العقيدة بين التبسيط والتعقيد (نظام الأفكار الحاكمة 4)
لقد تحدثنا في المقال السابق كيف حُوصِر مفهوم العلم؟ وكيف ضاق فضاءه الذي فتحه القرآن بفعل التفسير المغلوط للدين !؟ وكيف انتشر هذا الفهم الخاطئ في أمهات الكتب، ككتب التفسير وكتب التزكية، وتوصيات بعض أهل العلم حتى من المعاصرين. وكيف أن جهود العلماء مثل: محمد الغزالي وغيره من المعاصرين لم تفلح في فك الاشتباك مع هذا المفهوم الخطير، وأنه ما زال متداولا في حياتنا اليومية.
واليوم سنتناول مسائل متصلة بالعقائد. وهي منطقة محتقنة بطبيعتها لا يلمسها الإنسان بقول حتى تقوم الأرض ولا تقعد. ونحن حين نلمسها ندرك خطورة هذه المسائل وحساسيتها. وسنحاول أن نقول ما نقول مراعين بقدر الإمكان واجب الحرص على مشاعر الناس والمهتمين. سنعرض لها من باب التنبيه والذي أرجو أن تتسع له الصدور. فالموضوع هو نهضة الأمة وما يعوقها! والذي يعوقها الكثير، منه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولكن الأخطر هو الفكري ألاعتقادي كما لا يخفى على عاقل. ولذلك جاء الدين ليغير الأفكار والعقائد أولاً. رغم أن الأصنام كانت حاضرة في المشهد حينها فانتبه! وفي وجه مثل هذه المقدمة لقائل أن يقول: ها هم الأتراك والماليزيين يسيرون دون أن يتأثروا بمثل هذه المفاهيم فلماذا نهول من شأنها ؟ ولماذا نهتم لذلك وأبنائنا اليوم غير مهتمين بقراءة هذه الكتب أصلا ؟ وهم يدرسون العلوم الحديثة أكثر مما يدرسون علوم الدين ؟ ثم إن العقائد مسألة إيمان لا مسألة اقتناع. وقد يستطرد صاحبنا ليقول " اللهم ارزقنا إيمان عجائز نيسبور!" فنحن لن نستطيع أن نلج لموضوعنا في العقائد دون التعرض لهذه القضايا الوجيهة.
أقول لقد فصل الأتراك في حركتهم بين الدين كشأن فردي، وبين سائر أوجه الحياة حسب النظرة العلمانية. وقل ذلك عن ماليزيا. ففي تركيا أسست العلمانية الأتاتوركية دون قصد لتفعيل دور العقل في المجتمع التركي، وأبقت الحالة الإسلامية وجود الدين فيه، وحدث من هذا التجاور والتساكن الخليط الذي نراه في تركيا والمسمى "العدالة والتنمية"، والذي يجمع بين الروح الإسلامية والفعل ألمصلحي، وهو أمر غير متحقق في المشرق العربي. وماليزيا تحركت في فضائها بحزب "أمنو" الذي أقام تركيبته على فكرة التعايش السلمي بين المكونات الثلاثة على القاسم المشترك. وعلى اعتماد نشاط المواطنين الصينيين والهنود كقاطرة للنهضة. وهو موضوع مختلف في منطقتنا من العالم فكثافة التراث ليست واحدة وصياغة ذات المعادلات تكاد تكون مستحيلة.
أما أن أبناءنا غير معنيين بهذه الأمور الآن، وهم فقط يدرسون ما يقدم لهم في المدارس. فمن عرف أن الكتلة الحية من هؤلاء الشباب والشابات ذات العقل والرشد تلتقط التدين سريعا في بيئاتنا. وما يحدث في الجامعات والمدارس من السبعينات هو ما حرك المياه الراكدة، وأعاد الحيوية لمثل هذه النقاشات. ولا زال الشباب الذي يلتقط بذور الإسلام من محيطه يتزايد، وهؤلاء هم المهتمون بالشأن العام في الغالب، وعليهم دور كبير في إحداث النهضة، هذه الشريحة التي قد لا تزيد عن" 1%" من الكتلة الشبابية الأكثر تأثرا وتأثيرا، وهي التي تعقد عليها الآمال. ولو أصابها العطب فقدت رياح النهضة قوتها!
