هيجل وصراع الأفكار

إن كتابات هيجل كثيرة جداً. لكننا نتحدث عن فكرة أساسية طرحها. وهي في غاية الأهمية بالنسبة لقادة النهضة. فهو يرى - عندما يتحدث عن موضوع النهضة والتقدم في المجتمعات - أن القضية الرئيسية التي لابد من إدراكها هي أن النهضة تقوم على الأفكار. وأن الفكرة عندما تطرح - بسبب النقص في الإنسان  - تكون فكرة جيدة من جانب، ولكنها تحمل نواقضها من جانب آخر.

وهو ما نسميه نقيض الفكرة. وأنه يحدث صراع بين الفكرة ونقيضها المطروح.  فالناس الناقضين للفكرة يستغلون النقص الموجود في الفكرة ليطرحوا فكرة أخرى على نقيض الفكرة الأولى. ويبدأ الصراع بين الأفكار. وتولد فكرة جديدة من رحم الصراع بين الأفكار، ومن هذه الفكرة الجديدة  - نتيجة النقص الموجود فيها حتى بعد الدمج - يطرح آخر فكرة أخرى نقيضة، ويبدأ صراع جديد. ومن ديمومة طرح الأفكار ونقائضها يتقدم البشر طور بعد طور في سلم النهوض و التقدم. فهو هنا يتكلم عن صراع الأضداد في الأفكار، وكيف يولد أفكاراً جديدة.

إن تفسير التاريخ عند هيجل يقوم على النظر لكل فترة نظرة مستقلة باعتبارها وحدة قائمة بذاتها، وعلى اعتبار المجموع الحي حصيلة ملامح اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وعقلية ودينية تؤدي في النهاية لكيان متجانس.

وفي كل فترة  -عند هيجل - تولد فكرة رئيسة. وكل فكرة تولد نقائضها وأضدادها. ويستمر الصراع بشكل آلي ومتلاحق، فتتحد المتناقضات مولدة المجموع الحي (الموحد) ليندفع مرة ثانية لحده الأقصى حتى يصل إلى المطلق، وفلسفة هيجل بذلك مزيج من المتناقضات. يقول عبد الرحمن عبد الله الشيخ في كتابه "المدخل إلى علم التاريخ": "ويرى هيجل أن كل عصر من العصور التاريخية يمثل وحدة مستقلة بكل أبعادها الدينية والفلسفة والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن هذه الوحدة تحوي في طياتها تناقضات تتعايش معاً فترة من الزمن. ثم تتولد عنها وحدة جديدة تمثل عصراً تاريخياً جديداً تناقض العصر الذي قبله، وهذا العصر الجديد يخرج منه عصر آخر له روح مختلفة وهكذا."

وقد سمي تفسير هيجل للتاريخ بالتفسير المثالي، لأنه جعل الصراع في عالم الفكر، ومن التغيير الفكري ينطلق ويوجد العالم المادي. فالفكرة تولد ويولد معها نقيضها جنيناً في بطنها،  يكبر ويصارعها حتى تتكون من الاثنين فكرة جديدة. وهكذا يتقدم العالم ويتطور حتى يصل لمرحلة الاتزان والكمال التام (إن كل فترة تنمي فكرتها الرئيسية إلى الحد الأقصى ثم تولد أضدادها أو نقائضها).

والخلاصة المنهجية عند هيجل أن الفكرة تؤسس للواقع وأن التطور قائم على صراع الفكرة مع نقيضها المفضي لتأسيس فكرة جديدة وصولاً إلى الغاية القصوى (المثال أو المطلق).  ويبني هيجل على ذلك أن تاريخ العالم وتطوره كان دائما صيرورة عقلية (صراع أفكار).

:مثال

ولنضرب مثالاً على هذا الكلام: فقد ولدت فكرة الحرية المطلقة في اليونان القديمة، وحملت في بطنها جنينها المناقض لها، وهو الفوضى. وحين وصلت الفوضى قمتها ولدت الفكرة الجديدة، وهي الحرية المقيدة، وخلاصتها أن الإنسان حر كشخص، ولكن حدود حريته في عدم التأثير على الكيان العام للدولة والمجتمع. هذا الصراع بين المتناقضات الفكرية يؤدي إلى التطور نحو الأفضل بصورة مطردة حتى نصل للعالم المثالي الكامل من كل جوانبه.


