العقبات الوسطى أمام التجديد الديني

في اتصال ببرنامج (الشريعة والحياة) الذي يعرض في قناة الجزيرة، سأل أحدهم : لماذا لانجد مذهبا جديدا ينسب للشيخ القرضاوي، فقال الشيخ: لا يوجد لي مذهب ولكن اختيارات، وفي لقاء الشيخ يوسف القرضاوي مع تلامذته ومحبيه الذي عقد بالدوحة قبل سنتين تقريبا، قال إن الكليات الشرعية لا تؤهل الطالب للتعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل مباشر، بل تؤهله للتعامل مع أقوال العلماء، فهو لا يملك النفسية ولا الآليات العلمية التي تتيح له التعامل المباشر مع النص، بالنسبة لي كان هذا التصريح جديدا وخطيرا، فكتابات القرضاوي لا تدل على هذه النتيجة، وكأنها نتيجة توصل لها أخيرا، كان الإصلاحيون في نهاية القرن التاسع عشر ينادون بالتعامل المباشر مع القرآن والسنة، وهذا ما دعا الإمام محمد عبده إلى طرح نظرية (العبور إلى النص)، والقارئ في تفسير المنار يدرك أهمية هذه الخطوة، إلا أن هذه النفسية تراجعت ودار السجال بين الإصلاحيين والمحافظين، وتراجع الإصلاحيون لأسباب كثيرة حتى حسم الأمر في نهاية القرن لصالح المحافظين، والطريف أن المحافظين باتوا اليوم إصلاحيين بالنسبة لمن هم أشد محافظة، فالشيخ القرضاوي محافظ أمام مدرسة المنار لكنه إصلاحي أمام المحافظين اليوم، وهذا من خيبة الحال.

أعود للحديث عن الكليات الشرعية التي يفترض بها أن تكون رافدا للإصلاح الديني، لكنها وفقا لتوصيف الشيخ القرضاوي أصبحت عائقا أمامه، الكليات الشرعية في السعودية مثلا تمثل رافدا لخطين مهمين أئمة وخطباء المساجد ومدرسي المواد الإسلامية في مدارس التعليم العام، والأعداد المتخرجة ليست بالقليلة، فهي تضخ سنويا أعدادا هائلة في اتجاهين رئيسين ومنبرين لعامة الناس وللأطفال بشكل خاص، ومع صعوبة التوظيف وقلة الراتب، بات لا يتجه إلى هذه التخصصات إلا أصحاب النسب المتدنية في المرحلة الثانوية، لم يكن أثر هذا ملحوظا في السنوات الماضية، لكني ألاحظه اليوم في التعامل مع خريجي الكليات الشرعية -ولست أعني الكل بالطبع-، أحب تسمية هؤلاء بـ (الطبقة الوسطى) أو بالأصح (العقبة الوسطى)، يقابلهم في الصف الأول (العلماء الرسميون، ومراكز وهيئات الإفتاء، وأساتذة الجامعات)، والمدهش أن الصف الأول أكثر انفتاحا من الطبقة الوسطى، وأكثر تفهما، بل تسمع في المجالس الخاصة آراء لا تكاد تصدق أذنيك مما تسمع، لكن الخوف يجعل الآراء همساً، والسبب الرئيسي هو خشية فقد الجمهور، والخروج عن وصف العالم الجليل الثابت على رأيه الصادع بالحق... الخ، بل الغريب أن خوف بعضهم من وعاظ الطبقة الوسطى هو الدافع أمام الصمت، فبت لا تدري من يقود من في مشروع الانغلاق.

في المنتج المقروء والمسموع تكون الكتيبيات الوعظية -التي تراجعت كثيرا- و البرامج الفضائية الوعظية هي الامتداد لهذه الطبقة الوسطى، فصرنا نتحدث الآن عن (العقبات الوسطى) وليست عقبة، وفي ضوء التحالف بين هذه القوى والفاعل السياسي ستظل هذه الكليات تستمر بالضخ، في حين يصعب على قوى الإصلاح الديني مواجهة هذه الأعداد، هي في الحقيقة مشكلة ليست بالهينة على الإطلاق، ولا أحاول تضخيمها وتعقديها بقدر ما هي ضخمة ومعقدة فعلاً، لكن التاريخ يشير إلى أن تحولات الأفكار لا تؤمن بهذه الطريقة المنطقية في الحسابات، وهذا هو الجميل في عالم التغيير، فالسياق الاجتماعي والثقافي والتراكمات السياسية وغيرها قد تغير الاتجاه وتساعد في التغيير الفكري.

الإعلام الجديد بكافة أشكاله فتح بوابة للوصول إلى الشباب لم تكن في الحسبان، والتدريب لو أتقناه واستطعنا ممارسته بشكل صحيح بعيدا عن الاستثمار المادي المهووس لشكل طبقة من المؤيدين للفكرة وربما العاملين لها، التدريب يوصف بأنه أكثر أشكال التثقيف بطئا لكنه أكثرها فعالية، وتشير بعض الكتابات إلى اعتماد المؤسسات المدنية الأمريكية عليها في التغيير الفكري في العالم الثالث، وأن التغيير السياسي في صربيا مثلا نتيجة الحركة الطلابية كان امتداداً لهذه البرامج التدريبية، وهذا سبب اتهام الحكومة الإيرانية للغرب بالتدخل في الاضطرابات الأخيرة.

هل من المجدي أن نؤسس لاتجاه جديد في الوعظ؟ اتجاه مبني على رؤية إسلامية نهضوية جديدة؟ لست متحمسا بشكل كبير للوعظ، لأنه يسطح الفكرة وربما يقتلها، لماذا لا نتحدث عن قراءة أخرى للقرآن الكريم؟ أي إيجاد تفسير جديد للقرآن، وقراءة للسنة، وقراءة للسيرة النبوية، الناس لا يريدون الفلسفة المركبة بقدر حاجتهم ورغبتهم في سماع منتج الفكرة وهي القراءة للنصوص، وستبقى الفنون هي الوسيلة الرائدة لتجسير وتبسيط الأفكار، الفنون تبسط الفكرة وتحافظ على عمقها، تقرب الفلسفة دون أن تغتالها، علينا أن نشجع الرواية والمسرحية والسينما، لكن علينا أولا أن نعترف بالفن للجمال، وليس بالفن للفكرة، ولا ثمة جمال دون فكرة، على الفنان أيضاً أن يدرك ذلك.

التعليقات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.