المجتمع والأفكار (مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي 3)

يرى مالك بن نبي بأن تحديد المرحلة التي يمر بها مجتمع ما , تتم عن طريق تتبع أي العوالم الثلاثة هو الراجح ( الشيء -الشخص-الفكرة) وان المجتمعات الإسلامية المتخلفة تعاني من تراجع في (الأفكار) وليس الأشياء," المجتمع المتخلّف ليس موسوماً حتماً بنقص في الوسائل الماديَّة (الأشياء)وإنما بافتقار للأفكار" وأعطى العراق واندونيسيا كنموذج لذلك.

مبينا أن حياة المجتمع كحياة الطفل، ومسيرته في التاريخ واندماجه فيه كمسيرة الفرد واندماجه في المجتمع ،فالتعامل مع هذه العوالم بالنسبة للمجتمع تماما كما تعامل معها الفرد ،وتبدأ فترة الشيخوخة أو ما بعد التحضر حيث يبدآ الاهتمام  بالأشخاص والأشياء وهذه المرحلة تعمها فوضى وتفتت ويضرب بذلك مثلا حال الجاهلية حيث كانت الأشياء في مرحلة قبل التحضر هي الأهم فظهرت الفكرة الدافعة ودفعته للتفاعل مع التاريخ ( كما دفعت الطفل للتفاعل مع المجتمع)،و المؤرخون يميزون جيدا في العادة بين الوضع الأول والثاني، لكنهم لم يهتموا بالتمييز بين هذين الوضعين والوضع الثالث".
و يحدد مالك (نقطة انحدار حضاري )استمدها من ملاحظات ابن خلدون, مما يثير تساؤلات:"إذا كان الانحدار قد بدأ بعد سقوط بغداد بمائة عام , فلماذا سقطت من الأصل؟"
هكذا يتواصل الاطراد في المجتمع كما في الفرد , حتى نقطة الارتداد والانكفاء, هنا تجمد الفكرة وتتجه المسيرة نحو الوراء, إذ ينقلب العالم الإسلامي على إعقابه،وهو منذ عدة قرون وجد نفسه في عصر ما بعد الحضارة:"المجتمع ما بعد التحضر ليس مجتمعا يقف مكانه،بل هو يتقهقر إلى الوراء بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها".


الحضارة والأفكار:

تطرق الكاتب لنقطة مهمة وهي الأفكار الدافعة،فالحضارات كلها بما فيها الإسلامية نتجت من الأفكار الدافعة، فان لم يكن للفكرة الدافعة نتيجة فلن يكون هناك حضارة،ومن هنا فإن دخول مجتمع ما حضارة هو حين يكون للفكرة الدافعة دور وظيفي:"إن دور الأفكار في حضارة ما لا يقتصر على مجرد الزينة والزخرفة..ففي فترة اندماج المجتمع في التاريخ يكون للأفكار دور وظيفي،لان الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة معينة"،وتختلف مدى فاعلية الأفكار ومدى عمرها من مثال لأخر حسب عدة عوامل مساندة من الأشياء والأشخاص وفي قوة الأفكار ..
كما تحدث ابن نبي عن مسؤولية المجتمع اتجاه الفرد وعن دور المجتمع في صنع الحضارة،كما عرفها بـ:"جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما, إن يوفر لكلّ عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره" ويشير إلى القوة المولدة للحضارة بمصطلح (التوتر)ويعرفه كالتالي "الظرف الذي فيه تضطر جماعة بشرية,للرد على تحد ما بعمل منظم".

الطاقة الحيوية والأفكار:

يوضح مالك أن اطراد اندماج الفرد يتدرج مستجيبا من ناحيتين: لطبيعته ولطبيعة المجتمع ،والاطراد يأخذ معنى يحدد للطاقة الحيوية  للفرد، و المقصود من الطاقة الحيوية كما فسّرها ابن نبي هي الدوافع الغريزية الفطرية في الإنسان كـ (دافع التغذية, دافع التملك, الدافع التناسلي).