وأما أن موضوع الإيمان يشمل قضايا الغيب، وهي في جوهرها تسليم فهذا صحيح. ولكن قضايا الإيمان ليست كلها على سمت واحد. والقرآن في جوهره هو نقاش مستمر مع العقول أولا. يطالبها بالإيمان بالله، ويسوق لها الدليل تلوى الدليل مثل قوله تعالى: ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ...) فهو حين طالبهم بالعبادة ساق لهم دليلين دامغين دليل الخلق، ودليل التسخير، وهما دليلان حيان يصدمان العقل لقربهما وبداهتهما وكثرة الغفلة عنهما، ويطالبها بالإيمان بالرسول والرسالة ويسوق لها الدليل بعد الدليل ( ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) فأنتم تعرفون سيرتي وصدقي ...هكذا يستمر القرآن على طريقته مخاطبا العقل! فلم تكن معجزته إلا الحجة والبرهان. وقل ذلك على مسألة البعث والحساب. فالإيمان في جوهره الإسلامي يخاطب كل البشر على مختلف عقولهم، ولا يفترض فيهم التسليم ابتداء، كيف وهو يقول (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). وينعى على المقلدين ومتبعي الأحكام بدون دليل وبرهان ( قالوا هذا ما وجدنا عليه آباءنا). وهو كما طلب من البشر أن يأتوا ببرهانهم (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) حاججهم بالدليل والبرهان. فالشاب والفتاة في عصرنا يحتاجان للإقناع وليس الإكراه. فالخيارات أمامهم كبيرة وليس إيمان " عجائز نيسبور" رافعة لنهضة أي أمة وهو ليس بخيار.
عندما يتدين الشاب أو الفتاة سرعان ما يلتحقان بحلق العلم أو بدروسه، أو بالأشرطة أو بالوسائط الإعلامية الدينية. يستقون منها معلوماتهم عن الدين، وهم غالبا ما يأخذون المعرفة مجزأة. وفي رحلة التدين مع من جربها يعرف أن الإنسان يبدأ بالأشد، وذلك لطبيعة المرحلة السنية ( المرحلة المثالية ) فهو يريد من الكتب أقدمها، ومن العبادة أصعبها، ومن الفقه أشده. وفي مثل ذلك جاءت وصايا الرسول الهادي " ما شاد الدين أحد إلا غلبه "، " إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق " كلها وصايا متعلقة بتلك الطبيعة الإنسانية وميلها للغلو والتشدد.
والمبتدئ هو الأكثر عرضة لمثل هذه الموجات النفسية . أما العامي فهو يتلقاها شذرات من حلقة المسجد، أو من درس تلفزيوني أو من مذياع يلتقط من الفضاء ما يرشح لعقله ويسكنه دون قصد منه للتلقي المنظم. فهو دون أن يشعر يلتقط ما يحيط به من إشارات بعضها أكثف من الآخر ولكنه يسكنها بحسب ما يأتي في فضائه العقلي.
وأول هذه العلوم وأعلاها هي علوم العقيدة ومفاهيمها. فالعقيدة الإسلامية نزلت للبشرية بسيطها وعالمها. ويكتفي عادة العامي ومن شابهه بعموميات العقيدة وكلياتها وأدلتها المجملة، ومطالبها الكبرى بوجود إله كامل منزه، وبالرسول والرسالة التي حمل، وبالحساب والعقاب والثواب. ومن بينها مكملاتها بوجود خلق آخر وهم الملائكة والجن، وبالقدر خيره وشره من الله. ورغم ذلك لا يسلم الأمر من دروس وعضات يقال له فيها أشياء من قضايا الاعتقاد تزيد عن هذا القدر، ومحاولات الرد على أسئلة افتراضية أو الإجابة عن سؤال مباشر. فهو قد يتلقى فهما جبريا أو قدريا بخطأ من المرسل أو بسوء تأويل من المتلقي مثلا. أما المتحمس الأكثر رغبة في تلقي العلم الشرعي فسيتجه للقراءة الذاتية، أو التتلمذ على شيخ ممن يلقاهم ويثق بعلمهم. وأهل العلم في منطقتنا لا يخلو تتلمذ أحدهم من إحدى المدارس الثلاث الكبرى السائدة في عالمنا الإسلامي في العقائد: الأشعرية وتمثيلها في أبو الحسن الأشعري ومدرسته. ويقابلها بالهند المدرسة الماتريدية، ثم المدرسة السلفية وتمثيلها الواضح في شيخ الإسلام بن تيمية وتفسيراته. وقد يدرس الطحاوية. ورغم أن التصوف السني ينتمي عقديا لإحدى هاتين المدرستين إلا أنه يضيف رؤيته للمشهد ولونه، و بكل الاحترام والحب لأهل العلم والمعرفة بهذه الفنون، والذين هم أقدر الناس على إدراك حاجة الأمة اليوم وشبابها بالأخص للعقيدة الحقة.
