بل دائرة المباحات أوسع.. ( فقه التدين)
بصوته الرخيم قرأ إمامنا في الصلاة قول الحق تبارك وتعالى: { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }، فانتبهت لتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من ( اتَّباع سنن من قبلنا ) في التشدد والتنطع والغلو كما التقصير والانحراف والتفلت ، عن منهج الله الوسط ، ومن ذلك ( الغلو ) الذي نُهينا عنه شرعاً ( تضييق دائرة المباحات ) على الناس، وقلب القاعدة الشرعية التي استنبطها المتخصصون من أهل العلم من كتاب الله { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً }، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وحياته العطرة وسيرة أصحابه الكرام، من ( الأصل في الأشياء الإباحة ) إلى العكس وجعل ( التحريم والحظر هو الأصل ) وتحت كثير من المبررات التي وسعها الغلاة كقيد ( سد الذرائع )، التي لم يفهموها في حدودها ولمقاصدها، وانحرفوا في استدلالاتها، وتمادوا في تطبيقها، فضيَّقوا واسعاً، وحجروا على كريم، وجعلوا الدين عبئاً وأغلالاً على الناس وحياتهم، وكتماً لحرياتهم وأنفاسهم، ونسوا ـ بحسن نية أو غيرها ـ أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم هداية ورحمة للناس ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) والمعروف كل ما عرفته الفطر السليمة وألفته وآوت إليه، والمنكر كل ما أنكرته ونفرت منه الطباع المستقيمة.
هذا التشدد والغلو في تضييق دائرة المباحات تروِّج له طائفتان، الأولى هم أولئك الجفاة الغلاظ ، الذين تطبعوا بقسوة بيئاتهم الجافة والمقفرة، فاعتقدوا التدين صراعاً، وفهموه قتالاً وحروباً، ومارسوه عداوة وانتقاماً حتى مع أنفسهم، ومهما كانت نواياهم حسنة وتدينهم صادقاً، إلا أنه لا يجوز لهم أن يقودوا قافلة التدين ويعبروا عن الدين وشريعته ويفتوا بتعاليمه، ولهذا قال الله فيهم: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }، لا يمكن أن ينتقلوا من الحالة التي كانوا عليها بقوله تعالى: { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، إلى حالة العلم والإيمان ( الرحمة والهداية والاطمئنان والسلام والحب ) إلا بعد مرحلة من التطبيع مع الإيمان وقيمه وتسامحه ( لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا،ولن تؤمنوا حتى تحابوا ) ولهذا تعجب ذاك ( الأعرابي ) عندما رأى المصطفى عليه الصلاة والسلام يقبَّل طفلاً ، فقال مفاخراً برجولته وصلابته: إنَّ لي عشرة أطفال ما قبَّلت أحدهم قط!!
فتأمل هذه القسوة مع الطفل، ومنها انسحبت إلى المرأة والتعامل معها، وطاردت المنظر الجميل والصوت الشدي والدعابة المفرحة، فغادرنا القول الحسن، وودعتنا كلمات الحب والذوق واللطف، لأننا جرَّمناها وفسَّقناها وبدَّعناها، وظهرت فتاوى تحريم الغناء ( مطلقاً ) وتحريم اللعب والنزهة والمسرح وتحريم المرأة ( وصوتها ووجهها وعيونها وأكتافها ومشيها ومشاركتها وحرَّمنا عليها عيشتها )، حتى البسمة والضحك لم يتركوها مباحاً لنا، لأن ( الأمة المجاهدة لا تعرف الضحك ) ونسوا أو تناسوا أن سيد المجاهدين وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كان يداعب ويسابق ويبتسم ويضحك ( حتى تبدو نواجذه ) وهو الحامل لهموم الدنيا والآخرة ( لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ) ومع هذا كان عليه الصلاة والسلام يعيش لحظته بترحها وفرحها ويعبر عن مكنون نفسه ، ويصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج، ( فمن رغب عن سنتي فليس مني )، وكم عانينا من فتاوى تحريم الأكل بالملاعق خاصة إذا اجتمع مع كبيرة الجلوس على الطاولات، وتحريم الرياضة والشطرنج، والموسيقى والفن والرسم، حتى علوم المنطق والفلسفة والنفس ما سلمت ممن حرمها علينا، فتبلَّدت الطباع، وانحسر الذوق، وتخلفت العقول، وتقطعت الأرحام والقرابات، وتبددت المواهب.. وتكلَّست القدرات، وحرم الناس من ممارسة هواياتهم، والإفصاح عن رغباتهم وميولهم وتهذيبها بقيم الخير والفضيلة، فنشأوا على العُقَد والنكد والكبت والحرمان، وعاشوا بها، والطامة أن هذا البعض يسوَّق لنا عُقَدَه، ويفرض علينا ديناً ومنهجاً ، ويعرَّف الناس بالإسلام ويحببه إليهم من نوافذها الضيقة.
