تطور الأحزاب بين مطرقة (الحرس القديم و سندان الرواد الجدد)
ما حققه حزب العدالة والتنمية التركي من نتائج متقدمة فى الإنتخابات الأخيرة يمثل فقط قمة الجبل فى سلم الإستراتيجيات والتكتيكات التى إتخذها الحزب منذ نشأته عام 2001 مروراً بالإنتخابات البلدية والنيابية وانتهاءً بمعركة الرئاسه التركية الأخيرة.
فقاده وأعضاء الحزب وعلي رأسهم رجب طيب أردوغان وعبد الله جول خرجوا من رحم حزب السعادة بقيادة المناضل نجم الدين أربكان، وهذا الخروج لم يكن سهلاً كما يتخيل البعض،وإنما كان خروجاً مؤلماً لأفراد حزب العدالة والتنمية، لما تبع ذلك من إتهامات وتشوية لسمعة هؤلاء القاده الجدد لحزب العدالة والتنمية لمسنا طرفاً منها في تلك الإتهامات والتشويهات فى الخطاب الأخير لزعيم حزب السعادة (أربكان) الذى اعتبر التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية بمثابة من يحجز تذكرة إلى جهنم، ووصف رجب طيب أوردعان بحفيد الخنازير، وبالإبن المتمرد الذى تمرد على حزب السعادة. لن أقف على تقييم تجربة حزب العدالة والتنمية ولا على اتهامات أربكان لهم، فقياس مدى نجاح التجارب الحضارية يتطلب أدوات ودراسات ربما لا يكون مكانها هنا. ولكن نناقش فى المقال ميكانيزم تطور الحركات والأحزاب إنطلاقاً من تجربة العدالة والتنمية.
شرارة البدء
أعضاء حزب العدالة والتنمية أدركوا كيف تعامل المنتظم السياسي التركى وعلى رأسه الجيش التركي مع زعيمهم السابق نجم الدين أربكان عندما كان رئيساً للوزراء وأدركوا طبيعة المؤسسة العسكرية التركية فى تعاملها مع تجارب المناضل نجم الدين أربكان (حزب الرفاه 1983، حزب الفضلية سنه2000 ،حزب السعادة سنه 2001) ،ولمسوا صعوبة تحمل الطاولة السياسية التركية لزعيم بوزن نجم الدين أربكان، سواء كان هذا يرجع لاستراتيجية نجم الدين أو لطرحه السياسي أو للأخطاء التى وقعت فيها الأحزاب الثلاثة التى توالى هو رئاستها أو للعداء التاريخى الذى تكون بين المؤسسة العسكرية ونجم الدين، أو لتطرف المؤسسة العسكرية حامية العلمانية كما تقول فى تركيا. ومن هنا تحركوا فى مسار البحث عن مخارج من هذه المعضلة التاريخية فحاولوا التحرك فيما يملكون( ترتيب البيت الداخلى) فى حزب السعادة من أجل صياغة استراتيجية جديدة وخطاب جديد يستطيع تفكيك هذه المعضلة، وتعرضوا لحملات تشهير من قبل قادة الحزب التاريخين كما ذكرنا فى صدر المقال، فلم يبق أمامهم خيار سوى نزول الملعب السياسي باستراتيجية وخطاب وتكتيك يحسن التعامل مع الواقع التركى كما يحسبون، ويختلف كماً ونوعاً عن برنامج حزب السعادة، وفى النهاية قدموا لنا هذه التجربة الجديدة التى ينبغى أن تخضع للدارسة والتحليل واستقاء الدورس المفيدة.
القاسم المشترك
وما حدث مع حزب العدالة والتنمية التركى ليس أمراً مستغربا فى تاريخ تطور الحركات والأحزاب، و ترتبط دائماً حركة التطور داخل الحركات بمخاض مؤلم وصراع بين الآباء المؤسسين والرواد الصاعدين سواء كانت هذه الأحزاب والحركات تنطلق من أيديولوجية إسلامية أو لبيرالية أو إشتراكية، وهذا ما يتضح لنا من خلال التعرف على نموذج حركة إسلامية (حزب الله وحركة أمل) وعلى نموذج لحركة إشتراكية يسارية (تجربة ماوتسى تونج والحزب الشيوعى الصينى)
حزب الله وحركة أمل
أسس الإمام الصدر حركة المحرومين في مايو 1974 بعد أن أعلن معارضته للحكم، ثم أسس أفواج المقاومة اللبنانية ـ أمل، ذات الطابع العسكري في يوليو 1975، وذلك بعد شهور من بدء الحرب الأهلية اللبنانية.
ومع اختفاء الإمام الصدر في ليبيا في أغسطس 1978 مرت حركة أمل بمخاض داخلي كبير، فانقسمت بين تيارين فكريين رئيسين تجاذبا الحركة حتى عام 1982 هما جناح العلمانيين بقيادة نبيه بري، وجناح الإسلاميين الذين أرادوا أن تكون الحركة إسلامية تلتزم بنهج شرعي وتسير على خط الإمام الصدر الذي رفع شعار الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وأطلق شعارات مثل: إسرائيل شر مطلق.. والتعامل مع إسرائيل حرام.