وبغض النظر عن دور هيجل في الفكر الألماني وأطروحاته عن روح العالم وتغذية النزعة الآرية - خاصة في المفهوم النامي الذي حدث بعد ذلك. فإننا يمكن أن نستفيد من بعض أفكاره. فالتطور في الفكر- في تصور هيجل - هو نفس طرح الأفكار المتضادة. وانظر كيف يمكن الاستفادة من طرح هذه الفكرة في مجالات التقدم. حيث أن اعتقادنا الدائم أن كل عمل بشري لابد أن يشوبه القصور وأن ذلك ليس بعيب، وأنه بطرح جوانب القصور في فكرة ما ستتولد فكرة ثانية وهكذا تستمر عملية التقدم. من خلال التشذيب المستمر للأفكار.

 إن ذلك يعطي مساحة واسعة للمتحاورين والمتناظرين والمفكرين، ولا يخنق الأفكار في مجال معين بحيث أن كل فكرة مخالفة هي بالضرورة فكرة ضارة. إذ أنه باصطراع الأفكار تتولد الأفكار الجديدة.

التعليقات

عصراً تاريخياً جديداً

عصراً تاريخياً جديداً... هو بالتحديد ما تفرضه السنة الكونية و الملاحظ انه يفكر للحضارة المادية التي تكتشف دائما شدة صلة تطورها من تطور الفضيلة المادية اي المصلحية و الانسان المستهلك للحضارة مادية يزداد عطشه لفضائل مادية جديدة و لكنه عاجز ان ينتجها بالقوة التي يمكن للمسلم انتاجها و استغلالها لترشيد الانسانية و الانسان المثالي ليس مستحيل و فيه اشارات له في السنة و ربما هي مرحلة تاتي بعد مرحلة رشد الانسان.
الاكيد ان فكر التناقض الذي يولد فكر جديد هو جزء من الطبيعة التي نتعلم منها توجه السنة الكونية و رسائلها و نستفيذ منه كون الاسلام دين كامل و شامل لكل الحلول الوسطية و المسلم مطالب بالتفكر بما بين يديه من مصدر معرفة راقي لينتج تفكر اسلامي مناسب للتحدي الذي يواجهه .
مثال .نجد في الكتاب والسنة تحريظ على جهد غايته تحقيق هدف
ومن جهة اخرى ان لا اكراه في الدين بعد ان تحقق التبيين بين الرشد و الغي فالقاعدة ان الاعتقاد لا يغير الاكراه فيه شيئ بعد ان تمت عملية التبيين و كان الجهاد القتالي التبليغي لا بديل عنه. و بعده ظهرت وسيلة اخر ى هي التبليغ بالجهاد النفسي الاخلاقي ظهر في التعاملات التجاريةو ات ثمراته و امتد الى الجهاد الاعلامي و هو غير مستغل الا في اصلاح المجتمعات الاسلامية وبعشوائية اي لا تنظيم و لا اختصاص دليلها تناطح المصلحين احيانا في غياب هيكل اصلاحي و الاستعمال السياسوي التاريخي للدين و من جوانب النهضة ان تبني هيكل تنسيقي اعلامي...
اذن اذا نظرنا الى التناقض الظاهري نجد من جهة قتال و من جهة لا اكراه مع ان من اامرادفات لكلمة قتال معنويا هو الاكراه و نقيضها الا اكراه فينتج معنى التبليغ ثم هذا التبليغ العملي اي بما تجرعه المسلم من رشد في الاسلام يجعله يتحرك تحرك نهضوي بالرسالة يحقق غاية اخرى هو ان يكون الحكم لله جل في علاه.اليس الغير مسلم يحكم في استهلاكنا و حتى في توليد الاستهلاك و توجيهه بما يستخذمه من تفعيل مستمر لفعالية افكاره الحضارية المادية و يتحكم حتى في احلام البيت المسلم و ان كان البيت المسلم الاكثر مناقضة لما يعيشه و تناقضه الذي يؤرقه هو الذي يولد من افكاره تفكر اسلامي اصيل يواجه به تحدي العصر وهذا يتطلب رشد الانسان المسلم الذي علمته المحن العصريةالرشد و عليه تفعيله .