نحتاج أن ندرك مع ذلك أموراً نحتاج باستمرار للتنبيه عليها سواء في الدروس العلمية أو المواعظ نظرا لخطورتها، وسأركزها في عدد من الأمور الهامة:
1- الإنسان فيما هو في مقدوره مخير وليس مسير ومن هنا جاء التكليف.
2- الإنسان مسئول عن فعله في الدنيا والآخرة.
3- الكون خلقه الله وما فيه بقوانين وسنن حاكمة (ولن تجد لسنة الله تبديلا ).
4- الأسباب تقود لنتائجها، كما قدر الله ووفق قوانينه التي وضعها للمادة والأشياء.
ورغم بساطة مثل هذه الأمور وبدهيتها للبعض، يفاجئ الإنسان بطالب لم يذاكر فلا ينسب الخطأ له. بل يقول (قدر الله وما شاء فعل!!). وبصاحب مركبة يدهس الناس بسوء عمل ويقول (قدر الله وما شاء فعل!!). وبشخص يضع النار إلى جانب البنزين ويقول ( الله هو الحافظ!!). وبشباب يعتقد أن قوانين الكون ستخرق بمجرد المحافظة على صلاة الفجر ولو كان المصلون مهملين في العلوم الدنيوية، والأخذ بأسباب القوة!! قد يقول قائل هذا سوء فهم، وسوء تأويل. والسؤال من أين تدخل هذه المفاهيم؟ ومن أين تعالج؟ وما هو الخطر الكامن في عدم معالجتها؟
لنبدأ من الأخير. ما هو الخطر الكامن وراء عدم معالجتها؟ من اعتقد بالجبر الصريح أو غير الصريح سيقف أمام تيار الحياة منتظرا لا يحرك ساكنا!! فالظلم بالنسبة إليه أمره هين (اللهم اهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين ) أو في بعض الأقوال ( لو صبر القاتل على المقتول لمات لوحده) وقس ذلك جميع اختلالات الحياة كالذل والفقر والمرض ...وكل خطأ سيسند لأقدار الله التي ليس لها راد! وبالتالي تنتفي المسؤولية والشعور بواجب الاستجابة المكافئة، أو تضعف على أقل تقدير في الكتل الضخمة من البشر، وتفقد الأمة استجابتها الضرورية كبقية أمم الأرض ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) فهل حالنا في عمومه خلاف ذلك ؟
وحين يعتقد الإنسان عدم مسؤوليته عن الفعل بسوء فهم أو بسوء تأويل، تضعف عنده ملكة الإحسان والإتقان. وحسبه أن يقوم بالفعل لينتظر النتيجة. فكل شيء في حسه مقدر سلفا لا دخل فيه للإحسان والإتقان. سيحدث سواء أحسن أو لم يحسن!! ولن يقبل المساءلة وربما ردد (على الإنسان العمل وليس عليه إدراك النتيجة ) فهل نعاني قصورا في الجودة اليوم؟ هل نتحمل المسؤولية عن الأعمال؟ هل جودة أعمالنا وتحملنا للمسؤولية مقارب لبقية الأمم التي نطمع أن ننافسها!؟ إن كانت الإجابة بلا!! وهل نحتاج أن نراجع مقولاتنا وأن نعدلها إن لزم ؟
وحين يعتقد الإنسان أنه لا علاقة بين السبب والنتيجة، فالنار لا تحرق بسبب خواصها وقوانين الحرارة! والسكين لا تقطع بخاصية الصلابة والحدة والحركة!! بل هي محض عادات ألفها الناس عند التقاء الأشياء. أو يعتقد بعدم وجود قوانين حاكمة للكشف عنها، ولكن كل سبب يعمل منفصلا وعلى حده. لو كان هذا ما وصل لعقل طالب العلم فمن أين يأتي الكشف العلمي؟ ولماذا نقوم به بالأساس!! فالأمور لا يحكمها قانون بل هي محض عادة! هل يؤثر مثل هذا الفهم أو القول على العلم والمعرفة ؟ وهل الكشوف العلمية إلا بحث في المادة وخصائصها واكتشاف قوانينها ؟ فلننظر في فضائنا ونسأل هل نعاني من قصور في مجال الكشف العلمي كأمة اليوم؟ هل تؤثر فكرة مثل هذه في عقل المتلقي سلبا أم إيجابا؟ هل تقود للفاعلية العلمية أم لعكسها؟ هل تستحق منا المراجعة والبحث والنظر والتعمق؟
