التنين الصيني وعالم العلاقات

تجولنا في المقال السابق في تجاويف عالم الأفكار الحافزة التي تسكن رأس التنين الصيني وتجلياتها في سياسات القيادات الصينية المعاصرة، وكيف أسهمت في بعث الأمل في قلوب الأمة الصينية. وعالم الأفكار الحافزة هو أحد أضلاع مثلث النهضة الصينية الحديثة، فالنهضة الصينية ضبطت عالم الأفكار أولاً ثم  ضبطت عالمي العلاقات والمشاريع، فإنزال الأفكار في دنيا الناس يمثل اختباراً حقيقياً لها من حيث صلاحيتها  وفاعليتها، وسنتاول هنا المحطات الكبرى التي صنعت عالم علاقات النهضة الصينية.

عالم العلاقات والأقدام الأربعة:

اعتمد التنين لضبط عالم علاقاته وفقاً لعالم أفكاره الجديد على أربعة أقدام رئيسة هي:

أولاً: القدم الداخلي

ثانيا: القدم المحيط

 ثالثاً: القدم الإقليمي

رابعاً: القدم الدولي

أولا: القدم الداخلي:

  يستند على تحديد طبيعة العلاقات بين القوميات والإثنيات المتعددة داخل التراب الصيني، فالصين توجد بها نحو 60  قومية وإثنية مختلفة، العديد منها كان يطمح قبل الثورة الماوية إلي الانشقاق والانفصال، ولكن الثورة الصينية وأفكارها الحاشدة  تجسدت في شعارها (صين واحدة ووطن واحد) لكل القوميات، مما ضبط نمط العلاقات بين مكونات المجتمع الصيني وجعلها تجنح نحو الالتئام والوفاق مع الوطن الأم، والحفاظ على المصالح العليا، ويتضح ذلك من خلال التعرف على:

 قضية تايوان:

 تقع جنوب شرقي الصين، وتطل علي المحيط الهادي، وتتكون من 88 جزيرة كبيرة وصغيرة، انفصلت عن الجسم الصيني في أثناء الثورة الماوية، وأسست نظاما سياسياً خاصاً بها بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلنت نفسها جمهورية مستقلة، ونالت اعتراف ما يقرب من خمسة وعشرين دولة بها.

  فكيف تعاملت الصين مع هذه المعضلة الكبرى؟؟ في ظل شعارها أن هناك صين واحدة لكل الصينيين، ووجود تحالف استراتيجي بين  أمريكا وتايوان يوفر الحماية الأمريكية لتايوان!!  مما يعني أن الاقتراب من تايوان سيشعل حرباً ضروساً بين الصين وأمريكا.

 طرقت الصين أولاً: طريق الحل العسكري واختبرت النوايا الأمريكية نحوها، وردت أمريكا بإرسال أساطيلها البحرية لتأمين تايوان عندما اقتربت القوات الصينية منها ، ثم جربت الصين الحلول السلمية،  وتوصلت لحل مؤقت لها  تحت شعار- ( نظامان في دولة واحدة) – بمعنى أن تتمتع تايوان بمعاملة خاصة من حيث الإبقاء على نظامها الرأسمالي وتتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي عندما تعود إلى التراب الصيني، ونتجت عن هذا التصور العلاقة الجديدة بين الصين وتايوان، وخف التوتر إلي حين، وتدفقت الاستثمارات التايوانية إلي الصين بنحو 40 مليار دولار، وأصبحت تايوان تمثل رأس جسر للمنتجات الصينية نحو العالم الخارجي عبر نظامها المصرفي الرأسمالي .

 وهكذا جنحت الصين في عالم علاقاتها الداخلي نحو التهدئة والاتزان وتجميع شمل القوميات والمناطق الصينية بأقل الخسائر الممكنة  تحت العلم الصيني، بما في  ذلك منطقة هونج كونج و مكاو، ومازالت تسعي في هذا السياق لحل مشكلة التبت وغيرها من المشاكل الداخلية.

ثانيا: القدم المحيط:

تقف عشرين دولة على أطراف أصابع التنين من كل الجهات الجغرافية، وبحكم الاحتكاك والتنافس وقعت حروب كبرى بين الصين والعديد من دول الجوار قبل قيام الثورة الماوية وأثناءها، وأشهرها حروب التنين مع اليابان، والتي بلغ عدد ضحاياها خمسة عشرة مليون صيني، ووقعت حرب  بين التنين والفيل الهندي بسبب خلاف حدودي، ووقعت خلافات أيديولوجية بين الدب الروسي والتنين قادت إلى قطيعة تاريخية استمرت عقوداً، ووقعت الحرب الكورية علي حدود التنين. هكذا بدا المشهد قُبيل قيام الثورة الماوية وأثناءها، فكيف تغير عالم العلاقات نحو الإيجابية بين الصين وجيرانها؟؟؟

القيادات الصينية الجديدة التي تربت في أحضان الثورة الماوية أدركت أن الاستمرار في الصراعات والحروب والقلاقل  بين دول الجوار يتنافى مع مستلزمات النهضة،  فاتبعوا فلسفة جديدة تُعرف (بتصفير المشاكل) مع دول الجوار، فتم التصالح مع الفيل الهندي والدب الروسي، بل تطور الأمر لطرح فكرة تحالف حضاري عالمي جديد بين كل من روسيا والهند والصين فيما يُعرف بمثلث بريماكوف، وتم في هذا الإطار توقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية للثقة المتبادلة والتنسيق المشترك بين الصين وروسيا في إبريل 1997 ، كما تم تهدئة النزاع مع اليابان وتدفقت الاستثمارات اليابانية على الصين حتى بلغت قرابة 200 مليار دولار، وبفلسفة حل المشاكل مع دول الجوار والتجاوز علي الآلام التاريخية تم تحسين عالم العلاقات بين التنين وكل دول الجوار مما فرغ الجهد الصيني نحو البناء والنهضة وليس نحو شن المعارك وتشتيت الجهود.