ولكن إذا أدار الإنسان هذه

ولكن إذا أدار الإنسان هذه الفكرة في عقله قد تكون حلقة مفرغة تأخذك أحيانا إلى الأسوء وأحيانا إلى الأفضل فهل من الممكن أن نصل إلى المجتمع المثالي(الجنة) لكن هذا المجتع يجب أن يحوي نسبة متساوية من الذكاء عند كل البشر ونسبة متساوية من السلطة وإلا فلن يكون هذا المجتمع مثالي فهل هذا الأمر منطقي لأنه سيبقى دائما صراع بين الإيمان والإلحاد صراع بين الشخصية القيادية(الملحدة) والشخصية القيادية الأخرى للسيطرة على الشخصية الإنقيادية(المؤمنة). قد يصنف البعض فكرتي ضمن سلم الإلحاد إذا أين النقاش؟؟؟؟؟؟

استسمحك في التعليق

استسمحك في التعليق
الحلقة المفرغة هي سنة الكون فالليل لو كان سرمداً لاذى الى ركوظ و لةلا التضاد لما تطورت الفضيلة البشرية العامةالتي اليوم تساوي الاسود و الابيض في الحقوق اانسانية اي هي ليست حلقة مفرغة بل لولبية الى ان يتحقق الحكمة من الوجود...و هذا التظاظ له ايات في الكتاب و في الطبيعة وعلى المسلم التحكم في هذا المنهج التاملي لان الدنيا دار عمل و بحث و اعمار
اما الشخصية القائدة فان ما يجعلها قائدة ليس الالحاد بل درجة الايمان فالملحد له درجة ايمان عالية جداً بمبادئه و ما يعزز ايمانه منهج التجربة و الملاحظة و تكرار هما اي ايمانه مادي صرف اي له مصدر معرفة ايمانية مادية تدفعه للحراك بعكس المؤمن بمصدر المعرفة الغيبي لذى الغرب الذي انزلق للخرافات اما المسلم فنجد ايمان محمد الفاتح العالي قد فتح به بلاد و كان ايمان فصل بين الخرافة و المصداقية الواقعية فالقائد هو درجة الايمان الاقوى و المسلم للاسف نسي لاسباب تاريخية استعمارية ضرورية لتطويره دفعته للاحتكاك الجماعي بالغير بعد ان انغلق على نفسه لاسباب طبيعية طبائعية نجدها اليوم تطورت و تغيرت تقرب المسلم من الرشد المطلوب و تقدم له نظرة مركبة واضحة تجعله قادر على تفعيل ايمانه لتحويله الى اداء راشد و منتوج قابل للنشر و الاستهلاك العالمي. اذن قوة الايمان بالرسالة و فهم الواقع بتناقضته لانتاج نهضة الرشد.

الفكرة النقيضة .

بعد السلام و التحية .

- مازلت أنتظر جواب حضرتكم على سؤال السائل , هل تحمل كل فكرة , فكرة نقيضة في رحمها , أي أهذا أمر مطلق ؟!

- يبدو أن معرفة الإنسان و علمه ستضل عاجزة عن التطوّر و التبلور بل سنعجز عن إقتنائها بدون تجربة , إذ أن الفكرة النقيضة لا يمكن معرفتها أو التنبؤ بها ولو مبدئيا ً إلاّ بعد مرور زمن على الفكرة الأم , حينها تقذف الفكرة النقيضة من الرحم وهذا عندما يصل تطبيق النظرية إلى النقطة الحرجة .

الفكرة الصحيحة

الفكرة الصحيحة ممكن ان تولد قبل اي فكرة مناقضة و هذا اما بالوحي او من خلال عباقرة فهمو الوحي المنزل و لكن معدل الجمهور كثيرا ما لا يدرك ذلك الا مع الوقت الطويل و التجربة و الملاحظة التاريخية او المستقبلية و كثيرا ما ينتج عنه انسحاب الفكرة المبكرة لعدم فهم الجمهور لهاو الخلافة الراشدة دليل ذلك و لكن تستمر في تاثيرها لا شعوريا لانها ذخلت الى عالم الشهادة و خرجت من العدم و لا تموت الفكرة الصحيحة بل تمتد و تتطور اذن هناك امكانية لوجود فكر جديد غير مناقض بل يطور او ينمي ام يجدد اما الفكرة المناقضة المحضة فهي فكرة حضارية مادية محظة لا تولد الا بما يدفع اليه الانسان الطبيعي من خلال السنن الكونية بدافع غريزة البقاء وهي سنة كونية اما المسلم فيذهب الى ابعد من غريزة البقاء الى ان صح التعبير غريزة الخلود ... اي ان المسلم مطالب بجهد حضاري مادي يسقي به العالم جرعات من التحفيز الايماني و يحقق انسجام بين مبادئ الروحانيات الصحيحة و حضارة المادية. فالمسلم مطالب بالتفكر في الدين الكامل يحقق له درجة ايمان تحركه ايجابيا اي تحرك راشد اما الغير مسلم فحصر نفسه في تفكير تجريبي فقط و خلع اي مصدر معرفة ايماني غيبي لعدم ثقته به لاسباب تاريخية في حين المسلم لم تزعز ثقته و لكن نسي تفعيل ايمانه بادراك و رشد .