وهل يمكن أن تنجح أمة في التقدم لو ( أقول لو) سكنتها مثل هذه الآفات في عقلها؟ واستمر التبشير بها ونفثها في فضائها ؟هل نحتاج أن ننظر فيما نقول في هذه المسائل وندرس، فإن وجدنا خيرا حمدنا الله. وإن وجدنا ما يقارب هذه الآفات قمنا باجتثاثه أو تعديله بحيث نستقبل عصورا جديدة بروح القرآن الفاتحة للكون بكلمة (اقرأ )، ( وعلم بالقلم )، ( وعلم الإنسان ما لم يعلم )، ( وقل هاتوا برهانكم )، ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )، ومنظومة العقل والتدبر والفقه والفهم . أم سننخرط في الدفاع عن ما ورثناه حتى لو بان لنا خطره على العقل ومستقبل الأمة ؟
-----------------
أقرأ أيضا:

التعليقات
بالتأكيد استمتعت بقراءته، هل
بالتأكيد استمتعت بقراءته، هل يمكن أن يكون المؤلف العظيم. سوف أتأكد من أنني المرجعية بلوق وسيعودون في المستقبل. أريد أن أشجعكم على مواصلة العمل الخاص بالتأكيد كبيرة ، وقد لطيفة اليوم.
folding doors
المقالة وقمم حقا اهتمامي.
المقالة وقمم حقا اهتمامي. وانا ذاهب الى مرجعية موقعك والحفاظ على التحقق من المعلومات الجديدة.
web design company
خير الكلام ما قل ودل
العقيدة والنهضة
هناك عدة مفاهيم عن العقيدة ينبغي أن تكون واضحة لدينا:
1- أن العقيدة هي المحرك الحقيقي للنهضة وذلك لكونها تجلي التصور الحقيقي عن الكون والإنسان والحياة وليس كما يتصوره البعض وذلك بظنه أن العقيدة هي حفظ بعض المتون القديمة والركون إلى الأرض دون أن يكون لها ارتباط بالواقع الذي يعيشه ...
2- فالعقيدة تعطيك تصورا عن هذا الكون المخلوق لله المسبح لله تعالى وكل المخلوقات تسبح الله تعالى " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه"
2- تصورا عن هذا الانسان الذي أعطاه الله الملكات والقدرات التي تساعده في عمارة الأرض بما يسعده لذلك استخلفه وطلب منه العمارة لهذه الأرض والأمم الناهضة هي الأمم التي انشغلت بهذا التصور وبذلك فيه السبل وسنة الله لا تتغير فإن الله تعالى لا يضيع عمل عامل ولا يحيب أمل آمل
3- تصور عن الكون وذلك بأن هذا الكون هو مجال العمل جعله الله تعالى مسخرا مذللا لهذا الإنسان يبحث في مكنوناته قال تعالى" " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ...
النهضات الغربية قامت على الاهتمام بالإنسان والكون دون أن تهتم بالعقيدة في الله تعالى وحققت ما تريد لأنها أخذت بسنة الله تعالى في العمل والسعي
أما نحن فعلينا أن يكون منطلقنا في الأمور الثلاثة دون أن نهمل واحدا منها وبذلك تكون النهضة الحقيقية الشاملة والعقيدة الصحيحة .
إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى
إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم
وكيفما تكونوا يولّ عليكم
أعتقد أن الجملتين السابقتان تختصر علينا كثير من الكلام والرد على كل من يلقي باللائمة على الأنظمة السياسية..
