النقيض !!
أظنّ أنني أضع يدي على عيب من أعظم عيوب التفكير والعمل لدى المسلمين, وإن لم أكن قادراً على تشخيصه بدقة, ومعرفة أسبابه ، يكفي أن أدوّنها ملاحظة غير عابرة ولا عاجلة , على طرائقنا في العيش والعمل والحياة والتفكير, ولعل أي فكرة مؤيدة أو ناقدة ستقدح زناد العقل حول هذا الموضوع الخطير ..
لو كان لدي فكرة جديدة ؛ لخصصت 90% من وقتي لشرحها , وخصصت الباقي للدفاع عنها, ومهاجمة خصومها..
لكن ما الذي يحدث عادة ؟
حين يكون لديك فكرة مهمة؛ فأنت تخصص دقائق للحديث عنها وشرحها ، ثم تخصص بقية عمرك لمهاجمة المختلفين مع هذه الفكرة, وكشف أستارهم, وهتك أسرارهم, وفضح أساليبهم, وبيان تناقضاتهم ومخازيهم !
وكأنك لا تصل إلى نهاية المضمار إلا من خلال تعويق الآخرين وتعثيرهم ، بينما أنت تعوّق نفسك أيضاً .
الأصل هو شرح الفكرة وتفصيلها, وتصريف البيان واستخدام كافة الوسائل والتقنيات والطرائق والأساليب ، في سائر الأوقات ، وحشد الأدلة ، وتأسيس البناء وتعميقه وترسيخه ، ثم تشييده ورفعه ، ثم توسيعه ونشره ، ثم يأتي بعد ذلك الدفاع عنه وحمايته ، وإلا فما قيمة دفاع عن بناء أو مشروع لم يبدأ بعد أو لم تتضح صورته, أو تتبين معالمه ؟!
كثيراً ما ننشغل بنقيض الفكرة؛ لأنه لا فكرة لدينا ، وربما نعتبر وجود الخصوم هدية لنا؛ لأنه يتم التعرّف والتعريف بنا من خلال " النقيض " ، ولا مبالغة أن كثيراً من الحركات والجماعات والأيديولوجيات ليس لها ظهور ولا حضور ولا تميز إلا عبر تحديدها بالأعداء ؛ فهي فكرة يحدّها من الشرق مذهب, ومن الغرب تيار ، ومن الشمال مؤامرة, ومن الجنوب مشكلة !
جهود كبيرة قامت على مناقضة الآخرين, ولم يعجبها صنيعهم, وكثيراً ما يسهل علينا التخطئة, لكن لا نملك التصويب العملي إلا عبر نصائح مجملة , لو تمكنا وقدرنا ما عرفنا كيف نحولها إلى برنامج واقعي.
إنها حماسة لم تملك الرؤية والمنهج الذي يسمح لها بالوجود ، ومهما ضُخّ فيها من الجهد والسعي والمحاولة؛ إلا أن فاقد الشيء لا يعطيه ، وما لم يكن ثم فكرة محورية جوهرية متألقة مشرقة سهلة واضحة فلا قيمة لجهود تستهدف تدمير الآخرين فحسب .
الشريعة والحياة قامت على أساس نشر المبدأ والحق أولاً ، وتكريس الجهد للمصالح والخبرات والفضائل ، وصرفت لذلك جل الاهتمام ، وهذه دائرة " الحق " والله تعالى يقول : (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)(يونس: من الآية32) .
والضلال والباطل والخطأ لا يتناهى؛ ولذا فلا معنى لتعديده وتحديده والانشغال به إلا بقدر ما يوضح الحق ويحميه من الالتباس, فإذا انعكست الآية وصار الجهد يُصرف لبيان الباطل وكشفه ، والحق يرد في الهامش؛ فقد وقع الخلل والزلل والالتباس .