نقيض الفكرة أم مولودها

هل يشترط ان يكون مولود الفكرة نقيضا لها ، أم من الممكن ان يكون متمما أو مكملا ، ومن ثم هل يمكن أن نقول مولود الفكرة بديلا عن نقيض الفكرة ؟

راي المتواضع

راي المتواضع
نعم ممكن ان تولد فكرة من غير نقيض بل بسبب ركوظ و هو التجديد اي فكرة الجديد فيها انها تفعل الفكرة الصحيحة و العميقة التي لم تستنفذ طاقتها الانتاجية. اما الفكرة الجديدة التي تنتج عن التناقض فهي فكرة انتجت كل طاقتها و ثبت عدم صحتها الكلي او الجزئي فالحضارة المادية عموماً فيها صحة جزئية نجدها في الكتاب و السنة و لكن لم ترقى الى الصحة التامة اما الاسلام فهو دين كامل استغرق الحضارة المادية الى حضارة كاملة و المطلوب تفعيل المسلم الجديد لذاته .

هيجل وصراع الأفكار

بوركت أستاذنا على طرحك الرائع
لكن يبقي سؤالي هل الفكرة ونقيضها يجب ان تكون تحت سقف الأخلاق والانسانية حتى يحدث التقدم؟؟؟
ام انها لاتحد باي سقف؟

ليست كل الافكار التي تطرح

ليست كل الافكار التي تطرح بالضرورة أن تتصارع، لأن فكرة ما قد لا تدخل في التصارع الدائر لأنها غير مؤهلة لتدوم وتحيا ويتم بالتالي نقضها. الفكرة بشكل أساسي تخضع لفكر من يطرحها، وللمحيط الذي تولد فيه هذه الفكرة، ومن ثم تكتب لها الحياة و تدخل في الدورة الحضارية بقدر قوتها وقدرتها على الاقناع،مثل فكرة الرأسمالية كانت مبررة أخلاقيا عند الغرب ، وصارعتها الفكرة الماركسية وكانت مبررة عند قطاعات آخرى من الغرب وولدت فكرة ثالثه، هي تعديل القوانين لصالح العمال في الغرب، انصاف العمال، وتكونت النقابات... ثم في السنوات الأخيرة برزت فكرة الرأسمالية مره آخرى في بريطانيا ،، وهكذا تستمر صيرورة التدافع بين الأفكار. من هذا نجد أن الفكرة تخضع لعاملين رئيسيين:
1. فكر من يستقبلها .
2. المحيط الذي يستقبلها.
ومن الأمثلة على ذلك مسألة العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، فهي لا تعتبر مشكلة عند الغرب، بينما تعتبر مسألة أخلاقية عند المسلمين.

مشكلة فضيلة بكماء لذى الغرب

اضافة ... اللواط يسبب مشكلة فضيلة بكماء لذى الغرب و لكن الحضارة المادية لا تستهجنها كثيرا الا اذا هددت الوجود الجماعي فهم يحتملونها ظاهريا لانها تحقق معنى الحرية و المساواة و لم ينتقلوا الى فضيلة العدل و الاعتدال فهم يطالبون باسلام معتدل و لم يحققو فضيلة طبيعية معتدلة فحتى نحن يمكننا المطالبة بالاعتدال في مبادئهم العقلية ... ويبقى انهم لم يصبروا على هذا التيار الا لانه استثناء عندهم و هذه التيارات القاتلة هي التي تخذم حجج الاسلام واقعياَ و قيام دراسة علمية اسلامية تدرس سلوكات الشذوذ و التحولات الغير طبيعية و الدمار الذي تحدثه و تقديم علاج للخلل الاجتماعي في المجتمعات المسلمة اساسا لوجود عنصر ايمان جدي يكون خطوة مناسبة للنهضة و العمل الاعلامي المدروس و العلمي من وسائل النهضة الضرورية .

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.