وقد نشأ تنافس بين هذين الجناحين على أساس مناطقي، حتى تم في المؤتمر الرابع لحركة أمل في عام 1981 الاتفاق على تسوية استمر من خلالها نبيه بري ممسكا بالقيادة، مع إعطاء دور نيابة الرئيس للسيد عباس الموسوي الذي كان يمثل رمز الإسلاميين داخل الحركة
ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 6 يونيو 1982 توزع الإسلاميون داخل حركة أمل، بين من اختار الانخراط في أمل كحركة سياسية، وبين من اختار المنابع العلمائية الثقافية مثل التجمع العلمائي في البقاع، وانضم البعض إلى لجان شبابية ركزت على التربية الدينية والتثقيف (الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين أو حزب الدعوة الإسلامية)، كما شكل عباس الموسوي حركة أمل الإسلامية. ولم ينتهى الخلاف ووصل لحد الاقتتال العنيف بين أعضاء الحركة، واشتملت المعركة على فتوى بتكفير كل فريق للآخر، وانتهى الأمر لصالح حركة حزب الله فى نهاية المطاف التى نجحت فى إدارة المعركة مع إسرائيل وخاصة فى الحرب الأخيرة، وقدمت نموذجاً يستحق الدارسة والتفحص.
وننتقل الآن لنموذج من المدرسة اليسارية الإشتراكية فى الشرق الأقصى حدث فيها مثل ماحدث فى التجربة التركية (العدالة والتنمية وحزب السعادة، وتجربة حزب الله وحركة أمل)
تجربة :ماوتسى تونج المتمرد :
كان ماوتسى تونج من كبار الأعضاء البارزين فى الحزب الشيوعى الصينى الذى تأسس عام 1920 والذى كان يخوض صراعاً دامياً مع نظام شيانج كاى شيك الصينى من أجل إقامة النظام الإشتراكى بدلاً من النظام الإقطاعى القائم، وكانت إسترايجية الحزب تعتمد على شريحة العمال ولكن ماوتسى تونج قرر عكس هذه الإستراتيجية رافعاً شعار الثورة تبدأ من حقول الأزر ويقصد الإعتماد على شريحة الفلاحين بدلاً من العمال، قرر ماو الإنتقال إلى الجبال في تسينغكانغ، لبناء قاعدة وصنف جديد من جيش التحرير. و كان عدد من قادة الحزب الشيوعي غير متفقين مع هذه المبادرة. لم يكن هناك خلال هذه الفترة سوى أربع ملايين عامل في الصين كلها –مقارنة مع 500 مليون من الفلاحين، لكن هؤلاء القادة كانوا يرون أنه رغم ذلك ينبغي للثورة أن تنطلق من المدن. لقد بدءوا هجمات مسلحة دون أي أمل في تحقيق النجاح. هؤلاء الناس لم يكونوا يرغبون في رؤية الحركة الثورية و قد دخلت في مرحلة جزر و أنه ينبغي العمل على إعادة بنائها. لكن ماو كان له رأي مخالف، إذ كان يقر أن الثورة المضادة كانت قوية، بينما الثوريون كان ضعيفين و مشتتين. لهذا كان ينبغي في نظره الذهاب على الأرياف. حيث كانت خطته هي بناء قاعدة ارتكاز، كفيلة بمنح الدعم الإقتصادي و السياسي للنظام الثوري الجديد. كان يعتبر أنها الطريقة الوحيدة للحصول على الدعم الحقيقي للجماهير، ولتطويق المدن و الإستيلاء على السلطة فيها. و قد كتب في تلك الآونة أنه :«بدون جيش ثوري ليس للشعب شيء»("حول الحكومة الإئتلافية"، أبريل 1945، المختارات المجلد الثاني). و في 1927 دعا ماو إلى تجمع لفرق الجيش، الذي لم يكن يتجاوز الألف. و قد سألهم :« هل سنقدم على الثورة أم لا؟» فرد الجميع بصوت مرتفع: «نعم سنقدم عليها!». وترتب على إختيار ماو لهذه الإستراتيجية فصله من الحزب الشيوعى الصينى واعتباره خارج عن إستراتيجية وأهداف الحزب، وأنه خان الإشتراكية النقية، لكن نجاح الثورة الإشتراكية فى الصين كان بفضل إستراتيجية ماو المبتكرة.
من خلال إستقراء هذه التجارب الثلاث يتضح أهمية توفير آليات داخل الأحزاب والحركات لتتعامل مع الإستراتيجيات والأفكار الجديدة التى يطرحها الأعضاء واعتبارها نقاط قوة للأحزاب والحركات وليست نقاط ضعف وتمزيق كما يُروج البعض.
ليست الإنشقاقات والتدافعات داخل الأحزاب والحركات شراً مستطيراً، بل ربما تمثل روافع لتطوير الحركات والأحزاب.
يبنغى لقادة الحركات والأحزاب وخاصة التى قضت ردحاً من الزمن و فشلت فى الإستجابة للتحديات الواقعة عليها أن تفتح النوافذ والأبواب لأعضاء الحركة أو الحزب للبحث عن مخارج وإلا أُجبروا على ذلك من طرف الأعضاء الثائرين، وبالتالي تكون هذه الحركات والأحزاب بيئة طاردة للمبدعين والمفكرين.
الشواهد التاريخية والعصرية تؤكد أن تطور الحركات والأحزاب والشعوب والمنظمات إنما كان على يد رجال قلائل (زوار المستقبل ) زاروا المستقبل واطلعوا على الأدوات التى يجب التزود بها للوصول إليه، وُوصفوا فى أول أمرهم بأقذع الصفات وأنصفتهم الحركات والتاريخ والناس بعد أن وصلوا لأهدافهم أو نجحت أفكارهم بعد وفاتهم .....
------
المراجع
إسلاميو تركيا – العثمانيون الجدد – د/إدريس بووانو
ماوتسى تونج حياته وعصره -/ بقلم روىماك جريجور هاستى
أسبوعية الحزب الشيوعي الثوري الأمريكي RCP)، بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد قائد الثورة الصينية.
كراسات مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية


التعليقات
أضف تعليقاً