ومراحل تقبل الفكرة لديهم، وأكد على أن هناك دراسة معينة تنص على أن فقط هناك 2.5٪ مبادرون عند طرح الفكرة وهم أولى المقتنعين بالفكرة (والذي عادة ما يقتنعون عن طريق فلسفة الفكرة) ثم يتبعهم 13.5٪ أصحاب رؤية عامة (وهم عادة ما يقتنعون بالأفكار مباشرة)، ثم يتلوهم هوة كبيرة تأتي بعدها فئة العمليّين (أو ما يسمى بالغالبية المتقدمة) وهم 34٪ ويأتي بعدها المحافظون (الغالبية المتأخرة) بنفس النسبة، والعمليين والمحافظين يقتنعون أكثر بالمجال الذي تنتمي إليه الفكرة، ليأتي أخيراً فئة المتشككون الذين يشكلون 15٪ وهؤلاء لا يقتنعون بالفكرة إلى عن طريق المنظمات والجماعات على اختلاف أشكالها.

كما تعرض المنيعي لستة استراتيجيات أخرى لعملية التصاق الأفكار والتي تلخصت استعمال المشاعر، عنصر المفاجئة ، التأكد من المصداقية، صياغة متينة، استخدام البساطة، قوة القصة. وقد ألحّ على أهمية عرض الفكرة في سياق جذاب ومبدع يسهل من تقبل الناس لها.

ثم اختتمت أعمال الملتقى بعرض لأبرز المشاريع الواعدة التي عرضها المشاركين في الملتقى.


البحرين/ فهد الحازمي

المصدر

 

التعليقات

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.