القضية فعلاً ملتبسة؛ لأن ثم من ينظّر المسألة بأنها " الصراع مع الباطل " وهذا حق لا تردد فيه ، وهو شريعة قائمة ، وأيضاً هو سنة ماضية , بيد أن ثم فرقاً بين أن يكون لبى نشاطنا وجوهر اهتمامنا بيان الحق وتجليته والهوامش والنهايات لدحض الباطل ورده ، وبين أن يقع العكس من حيث ندري أو لا ندري فننشغل ببيان الباطل ورده عن تأسيس الحق وتكريسه, فرق بين من يسير وطريقه واضح ، وهو يدري أن ثم من سيحاول تعويقه ، وأن هذا قدَر مقدور عليه مدافعته بالتي هي أحسن إن أمكن, كما أمر الله في مواضع من كتابه , وكما هو هدي الأنبياء جميعاً ، وفهم المصلحين ، وما لم يندفع بالحسنى فيعرض عنه ، وما يتوقف على بيانه مصلحة شرعية فيبين بقدر الحاجة.
فرق بين هذا ، وبين من ملأ التوجس قلبه من خصومه وأعدائه ومخالفيه ومعارضيه ، وصارت خيالاتهم تلاحقه ، والشكوك تغذيه حتى شكّ في صديقه وجاره وزميله ، وصار جاهزاً للتصنيف إما معي أو ضدي ، وكأنه يمثل الحق ، وليس مجرد دليل أو مرشد.
هذا أولاً :
ثم فرق بين بيان الحق الرباني الذي أمرنا بالتواصي به (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)(العصر: من الآية3) ، وبين أن نكون " نحن الحق " وما سوانا الباطل ، كلا بل ينبغي أن نعرف أن بعض ما لدينا كأفراد أو جماعات أو مؤسسات أو دول أو مجتمعات يختلط فيه الحق بالباطل ، وقد يوجد الباطل صرفا فيحتاج إلى نفيه والتخلص منه , بدلاً من اعتقاده والدفاع عنه وتسويغه أو التستر عليه .
وقد يوجد عند خصومنا " الأشرار " - فيما نحسب وندعي- شيء من الحق, يحتاج إلى أن نتواضع له ونتعرف عليه, ونستفيده بثقة المؤمن الذي يطلب الحكمة أنى وجدها .
تحويل الحياة إلى معركة خطأ ، نعم ..كثير من الدول والحكومات تضع عدواً لتحاربه وتجمع الناس عليه ، لكن هذا بمعزل عما نتحدث عنه من " تصدير الصراع " أي : جعله في دائرة الصدارة ، الصراع ينبغي أن يكون في الهوامش والأطراف والنهايات, وبقدر الضرورة والحاجة ، ولبّ الوقت والجهد والعمر والمال يجب أن يُصرف في الخانة الأولى ذات الأهمية القصوى التي هي دائرة البناء وتعزيز الفكرة وترسيخها .
الثقافة الموروثة ، والعادات الاجتماعية ، والظروف الوقتية صنعت لدى الإنسان المسلم (والعربي خاصة) ميلاً إلى الصراع, حيث لا يجد نفسه إلا فيه ، وكأن خصومه وأعداءه يقدمون له الفرصة على طبق من ذهب؛ لينفعل ويتحرك, وتدور عيناه, ويستجمع قوته وجدارته وغضبه واستعداده للنزال ، حتى أدبنا وشعرنا ومدائحنا وقصصنا غالباً ما تتمحور حول الموقف من الخصم أو العدو ، والذي لا مجال فيه للمهادنة ولا الصلح, فضلاً عن التسامح والإغضاء أو الدفع بالتي هي أحسن !

التعليقات
افكارنا و ذواتنا
جزاكم الله خيراشيخنا الفاضل
اننا حين ندافع عن اراءنا و افكارنا ننسى اننا انما ندافع عن مجرد افكار او اراء ونظن اننا ندافع عن ذواتنا و كل منتقد لتلك الافكار فهو يتهجم علينا او يسفهنا فنقصفه بالثقيل ولا نقبل منه رايا ولا نسمع له حجة بل اننا وهو يعرض وجهة نظره المخالفة لنا لا نكون مركزين منتبهين لما يقول-ولذلك كثيرا ما نفوت على انفسنا خيرا وفيرا او علما غزيرا او حكمة ثمينة اوتجربة رائدة- بل نكون منهمكين في اعداد الرد المفحم ولذلك تؤول لقاءاتنا الى جدال لا يبن شيئا ولا ينتج الا التباعد والتنافر و الاحقاد.
