مـا مدى أهمية القراءة للمجتمع؟ التأسيس لـ"علم الثقافة" (1)

لا شك أن الجميع يجمعون على أهمية القراءة، لكن المشكلة أن كل ما ذكر في حق القراءة لا يتعدى كونه "مديح" بشكل أو بآخر..! مع أن المديح "المباشر" في هذا الزمان لم يعد سلعه يرغب بها أحد. حتى الإعلانات التجارية لم تعد تمارس المديح السطحي المباشر لمنتجاتها، إذ صارت تفضل أساليب أخرى غير مباشرة مثل "إظهار" ميزات منتجاتها بطريقة علمية أو "رعاية" برامج تهم المجتمع أو حتى إسداء "نصائح" له، فالكل يحاول أن يكون جزء من عملية تنمية المجتمع التي تعود بالفائدة على الجميع في نهاية الأمر..! 

ففي زمن العلم أصبح لزاما علينا دراسة أهمية القراءة للمجتمع بشكل أعمق، ونتخطى مرحلة المديح السطحي لها، والولوج إلى دراسة علمية جادة لدور المعلومة الثقافية في "تنمية" المجتمع! فعلى ما يبدو أن المديح الحالي لم يقدم أو يؤخر في قضية "إقناع" المجتمع بأهمية القراءة..! 

إن أساليب إقناع الآخر متعددة، وفي تقديري إن أفضل وسائل الإقناع هي "الإثبات العلمي"، فالدليل العلمي هو "سيد" الأدلة..! 

فهل يمكن دراسة أهمية القراءة للمجتمع دراسة علمية صرفة..؟! 

إن المطلوب هو "فهم" المسارات التي تسير فيها المعلومة الثقافية عندما تلج عقول أفراد المجتمع، والتعرف على التفاعلات التي تحدثها لذلك المجتمع أثناء سريانها في العقول.. تماما كما يفعل العلماء عند دراسة أي جزيء في أي منظومة في الكون..! 

image وحتى نميز المعلومة الثقافية عن غيرها من المعلومات علينا أيجاد "بصمتها" الخاصة بها وهويتها الفريدة، عبر "التوصيف" العلمي لها، والذي من خلاله نستطيع رصدها أثناء مسيرتها في العقل الجمعي لذلك المجتمع! حينها فقط نستطيع أن نفهم ما الذي يحدث من حولنا، وننتهي من مرحلة المديح الساذج لها "الغير" مؤثر أصلا في الآخرين..! 

إن أول شرط علينا الأخذ به للولوج في هذه العلمية هو محاولة "تصنيف" المعلومة الثقافية وتمييزها عن المعلومة "التعليمية" المتخصصة، للحصول على "البصمة" المميزة لها. فهل يوجد أصلا فارق حقيقي بين المعلومة المتخصصة والمعلومة الثقافية والتي مصدرها الكتب الثقافية المعرفية "غير المتخصصة"؟! 

بداية نلاحظ أن المعلومة المتخصصة تخص عدد معين من الناس وهذا أمر طبيعي ومنطقي، إذ ليس من المنطقي أن يكون الجميع أطباء ومهندسين وحرفيين في نفس الوقت. والسؤال الآن إذن هو: هل كل المعلومات البشرية هي معلومات متخصصة..؟! 

في الحقيقة "المعرفة" في مجموعها تنقسم إلى قسمين رئيسيين؛ معلومات "متخصصة" ومعلومات "مشتركة" بين الناس! فاللغة –على سبيل المثال- هي مشترك معرفي، والدين هو أيضا مشترك معرفي، والعادات والتقاليد والتاريخ، وكل معلومة "ما" تتواجد عند غالبية المجتمع هي "مشترك معرفي". 

فإذا كنا نعيش في عالم متسارع التطور فهذا يعني "منطقيا" أن علينا تطوير "شقي" منظومة المعرفة أي الشق "المتخصص" والشق "المشترك" حتى تعمل المنظومة "ككل" بشكل جيد! 

فإذا كان تطوير الشق المختلف المتخصص يتم عبر تطوير التعليم المدرسي والجامعي وإيجاد كل أدوات ذلك التعليم.. فماذا عن تطوير الشق الثاني من منظومة المعرفة؟! 

قبل الإجابة على هذا السؤال علينا أولا الإجابة على هذا السؤال التالي... "هل حقا توجد حاجة لتطوير الشق الثاني من منظومة المعرفة أي الشق المشترك لها"؟! 

وحتى نجيب على هذا السؤال علينا قبلها فهم الدور الحقيقي "للمشترك المعرفي" في دورة حياة منظومة المعرفة البشرية! 

في الحقيقة يمكننا بكل بساطة فهم دور المشتركات! فهي على سبيل المثال لا الحصر تعمل على التشبيك البيني بين عناصر أي منظومة سواء بشرية أو غير بشرية..! فعلى مستوى المنظومة البشرية تعمل المشتركات المعرفة على التشبيك البيني بين البشر! فأنا الآن أتواصل معك قارئي العزيز عن طريق مشترك معرفي يسمى اللغة العربية. فهذا أحد أهم أدوار المشتركات المعرفية وهو التشبيك البيني بين البشري.  