الطائفة الثانية هم ضحايا غلو الطائفة الأولى ، وفساد قطاع من المجتمع، هم فئة من الشباب المتحمس لدينه بعاطفة واندفاع ورغبة في الامتثال والالتزام، خاصة في ظل أوضاع انحرفت كثيراً عن الفضائل، وممارسات مجتمعية بعدت عن الصراط المستقيم وتنكرت لهداية الله وهجرت كتاب الله وهدي رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، من ظلم وفساد واستبداد ومعاصي وأكل للحقوق وقمع للحريات وهتك للأعراض وسفك للدماء وإزهاق للأرواح ونهب للأموال وتبديد للثروات والموارد، خلقت أوضاعاً يعشعش فيها الفقر والبطالة واليأس، فوقع هؤلاء الشباب في فخ التشدد والغلو كردة فعل من ناحية، وكمريدين ليس أمامهم إلا فتاوى الطائفة الأولى التي تمتلك من الإمكانات والوسائل والمطبوعات والمطويات والقنوات والكفالات ما يروج لفكرها وخياراتها وفقهها ورؤيتها الأحادية، كونها الحاضرة دون غيرها ( خلا لك الجو فبيضي واصفري ) و( وإن البغاث بأرضنا يستنسر ) ويحفظ الله المصريين حين قالوا:( إذا غاب القط لعب الفأر ) .. فليتق اللهَ مجتمعُنا وجمعياتنا وجماعاتنا وعلماؤنا ودعاتنا وخطباؤنا وأنظمتنا وحكوماتها بهؤلاء الشباب، الذين لو أتيحت لهم الخيارات السليمة والإمكانات والوسائل لناطحوا بأمتهم النجوم مجداً ونهضة ورخاءً وتنمية.
إن ( الأصل في الأشياء الإباحة ) وإن دائرة الإثم والحرام محدودة وبنسبة شجرة واحدة إلى جنة وارفة الظلال غنية بثمراتها مليئة بأشجارها المباحة، { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، أنها شجرة واحدة فقط هي المحرَّمة، وباقي الأشجار حلال ومباح، هذه هداية الله وهذا منهجه، ولكن الانحراف عن هداية الله، جاءنا من اثنين، الأول من ترك كل تلك الأشجار المباحة وانصرف عنها إلى الشجرة الواحدة المحرمة { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }، والثاني من استكثر علينا الأشجار المباحة فحاصرنا منها وحرمها علينا، فحذرنا الله من فهمه وتشدده واتباعه، وحذره الله من افترائه وتقوله على الله ودينه وشريعته { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } ، وقال تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }، تأملوا هذه الطيبات ( لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وهي أيضاً لهم ( خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )!