هذه الطاقة الحيوية هي عامل بناءٍ وعامل هدم في المجتمعات وإذا حررناها ( الدوافع ) انهار المجتمع و إذا ألغيناها انهار أيضا،قائلا في هذا"إذن عندما نلغي الطاقة الحيوية فإننا نهدم المجتمع،وعندما نحررها تحريرا كاملا فإنها تهدم المجتمع لذلك يجب على الطاقة الحيوية أن تعمل بالضرورة ضمن هذين الحدين"
يضرب مالك مثالا على تكييف الطاقة الاجتماعية , عبر مقارنة بين مجتمعين (المدينة - أمريكا) في تجاوبهما مع نفس القانون (وحتى نفس خطوات تطبيق)،ويستنتج المؤلف من المثال السابق أن (التمحور حول الأفكار , يزيد من فعالية تكييف الطاقة الحيوية)
وحيث أن أي شكلٍ اجتماعي لبني البشر لابد وأن يكون له قوانين أو قواعد عرفية كانت أو مكتوبة تعمل من أجل تقنين هذه الدوافع الغريزيَّة, فإن أساس المشكلة يمكن تحديده في مدى ثبات وصلاح القواعد لمصلحة الفرد من جهة ومصلحة المجتمع ككل من جهة أخرى التي تختلف من مجتمع وآخر لاختلاف الثقافات. ويضرب الكاتب في هذا مثالاً عن تحريم الخمر في الإسلام وتحريمه في أمريكا مطلع القرن الماضي وكيفية التجاوب في المثالين, وكيف أن الأمريكان اصطدموا مع القرار وحاربوه ،في حين أن المسلمين تقبلوا الأمر تدريجياً إلى أن صارت عادة, هذان المثالان يوضحان أثر الخلفيّة الثقافية في الفرد. خلفية المسلم الصلبة وخلفية الأمريكي الهشّة. واستنتج ما يلي:"إن قدرة أي فكرة على التكيف ليست متساوية في مجتمعين لها أصول ثقافية مختلفة، وفي اطراد نفسه كما في المجتمع الإسلامي، على سبيل المثال، فان القدرة على التكيف تتغير من مرحلة إلى أخرى".

عــــــالم الأفكار:

قسم الكاتب الأفكار إلي قسمين الأفكار الأساسية الرائدة والأفكار العملية التاريخية؛النوع الأول يشمل المخزون الأخلاقي والديني كطبيعة العلاقة بين الأفراد وطريقة إدارة الأمّة,وهي أفكار مُورَثة يرثها الجيل عن الجيل السابق بدون إجراء أي تعديلات.
 والنوع الثاني يشمل الأفكار التقنية العمليّة فهي التي توجه- الأفكار الرائدة- وتضيف لها الجديد، و يورثها الجيل الذي يليه وهكذا.
و يري ابن نبي أن انتقال المجتمع من مرحلة إلى مرحلة تُعدل- بقليل أو بكثير -وسائله التقنية و في نفس الوقت تُقلب بصورة جذرية قاعدته الأخلاقية  ولن تؤثر التقنية علي الأشخاص في حالة واحدة ( إذا تحكم الإنسان في طاقته الحيوية ،ليس عالم ( الأشياء ) الذي يتبدل , بل عالم ( الأشخاص )،والوسائل التقنية لا تتجه نحو( الأشياء) إنما نحو (الأشخاص)،"على عتبة حضارة ما ,ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل, بل بصورة أساسية عالم الأشخاص"

ذكر أن لكل مجتمع ناشئ لابد له من سند مقدس يعتمد على،وتفقد الحضارة مقدساتها كلما اتجهت للتقنية وفي علاقة الأفكار بمقاييس النشاط يبين الكاتب أن هذه العلاقة لها مقاييس دونها ينهار المجتمع  هي كتالي:

1)المرتبة الأخلاقية/الأيديولوجية/السياسية " الأشخاص"

2)المرتبة المنطقية/الفلسفية/العلمية " الأفكار"

3)المرتبة التقنية/الاقتصادية/الاجتماعية"الأشياء"
وأكد أن الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها ،مثل الجسر سيئ البناء ينهار انتقاما لسوء بنائه،كذلك الحضارات تنهار بالطريقة نفسها ( مثل سقوط قرطاجة لخيانة أهلها مبادئهم)

وتوصل إلى أن انعدام الأفكار وضعفها في ثقافة مجتمع يحيله , إلى وسائل تعويضية مثل (التصنع البلاغي, التهويل)

------------------------

اقرأ أيضا:

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(1)

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(2)

التعليقات

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.