العمل الجماعي.. التأسيس ل"علم الثقافة" (2)
العمل الجماعي هو أهم السمات التي يجب على المجتمع أن يكون قادرا عليها، فالعمل الجماعي يعني أن منظومة المجتمع تعمل "ككل" والعمل ككل مشترك أفضل -طبيعة الحال- من العمل فرادى.
لكن ولكي ننجح في العمل الجماعي فإنه من الأفضل دراسته دراسة علمية تشرح البناء العلمي خاصته..! فكل شيء في هذا الكون له بناء علمي في نهاية الأمر والعمل الجماعي ليس استثناء!
إن أهم شرط منطقي لنشوء العمل الجماعي هو"أن يكون التشبيك البيني بين أفراد المجتمع على أشده"، ولهذا فمرة أخرى نجد أن المسئول عن جودة العمل الجماعي هو المشتركات المعرفية الراقية المواكبة لعالم متسارع التطور! ولا يبقى سوى الإتيان بالإحصاءات المتخصصة بإحصاء نسب انتشار "المشتركات المعرفية" الراقية المستمدة من نسب القراءة العالية للكتب الثقافية العالة في المجتمعات، لعمل مقارنات بين الشعوب القارئة "بنهم" والشعوب غير القارئة للتأكد من صحة "علاقة التناسب الطردي" هذه..!
فالبناء النظري للقضية يخبرنا أن المسئول عن العمل الجماعي هو المشترك المعرفي الأرقى المواكب لعالم متسارع التطور والمستمد من نسب القراءة العالية للكتب الثقافية العامة، لكن هذا "البناء النظري" سوف يبقى بدون دليل علمي عليه طالما لم تظهر الإحصاءات المختصة التي تثبت صحة هذا البناء النظري..! وإلى أن تتوفر هذه الإحصاءات فإننا سنبقى نعمل على الجانب النظري للقضية ومحاولة فهم القضية بشكل أعمق.
إن من أهم شروط العمل الجماعي هو ظهور سلوك "متشابه" مشترك..! وهذا أمر منطقي جدا..! فمن أهم سمات أي عمل جماعي هو أن قسم كبير منه يظهر على شكل سلوك مشترك في الكثير من الأمور.. طبعا إلى جانب الكثير من السلوكيات المختلفة المتممة لهذا العمل المشترك!
وللحصول على "سلوك" مشترك لابد لنا من "معرفة" مشتركة..! هذا الشرط هو أمر "لا" يمكن تجاوزه في حال أردنا الحصول على عمل جماعي في نهاية الأمر..! فسلوك الكائن البشري في نهاية الأمر هو نتيجة لطبيعة المعلومات المتواجدة في دماغه..! فإذا كانت المعرفة المتواجدة في عقول ذلك المجتمع تعاني من نقص شديد في المعرفة "المسئولة" عن التشبيك البيني في عالم متسارع التطور... فإن "النتيجة المنطقية" هو "عدم قدرة" هذا المجتمع العمل بشكل جماعي بالشكل المطلوب! والبديل الطبيعي لهذا "النقص" هو ظهور سلوك "مفكك" غاية في الضعف وفي الأداء على المستوى الجمعي..! ولا نجد في هذا المجتمع سوى بعض الانجازات "الفردية" الاستثنائية التي لا تجد امتدادا لها داخل ذلك المجتمع "المفكك"..!
الغريب في الأمر أن "النوايا الحسنة" لا تلعب ذلك الدور الكبير في القضية! طالما أن المكون الأساسي المسئول عن التشبيك البيني وبالتالي العمل الجماعي مفقود..! ففقدان التشبيك البيني (بسبب عدم مواكبة عالم متسارع التطور) يجعل المجتمع "مفكك" رغما عن انفه! وهذا الأمر يؤثر سلبيا في "كل" شيء في ذلك المجتمع. وهذا ما يمكن ملاحظة في المجتمعات غير القارئة..!
فالمجتمعات غير القارئة هي مجتمعات مفككة، ولهذا فهي غير مستقرة سياسيا، ضعيفة اقتصاديا، غير قادرة على الإبداع والإدارة، علاقات الجوار مع جيرانها من الدول في أسوء حالاتها، وأيضا هي ضحية سهلة للتدخلات الأجنبية "بل" وعالة عليها..! وكل ما هو مطلوب هو إحصاءات نقوم من خلالها "بالمقارنة" بين أداء الشعوب "المشبعة" بالمشتركات المعرفية الراقية والشعوب الفقيرة بتلك المشتركات الراقية من منظور جودة العمل الجماعي. وبهذا "نثبت" هذه القضية بشكل كامل وعلمي ومقنع للجميع، الأمر الذي يؤدي إلى "تغيير" العالم إلى عالم أفضل!
وحتى نفهم المزيد من القضايا الجوهرية المرتبطة بالشق الثاني لمنظومة المعرفة أي الشق المشترك دعونا ننتقل إلى الفقرات التالية .. وهو ما سنتاوله في الحلقة القادمة.
-----------------------------------------------------
اقرأ أيضا:

التعليقات
أضف تعليقاً