المدينة في القرآن..النبي صلى الله عليه وسلم والمنافقون

(لئن لم ينته المنافقون في المدينة والمرجفون لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا)

هناك اختلاف جذري في التعامل القرآني مع مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالمدينة فيما سبق قرية، ولكنها توصف في حالات معينة بأنها مدينة، ولكن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم على العكس تذكر باعتبارها المدينة وفقط.

بطبيعة الحال، نشأت المدينة مدينة مع القيادة النبوية واستمرارية هذه القيادة هي التي نقلتها بالتلقائية من القروية إلى المدينة، فالعنصر المشترك بين كل المدن كما ذكرت في القرآن هو الملأ و ميزة ميدنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي وجوده على قمتها صلى الله عليه وسلم.

لكن هناك سمة رافقت التصريح بذكر المدينة النبوية في القرآن، ونبحث في تطور هذه السمة وفقا لترتيب الآيات حسب وقت نزولها، ونستطيع تتبع تطور الحال مع حوادث السيرة النبوية ذاتها، كما يعيننا هذا على تقديم تصور متكامل للنظرة القرآنية للتجمع البشري والعمران وتطوره.

السمة الملازمة للمدينة النبوية في القرآن هي وجود فئة المنافقين، ويجب التنبيه على وجود خلاف بين المفسرين ورواة السير حول التراتب الزمني بين الخندق والمريسيع غزوة بني المصطلق، والآية التي نتناولها نزلت في غزوة الخندق، ولكني أميل لكون الخندق أسبق من بني المصطلق لعوامل تتعلق بتحركات المسلمين بعد أحد والتي لم تشتمل على سرايا كثيرة، بل وقع استهداف واضح لكيان المسلمين تمثل في غجر بني النضير وحادثة الرجيع، والسرايا التي خرجت كانت غالبا ذات تأثير محدود لتأديب الأعراب، ولكن بعد الخندق انكسرت حدة كل ذلك واتخذ تحرك المسلمين بعدا أقوى وأكبر حجما.

على العموم، كان الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم والمنافقين، مكتوما حتى خرج إلى السطح بعد خذلان عبد الله بن أبي كبيرهم للمسلمين، وانسحابه بثلث الجيش، وكان المظهر الأخير للاعتبار السيادي لابن أبي تلاشى مع عدم السماح له بالقيام خطيبا يوم الجمعة محفزا المسلمين على الاستماع لخطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ما عنى بالضبط المواجهة بشكل ما، وهو ما كشفته تحركاته مع بني النضير.

الآيات التي صدرنا بها المقال، هي أول الآيات نزولا متضمنة لفظ المدينة، على افتراض سبق غزوة الخندق على بني المصطلق، وتضمنت تحذيرا واضحا للمنافقين بأنهم إذا لم يمتنعوا عن إثارة القلاقل فسيتم إخراجهم من المدينة، فتحركات النبي صلى الله عليه وسلم وفقا للوحي لم تتضمن حتى تلك اللحظة السماح له بإخراجهم.

لعل الحكمة من ذلك تعويد المجتمع المسلم على وجود هذه الجراثيم بحيث يتم كشف خطاياهم مرة بعد مرة، ثم تعرية سلوكهم ليكونوا عبرة لمن اعتبر.

كان السلوك المنافق يتمحور حول تثبيط المعنويات، وكل تثبيط للمعنويات هو سلوك مضاد لمعنى الإيمان بالله ووعده لرسوله صلى الله عليه وسلم، وفي المقابل مدح الله الصادقين : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).

 من المهم أن نلفت النظر إلى أن المنافقين احتفظوا بقاموسهم المميز لهم، عبر استخدامهم لكلمة يثرب كما حكى الله عنهم : ( يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا)، وهذا يدل على تحيزاتهم القبلية، ورغبتهم في بناء كيان اجتماعي مميز يخص الأوس والخزرج، وليس حتى الأنصار، وهذه حالة معرفية تعبر عن اتجاه مناهض للمدينة كدولة ذات كيان ومرجعية وقيم.

وكان الإرجاف سمة مميزة لهم، أي بث الشائعات، وإذا قرأنا السيرة وجدنا أن الفترة التي نقضت فيها بنو قريظة، مرت فيها فترة كان المسلمون غير متأكدين من موقف اليهود، حتى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يتأكد نم موقفهم، ما يدل على عمل المنافقين في نشر خبر غدر بني قريظة.

على أن التقسيم القرآني من الدقة بحيث ميز بين المنافقين والذين في قلوبهم مرض و المرجفون، فالمنافقون هم كبارهم وزعماؤهم الذين كفروا وقد أضاف الله المفر إليهم في القرآن في أكثر من موضع.

أما الذين في قلوبهم مرض فهم أقل رتبة ودرجة وإن كان يتصور الكفر في حقهم، لأن الله وصف الكافرين بقوله ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)، فهؤلاء في منزلة من يشفى أو يشقى.

والمرجفون هم الفئة الثالثة وهم يتنوعون بين الصنفين السابقين لكنهم أضعف شخصية منهم، وأقل تأثيرا لكنهم هم الخلية المحركة لكل الأخبار، والذين يقدمون التحليلات المخوفة، ومنها ( يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ).

ومنها قول بعضهم فيما روي : محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب لقضاء حاجته.

لكن لماذا نزلت الآيات وذكرت المدينة وحذر الله المنافقين بعد غزوة الأحزاب وليس أحد.

في أحد قال تعالى ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال)، وفي الأحزاب ( لئن لم ينته المنافقون والمرجفون في المدينة).

إن استواء المجتمع المسلم وقدرته على حماية نفسه من الأعداء الظاهرين داخليا وخارجيا، وإعادة تعريفه لنفسه عبر التمييز بين المنافقين والمؤمنين، ووجود النبي صلى الله عليه وسلم كقيادة والصحابة كمجموعة قيادية، هو الذي صنع المدينة بعد أن كانت يثرب القبلية والتمزق.

التعليقات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.