إن دين الله واضح وقد بينه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {، يا ألله .. ومع هذا ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إنها رحمة الخالق بالمخلوق، ومراعاة الشريعة للضرورات التي ربما يقع فيها الإنسان ، وحقاً ( لله أرحم بعباده من الأم بولدها )، كم هو جميل هذا الدين، وكم هو رحيم بنا ربنا، ولقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً فهموا هذا الدين بوسطيته واعتداله وبذوقه وجماله وبفسحته وسماحته، فقال أحدهم رضي الله عنهم أجمعين ( إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسن ونعله حسن )، وقال الآخر ( كُلْ ما شئت والبس ما شئت من غير إسراف ولا مخيلة ) .. فبأي حق ودليل يريد البعض أن يحاصرنا في ملابسنا وطريقة عيشنا ، وأن يقيد علينا هواياتنا وتطلعاتنا ، وأن يحرمنا من الاستمتاع بالطيبات من الرزق ؟!
إن الحرام ما حرَّمه الله وبيَّنه رسوله عليه الصلاة والسلام بنص شرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وما دونه قابل للتأويل والنقاش والاختلاف، ومحَّرم فيه التشنيع .. ولقد تعلمنا من ديننا ـ الإسلام الذي نعرفه ـ أن الأصل في حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم ودمائهم التحريم والحظر ( ولو عوداً من أراك ) .. وما سوى ذلك ـ وما أوسعَه وأرحبَه ـ فإن الأصل في الأشياء الإباحة.

التعليقات
مقال رائع
قرأت المقال فوجدته رائعاً
وقرأت التعليق فوجدته يحتاج إلى إعادة نظر
يبدو أن الأخت أخطأت فهمه
وهل يفتون عندنا غير الأعراب , بل ويشار إليهم بقدسية ..!!
مقال جيد ولكن قولك [ من ظلم وفساد واستبداد ومعاصي وأكل للحقوق ( وقمع للحريات ) وهتك للأعراض وسفك للدماء وإزهاق للأرواح ونهب للأموال وتبديد للثروات والموارد، (خلقت) أوضاعاً يعشعش فيها الفقر والبطالة واليأس ] .
1- أعتقد أنك بالغت كثيرا ً في نقد التشدد , ووصفته بوحشية كتاد توازي الإلحاد ( ظلم + فساد + إستبداد + أكل الحقوق + هتك الأعراض + سفك الدماء / وهق الأرواح + نهب الأموال + تبديد ثروات و موارد ) ماهذا الطرح المتمييز المليء بالعنف و الإستهجان , وكأنك ألقيت بالإرهاب على أكتاف المسلمين , لا أعتقد أن ينتح كل هذا حتى لو فُهم الإسلام بأبشع صورة .
2- قمع الحريات , لا أخالك تقصد مقولة ( دع مالله لله , ومالقيصر لقيصر ) , أعتقد أن التقييم الصحيح للحرية هي ماجاءت في الشريعة الإسلامية بعيدا ً عن العلمنة بعيدا ً عن اللبرلة .
3- الفقر و البطالة و اليأس , هي ليست نتاج التشدد بل هي من أنتجت التشدد , فقد اجتمعت الصحة و الفراغ , وسوء الإقتصاد , منتجة الفقر و البطالة واليأس .
تقول أن الإسلام جاء بما يوافق الفطرة السليمة , ولكن لأن الإنسان يملك الإرادة في كل ما يفعله فإحتمال أن تحيد تلك الفطرة عن الطريق الصحيح هو إحتمال وارد , ولأن نسبة الخطأ و الصواب هي مسألة نسبية شرّع الله الشريعة الإسلامية بمعايير ومقاييس حتى تكون المرجع الأساسي و الصحيح للمسلمين , تلك المقاييس محددة في الكتاب و السنة , ولنا من التاريخ عبر أيضا ً.
وهل يفتون عندنا ( في السعودية ) غير الأعراب , بل ويشار إليهم بقدسية ؟!
هناك الكثير من الفتاوى الغربية الطريفة , يمكن القول عنها في أحسن الأحوال أنها دعابة , دعابة , لا أعلم أين يذهب فقه الأولويات , و المضحك أنني عندما أنتقد كمثل هذه الفتوى , يُقال عني متحررة , ولا أعلم هم قيّدوني بماذا حتى يحرِروني منه ...!!!
أضف تعليقاً