العبادة طريق النهضة (نظام الأفكار الحاكمة 5)

يبدو العنوان غريباً بعض الشيء! فهل العبادة لها علاقة بالنهضة!؟ إن السؤال الأول الذي سنواجهه حينها هو "هاهي أمم كثيرة تشق طريقها ناهضة وحظها من العبادة يقل في مجموعها عن عبادة شهر رمضان في بلد مسلم واحد!! فكيف تنهض وحظها من العبادات قليل؟ وحظنا منها في كل الأحوال أكبر منهم ونحن على حالنا لا نتقدم؟!" ها نحن من أول خطوة في الموضوع نواجه سؤالاً محيراً فعلاً، فحتى لو قلنا أننا لسنا ممتازين في العبادة ولكن القليل الذي نقوم به أكبر بكثير من بقية الأمم هكذا تبدو الصورة للوهلة الأولى على الأقل.

لكن ما هو معنى العبادة المرتسمة في العقل الجمعي ومن أين تكونت هذه الصورة في أذهاننا؟

نحتاج إلى أن نرى العقل في تشكله منذ سنينه الأولى.. حين يؤمر بالعبادات العينية (صلاة وصيام...الخ) ويركز عليها، وتوضع في الظل صورة العبادات المتعدية (التي يتعدى نفعها لغيره كالعمل الاجتماعي ونفع الآخرين وبناء المجتمع النموذج والفضاء العام)، حينها تبدأ أول ملامح معنى العبادة تتشكل في العقل الباطن، ثم يدخل هذا الطفل المدرسة، ولنفترض أنه في دولة يأخذ الدين فيها حظه من التدريس، وسيدخل ليتعلم مادة الدين، وسيجد أن الحديث يدور حول العبادات العينية باستمرار، ومرة أخرى ستكون العبادات المتعدية في الظل وعلى الهامش، فالعبادات كما نقرؤها في كتب الفقه تبدو شأناً فردياً متعلقاً بالفرد في صلاته وصومه وحجه وزكاته ومعاملاته بيعاً وشراء ونكاحاً، وهي المباحث التي يقرؤها الفرد العادي وتعنيه، فلا غرو أن تنطبع في ذهنه كحقيقة موضوعية عن مفهوم العبادة، إنها وسيلة نجاة فردية! ولننظر لهذا الشخص وقد كبر وفتح كتاباً في التفسير يقرأ فيه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فيجد قولاً مثل" ليذعنوا" أو "للتذلل لأمرنا" أو ليقروا بعبادتي طوعاً"هل تحسنت الصورة أم ما زالت كما هي؟ ها هو يذهب إلى المسجد، ويستمع للمتحدث يوصيه بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم لا يلتفت لسيارته التي تسد الطريق على حركة السير، أو لحذائه الذي قد رماه في الخارج ليعطي صورة للفوضى في الفضاء العام مقابل النظام في صفوف المسجد أو لأكوام النفايات التي تحيط بالمسجد والحي في مقابل نظافة مكان الصلاة، ودون أن يحرك أحد ساكناً ليغير من هذا الواقع، ها هو مرة أخرى تتضاءل في عينيه العبادات المتعدية، وتكبر في عينية العبادة الفردية. فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به القرآن وسطرته السنه!؟ هل النسب فيه متساوية؟ هل أولويات العبادة محترمة؟


الصورة الحقيقية للعبادة صورة متكاملة، فالعبادة في جوهرها الخضوع مع المحبة لله، وفي آفاقها هي إتيان كل ما أمر الله به وتجنب كل ما نهى عنه ولكن هناك قواعد ناظمة لها أولها: أن العبادات منها فروض الأعيان فكل شخص مخاطب على حدته بتكاليف لا ينوب عنه فيها غيره، ومنها الصلاة والصيام والحج المفروض والزكاة المفروضة. ومنها العبادات الكفائية حيث هي موجهة للمجتمع ولو قام بها ووفى أفراد من المجتمع لسقط عن الباقين التكليف، ومثالها لزوم وجود الأطباء والمهندسين وسائر الفنون والصناعات التي لا يقوم المجتمع إلا بها. والسؤال الكبير المطروح كم حجم التركيز على مفهوم العبادات الكفائية وكم حجم النقص فيه في أمتنا؟ توطين العلم، الصناعات العسكرية والمدنية وفنون الزراعة العلمية والصحة، بل وحتى فنون الإعلام ؛المسرح والسينما وسائر فنون توصيل الأفكار. لا يشك عاقل أننا نقف في آخر صفوف البشرية الحية في هذه المجالات. ولكن هل تكويننا العقلي المعاصر نضغط فيه بشكل متوازن بين فروض الأعيان وفروض الكفايات؟ لك أن تتابع منابرنا الإعلامية المختلفة لتكتشف نوع الإرسال والرسائل القائمة اليوم، وحجم التقصير وإعادة إنتاج ذات الصورة غير المتوازنة في العقل الجمعي.