ثالثاً: القدم الإقليمي

هو البيئة الإقليمية الأسيوية التي تتخطي دول الجوار المباشرة للصين لتشمل جهات جغرافية من قارة أسيا مثل دول شرق أسيا (النمور الأسيوية) ودول غرب أسيا (الدول العربية) وغيرها من أجزاء قارة أسيا. سعت الصين إلي تدعيم العلاقات التاريخية بينها وبين دول القارة الأسيوية جمعياً وضبطها بما يخدم مصالح النهضة الصينية الحديثة، فكونت واشتركت في العديد من التحالفات والمنظمات الإقليمية بينها وبين دول المنطقة، وأسست العديد من المنتديات الإقليمية مثل (منتدى التعاون العربي / الصيني)، ورابطة جنوب شرق أسيا (اسيان) التي تضم الصين وستاً من الدول المؤسسة بروناي واندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند، بالإضافة إلي 'منتدى شنغهاي' الذي تكون في أول الأمر من: الصين وروسيا وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان. وعبر العديد من هذه المنتديات والمنظمات الإقليمية تحسنت العلاقات الإستراتيجية (عالم العلاقات ) بين الصين  ودول القارة بما يخدم مصالح الجميع .

رابعاً: القدم الدولي :

 بالتوازي مع ضبط الصين  لعالم علاقاتها  في الوسط الداخلي والمحيط والإقليمي سعت  لضبط عالم علاقاتها بالنظام الدولي وبما يخدم مصالحها ويمكنها من فتح الأسواق العالمية الكبرى أمام بضائعها ومنتجاتها ويفتح المجال  لجلب رؤوس الأموال العالمية للاستثمار في البيت الصيني.

 وقد أرجع الرئيس دينج عام 1984 تأخر النهضة الصينية في أيامه إلي انغلاق الصين وعزوفها عن الاتصال بالعالم الخارجي وقال:" لا ينبغي للصين أن تظل أبوابها موصدة أمام العالم الخارجي "

وانطلاقاً من هذه المقولة سعت الصين لترتيب عالم علاقاتها الدولي من أجل الانفتاح علي العالم الخارجي عبر العديد من الإستراتيجيات والمنظمات والهيئات . وقد نجحت إلي حد كبير في هذا ونالت تعاطف كثير من الشعوب وخاصة شعوب العالم النامي، وخاصةً أن التنين لم يتورط في أي أعمال عسكرية  عدائية خارج التراب الوطني، - يعتبر العديد من المراقبين أن الصين المنتصر الأكبر عالميا من خلال عدم تورطها في حرب الخليج الأخيرة - وبذلت الصين جهوداً جبارة في التفاوض من أجل الدخول للمنظمات العالمية الاقتصادية، فقد ظلت طوال 15 عامًا تفاوض للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، ولم تحصل على هذه العضوية سوى في عام (2002)، وانضمت الصين إلى مجموعة (الـ 77) وأنشأت كلاً من (منتدى التعاون الصيني /الأمريكي اللاتيني) و( الصيني / الأفريقي ).

   ومما سبق يتضح مدي الجهد الصيني المبذول في شق عالم علاقات جديد وسط  صخور الداخل الصيني المتنوع والإطار الدولي المحيط، والإقليم الأسيوي الحاضن والنظام العالمي الجديد في سبيل البحث عن رؤوس جسور لفتح الأسواق العالمية أمام المنتج الصيني وتوفير شريان تدفق مالي للاستثمار في داخل الجسد الصيني

----------------------------

اقرأ أيضا:

التنين الصيني وعالم الأفكار

التعليقات

نستفيذ

نستفيذ ان الاستقرار السياسي ضرورة حتمية يجب تحققه كاولوية او تثبيته و هذا وارد في مصادرنا
نستفيذ ايضا فقه الجوار ان صح التعبير السياسي الذي يدعم الاستقرار
و اهم استفاذة هي "القدم" مصدر الفضيلة الموروثة و نفسها ستؤدي الى نفس النتائج السبقة للصين و هنا الفكرة الميتة لامة الصين اي انها ستعود لتنغلق بسنة كونية و الله اعلم و لكن يبقى ما يهمنا نحن وهو اننا لم ندرك ذاتنا بعد و غالبا ما يذهب القراء الى التشبيه و التقليد قبل ان يدرك الذات ليعرف كيف و الى اين التوجه بها شموليا و ياتي بعدها التطبيق و يظهرفي لتوجه المجموعة الحضارية ثم الاقليمية ثم الفردية . وهذا يؤكد اهمية الانطلاقة الفكرية
تقبل مروري اخي الفاضل

المجموعة الحضارية:
هي مجموعة الامم او الحضارات التي نشاءت قبل الاسلام و استمرت في اسلامها ولها طابعها المميز كالحضارة المادية الفارسية و جزء من الاسيوية عموما و غيرها التي لها جذور حضارية مادية قديمة سهلت لها ركوب الموجة الحضارية الاسلامية اي الكاملة و الاتحاد فيها.

نظرة سياسية علمية ثاقبة

نظرة سياسية علمية ثاقبة ..استمتعت بالمقال وما يحويه من معلومات كانت تبدو للوهلة الاولى مملة وكغيرها من الاطروحات .
شكرا لك استاذ ياسر الغرباوي.

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.