فبدون المشتركات المعرفية يتفكك المجتمع في مجموعه الكلي ويصبح عاجزا عن أي شكل من أشكال العمل الجماعي، ولما لا وهو لا يملك التشبيك البيني الكافي لكي يكون قادرا على العمل الجماعي في عالم متسارع التطور! فتطور المتسارع لعالمنا المعاصر "يفرض" علينا تطوير كل شيء، وعلى رأسه طبعا تطوير منظومة المجتمع المعرفية! 

ولو قامت جامعة ما بعمل الإحصاءات اللازمة للتحقق من هذه النقطة، فإن هذا الكلام سوف يتحول إلى "مشروع عالمي" بامتياز يجلب "المجد والشهرة" للعاملين عليه أفرادا ومؤسسات! 

لكن ما هو المصدر الرئيسي للمشتركات المعرفية "الراقية" المطلوبة لتطوير الشق الثاني من منظومة المعرفة؟! الحقيقة إن المصدر "الأساس" هو الكتب المعرفية القادرة على التواجد في جميع العقول "دون" الحاجة إلى التخصص! أي الكتب الثقافية العامة. 
 

فكل ما هو مطلوب (عبر الإحصاءات) هو أظهار "علاقة التناسب الطردي" بين انتشار المشتركات المعرفية الراقية وبين قدرة ذلك المجتمع على أشكال العمل الجماعي! فمن خلال هذه الإحصاءات (التي "تميز" بين الأمم ذات نسب القراءة العالية والأمم غير القارئة) يمكننا عمل مقارنة لمعرفة الفروق الجوهرية بين الفريقين وهذه دراسة "لا يجوز" أبدا أن تفوتها أي جامعة! 

إذ ببساطة يمكن فهم القضية بالشكل المنطقي التالي: لو قمنا بنزع كل ما هو مختلف (سواء معرفي أو غير معرفي) بين الناس فإن الجميع سوف يكون عبارة عن نسخ متطابقة، وهذا أمر يؤدي إلى الجمود الفكري وانعدام التفاعل والتلاقح والتركيب. فالتنوع هو الذي يضمن التفاعل والتركيب بين عناصر أي منظومة. لكن لو قمنا بنزع المشتركات المعرفية، وأبقينا المختلف المعرفي، فإن المجتمع سوف يفقد كل أشكال التواصل والتشبيك البيني بين عناصره وبالتالي "التفتت" والتصادم كنتيجة حتمية، ويكفي أن نقول أن المجتمع قد فقد حتى لغة التواصل اللغوي..! 

لهذا فإن تطوير المشترك المعرفي في عالم متسارع التطور هو "حتمية" لا يمكن إهمالها...!!!! 

وهذه هي البصمة العلمية للمعلومة الثقافية.. إنها "المشتركات المعرفية الراقية" المطورة للشق الثاني من منظومة المعرفة، في عالم متسارع التطور..! 

وحتى نزيد من المشتركات المعرفية الراقية لمجتمع ما علينا زيادة نسب القراءة للكتب الثقافية العامة لذلك المجتمع، "وليس" زيادة قراءة الكتب المتخصصة..! 

وحتى نزيد من نسب القراءة العامة للكتب الثقافية علينا "إقناع" المجتمع بأهمية القراءة وهذا هو جوهر المشروع! فهذا المشروع هو "آلية" لإقناع المجتمعات بأهمية القراءة الثقافية وذلك عن طريق إثبات ذلك علميا عن طريق عمل الإحصاءات اللازمة لإثبات "البناء النظري" العلمي الذي أطرحه للقضية برمتها! 

فإذا قامت جامعة ما بعمل الإحصاءات اللازمة المتخصصة في إحصاء نسب القراءة الثقافية لدى شعوب العالم، حينها يمكن إثبات الكثير من الأمور الجوهرية التي تقوم بها المعلومة الثقافية ولا تستطيع تعويض دورها المعلومات المتخصصة! 

حينها سوف نفهم دور المعلومة الثقافية -أي المشترك المعرفي- في كم هائل من الأمور الجوهرية التي لا يستطيع المجتمع أن يعيش بدونها، وفي هذا الكتيب سوف نختار بعضها منها بشكل عشوائي وليس كلها لكثرتها (فإنا لا أزال باحث عصامي أبحث عن مؤسسة تتبنى أبحاثي التي على رأسها مبحث "علم الثقافة") التي لا تحصى وللدلالة (عبر الاختيار العشوائي) على شموليتها، فدور المشتركات المعرفية يشمل كل شيء، فهي المشترك "الكلي" الذي يـُبنى عليه كل شيء في نهاية الأمر!

التعليقات

غالبنا يعترف بأهمية القراءة

غالبنا يعترف بأهمية القراءة ولكن لا أحد يعرف بالضبط ((لماذا)) هي مهمة وأعتقد أن هذا من الاسباب الجوهرية التي تجعل أغلب المجتمعات عازفة عن القراءة.

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.