وثانيها: أننا حين نؤدي فروض الأعيان وننتقل للنوافل، يعلم كل طالب علم شرعي أن العبادات المتعدية أكبر أجراً من العبادات القاصر نفعها على الفرد ذاته، وأنه كلما زادت دائرة النفع كلما زاد الأجر. فحين يؤدي الإنسان فرضه من الحج مثلاً فهو ينتقل في التفكير الآن لدائرة النفل وعنده قدر من المال وقدر من الوقت وقدر من الجهد للإنفاق، وعليه أن يوازن هل لو قام بحجة أخرى أنفع له من ناحية الأجر أو لو تصرف بها ليحقق نفعاً لأمته، أيهما سيحقق له عائد أكبر؟ مرة أخرى ستفجعنا الأرقام عن حجم الإنفاق السنوي المختل في النوافل الفردية على النوافل المتعدية، ليس فقط في المال ولكن في الوقت والجهد، فهل تنبيهنا على هذه الحقيقة يغير الصورة في وجه التكوين المعرفي الحالي ونوع الخطاب الموجه للفرد المسلم المعاصر.

حدثني أحد الحجاج قال كنا في منى وجلس الناس لقراءة القرآن منفردين، وكنت أنظر من حولنا لأكوام النفايات وهي تحيط بهؤلاء القراء وتساءلت لم لا نقوم بتنظيف المكان وأيهما أكثر أجراً هنا، أن يقرأ كل منا القرآن منفرداً أو أن ننظف المكان ونوسع على عباد الله ثم نعود للقراءة؟!

العبادة التي نريد هي طاعة لله مستنيرة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني).حث على العبادات الفردية متوازن مع الحث على فروض الكفايات والعبادات المتعدية.

عندها حين نقول أن العبادة طريق للنهضة ،سنفهم أن تتحول الحياة وكل ما فيها إلى محراب للعبادة، فهذا الفرد الذي يقوم بعبادته منفرداً ليتزود بالطاقة الروحية؛ هو ذاته الفرد الذي يعلم أنه حين ينتقل لعمله فهو ينتقل لمجال آخر من العبادة العينية، والتي يتحمل مسؤوليتها في مصنعه ومعمله ومتجره ومزرعته

والذي يقوم بالعبادات النفلية منفرداً لو خير بين عبادته الفردية، وعبادة نفعها يعود على مجتمعه لتطوع للثانية عارفاً أنه في عبادة ذات عائد أكبر، حينها ينطبق على أفراد الأمة قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )عندها تصبح طاقة الأمة الإيجابية منظمة، وقدرتها على الإقلاع الحضاري مضاعفة عن قوة غيرها من الأمم، فحين يعمل العنصر الإيماني في المسجد وفي المصنع وفي المزرعة وفي التجارة وفي العلم بذات الكفاءة فلا وجه للمقارنة، وحين تنحرف البوصلة وتقف العبادة عند بوابة الفرد لا تغادرها للحياة ،حينها نكون أمام المشهد الذي نشتكي منه اليوم .

----------------------------

أقرأ أيضا:

الأفكار المستترة (نظام الأفكار الحاكمة 1)

الخوف على المقدس (نظام الأفكار الحاكمة 2)

العلوم غير الشريفة (نظام الأفكار الحاكمة 3)

العقيدة بين التبسيط والتعقيد (نظام الأفكار الحاكمة 4)