ضعف المعرفة يعني ضعف القدرة على التمييز
تحية خالصة لشيخنا العلامة الدكتور سلمان العودة على أفكاره النيرة؛
الحقيقة إن من أكبر المشاكل التي تواجهها أي فكرة صائبة جديدة هو المستوى المعرفي للمجتمع الذي ظهرت فيه تلك الفكرة..! فعلاقة التناسب الطردي واضحة بين زيادة المعرفة وفي مقابلها زيادة القدرة على التمييز...! وبالتالي فإن المجتمعات الأعلى ثقافة هي المجتمعات الأقدر على تمييز الأفكار الجديدة الخلاقة..!
فالذي يحدث للمجتمعات ضعيفة المعرفة هو التالي:
إن الله خلق هذا الكون على شكل أطوار (والافكار هي جزء من هذه الأطوار)... والطور التالي يسمى طور "تالي" بسبب وجود اختلاف ما عن الطور السابق وإلا فملماذا يسمى طور تالي..!
فإذا كان المجتمع ضعيف المعرفة فهذا يعني أنه سوف لن يستطيع التفريق بشكل جيد بين ما هو مختلف عن الصواب بسبب كونه أمر خاطئ وبين ما هو مختلف عن الصواب لأنه الطور التالي للفكر والمعرفة......!
هنا يحدث التصادم بين المجتمع وبين الافكار الجديدة والغلبة في النهاية للمجتمع...!
ولهذا علينا العمل بشكل جدي على رفع المستوى المعرفي لمجتمعاتنا حتى تصبح أعلى قدرة على التمييز وبالتالي تصبح الأفكار الجديدة قادرة على التغيير للأفضل لهذا المجتمع، ويصبح هذا المجتمع طرفا مشاركا في تطوير وتنمية وتصويب هذه الأفكار الجديدة...!
مشكلة الجميع أنهم لم يفهموا أن منظومة المعرفة "مكونة" من شقين أساسيين، وأنه يجب تطوير هذين الشقين لأننا نعيش في عالم متسارع التطور..!
فالجميع ركز على الشق المتخصص لمنظومة المعرفة أن التخصصات العلمية وبالتالي دعم التعليم ... واغفلوا الشق الثاني الأساسي لمنظومة المعرفة
الذي هو المشترك المعرفي...! فأدى الامر إلى اعتلال منظومة المعرفة العربية ككل..! وبالتالي صارت قدرة التمييز أضعف بكثير من مجتمعات مغايرة حافظت على جودة شقي المعرفة..!
أما ما هو المقصود بالشق الثاني لمنظومة المعرفة فهو الشق المشترك..! أي كل أشكال المعرفة المشتركة بين افراد المجتمع والتي تبدأ باللغة المشتركة وتنتهي بالفكر الراقي..!
والمصدر الأساسي للمشتركات المعرفية الراقية هو نسب القراءة العالية للكتب الثقافية العامة... فهي الكتب المعرفية الوحيدة القادرة على التواجد في جميع العقول دون الحاجة للتخصص...!!!!!!!!!!
فلو قامت جامعة ما بعمل الاحصاءات اللازمة لاحصاء نسب القراءة للكتب الثقافية العامة لظهرت علاقة التناسب الطردي جلية بين نسب القراءة العالية وبين قدرة ذلك المجتمع على القيام بكل أشكال العلم الجماعي ... والتي منها دعم الأفكار الابداعية المتطورة الجديدة..!
فمن خصائص المشتركات المعرفية المتطورة هو التشبيك البيني بين الناس! وبالتالي هي المسئول "الاساس" عن نقل المعلومات بين الناس...!
وكلما كانت أرقى كلما كانت "أقدر" على نقل المعلومات الراقية ...! وبالتالي يصبح "حظ" الأفكار الراقية الجديدة أكبر في الوصول إلى الجميع وبالتالي يتفاعل معها الجميع بشكل أفضل وبالتالي تسود الأفكار الأرقى في المجتمع بدلا من سيادة الأفكار الركيكة....!
وهذا هو جوهر مشروعي الجديد....!
http://knol.google.com/k/مهند-عبد-الله/مـا-مدى-أهمية-القراءة-للمجتمع/2wp40iccu3cbc/53
أضف تعليقاً