التعليقات

الايمان يبعث النهضة لكل الحياة وليس بالشعائرفقط

للإيمان أثر كبير في حياة الانسان بكل جوانبها سياسةً وإقتصادأً وفنا
شكرا فقد ذكرتني أن الايمان:( معني يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لحظة ولمحة من حياته ،فعقيدة الايمان تقوم علي التوحيد والإستغراق، فهي موقف كلي ليس لوجوه التعبير عنها من حصر، بل مسرحها الحياة الانسانية جميعاً، فحيثما وقعت وقائع الحياة من فكر أوذكر أو فعل أتيح مجال للعبادة وحيثما كانت عبادة فهي تحقيق للعقيدة وتربية لها في ذات الوقت)-من كتاب الإيمان أثره في حياة الانسان ص9 د.الترابي-
وهذه الكلمات تؤكد ترتيل( قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ..وتبين أننا استجبنا ل(وبذلك أمرت) وتجعل حجج العلمانيين أو اللادينية السياسية ودعاة إبعاد الدين عن الحياة في مأزق لا سيما عندما نجد واقع تجربة الرسول ص في المدينة قد صنعت(نهضة) بالايمان حركت بفعالية مجتمع العرب المتخلف ليصبح قائدا لمن حوله وهذا ما سمعته بمناظرة قناة الجزيرة (الإتجاه المعاكس بين د.؟الترابي ود.صادق جلال العظم) حول الاسلامية والعلمانية فعندما سأل العظم بسخرية كيف يمكن للإيمان أن يصنع نهضة ويغير الناس الامين الجهلاء فجأة الي قادة منجين فكانت إجابة الترابي ان القرأن بعث الايمان في نفوسهم فعملوا الصالحات وعمروا الارض ولخص ذلك بكتابه (إنهم يتذكرون كيف نزل الدين علي أمة أُمية جاهلة بائسة متخلفة رهن الميراث متشاكسة في عصبية وإستكبار وإستضعاف ،دينها في أسر خرافة الاصنام،وكيف أطلق عقولها الي مراقي العلم والرشاد وقلب خلافها الي سماحة وإخاء ووحدة وعدل ،ونهض بمعاشها وجمع قرارها عبر حرية وشوري وإجماع، ورفع ذلها إزاء العالم الي عز وإمامة ،..)بل يعزي تخلف المسلمين وتاخرهم الحضاري لبعدهم عن الدين وإرتدادهم عن الايمان به علما وعملا(..ثم كيف انقلب خلف علي مثل الاسلام ، وأدبروا فارتدوا نحو المستوي الهاوي) كتاب السياسة والحكم النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع د.الترابي- ص61 إذا فإن ما قاله د.جاسم صحيح بأن الايمان بالوحي القرأني والعمل بالهدي الاسلامي هو صانع النهضة الانسانية الرشيدة وبه يمكن تغيير المسار التاريخي للإنسانية وفق السنن الإلهية بالكون التي تحتاج منا لفهم الواقع والتخطيط لتغيره.. فلا يوجد ما يسمي بالحتميات التاريخية ..بل (وقل إعملوا..)
////////////

ما اطيب هذا الفكر وما اعذب

ما اطيب هذا الفكر وما اعذب تسلسله الى العقل دون اي حاجز ...
فكرة توازن العبادات فكرة قوية وباعتقادي انها اصبحت الان تنمو بين ثنايا تفكير العقل المسلم ..وهذا ما يفائلني احيانا ..
شكرا لك يا والدي الغالي

ما أروع فكرك أستاذنا

ما أروع فكرك أستاذنا الفاضل

ولكن تأتى أهمية العبادة الفردية فى أنها تولد الطاقة الروحية التى بها يستطيع الإنسان القيام بالعبادات المتعدية والأعمال الصالحة

التكامل بين العبادة الفردية والمتعدية

ما أروع فكرك أستاذنا الفاضل
معك تماما وأتمنى أن تفهم الأمة هذا الفهم

ولكن أرى أهمية العبادة الفردية هى توليد(كما قال الدكتور) الطاقة الروحية والتى هى الدافع نحو بقية العبادات المتعدية والأعمال الصالحة ومن هنا تكمن أهمية العبادة الفردية ، فهى ليس عبادة مستقلة عن غيرها من المتعدية ، بل هى التى تشعل المصباح لكى ينير لأنفسنا ولغيرنا

ما أجمل هذا التكامل الذى يفجر طاقات الأمة ويحقق معنى الآية (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )

الحق يُقال !

بارك الله فيكم .. دائما ما تبهرني كلماتكم ..

بخصوص العبادات المتعدية فهي ليست سهلة .. فشخصيا اعلم انها كثيرة الاجر والنفع ولكنها بحاجة إلى " القرار الجرئ " وإلى " تربية مستمرة " للنفوس .. !!

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.