مازلنا نتكلم كلام نظرى لا علاقة له بالواقع
مازل تعليقى على المقال يطرح أسئلة ولم يتم الإجابة عليها حتى ممن علق على الرد.
الشباب الذى لا يعرف أساسيات دينة لم يعطله عن النهضة مسألة الجبرية وغيرها لأنه ببساطة جاهل بها لأنه جاهل بما هو أساسي عنها وهو ما يصلح به إيمانه ويقبل به عمله.
أمتنا لم يعطلها التهافت على تعلم العلوم الشريفة لأن هذا ليس واقع الأمة الإسلامية ربما هو شبهه فى إحدى البلدان قليلة التعداد ولكننا لا نتكلم عن عينة من الأمة بل نتكلم عن عموم الأمة.
ماليزيا قادها دكتاتور هو مهاتير محمد وهو يمثل القائد الملهم وليس فيها ديمقراطية ولكنها لم تتقدم بفعل عنصرين دون الثالث لأن القائد أصلا من العنصر الثالث.
أتاتورك أتى ومضى منذ عشرات السنين ولم تتقدم تركيا على يديه ولا على يد الأجيال المخلصة لفكره تركيا تقدمت عندما عادت لللإسلام لا عندما إنسلخت منه.
مسألة التواكل موجوده ولكن ليس لدى محركى الأمة الحقيقيين ولا من ينظر لهم أصلا عند الحديث عن النهضة فنحن نتحدث عن مثقفى الأمة وليس عوامها، وهؤلا ليسوا متواكلين وقد أثبتوا لنا ذلك ولكن الوضع السياسي الفاشل هو من لم يستطع توظيف هذه الطاقات لصناعة النهضة.
فى رسالة الماجيستير للباحثة مروة أحصت هجرة عقول مليونين من العلماء فى جميع التخصصات من دولة واحدة وهى مصر وذلك منذ عام 1965 وحتى عام 2005 أى أربعون عاما
مليونين من العقول لم يجدوا من يستخدم طاقاتهم وعقلهم ورغبتهم فى التحرك فى بلدهم فهاجروا حيث المناخ المناسب للعمل.
أتحتاج أى أمة لكى تنهض أكثر من هكذا عقول (مليونين)؟
أيحتاج هؤلاء لأن يدللوا على أنهم ليسوا متواكلين ولكنهم يريدون العمل الحقيقى والإرتقاء؟
أيحتاج أن نسأل هؤلاء كيف لم تمنعهم السكين والنار وفروا منها؟ هم أصلا كباقى الأمة لم يعرفوا بأمر السكين والنار الذى قلنا من قبل أنه لم يكن يوما هو معوق التقدم ولا هو مسئول عن عدم النهضة.
أوروبا لم تتقدم إلا بالعلمانية لأن الكنيسة ومحاكم تفتيشها ومحاربة الهرقطة والحرب ضد العلم لأنه يتنافى مع الكتاب المقدس كلها أسباب أدت للخروج على الكنيسة وفساد رجالها المالى وهذا لا يصلح إستيراده كحل من الغرب لأننا لسنا مثلهم.
فالمسجد لم يكن يوما ضد العلم والقرآن لم يكن ضد التعلم ولم يوجد بينه وبين العلم الوضعى تضاد ولم يكن للمسجد يوما سلطة منعت العقل من العمل ويجب الدعوة للتحرر منها.
مازالت خارطة الطريق الفكرية للتحرك نحو النهضة لا تقدم الحلول الصحيحة لأن تشخيص معوقات النهضة غير صحيح.
لن تقوم النهضة المطلوبة مادام الوضع السياسى الحالى موجود فليست النهضة بالتمنى ولكن بالعمل وكل من جرب العمل فى المناخ الحالى كره كل شيئ حوله حتى كره نفسه ومثقفى الأمة ومن يحمل همها إما مهاجرين للخارج أو مرضى نفسيين بالداخل أو معتقليين فى متنزهات حكوماتهم.
الديمقراطية والعودة الصحيحة للدين هى الحل وبهما سيأتى القائد الملهم كما حدث فى غير بلد فى العالم والأمر ليس دائرة مفرغة بل تقديم حلول صحيحة لمشاكل قائمة برؤية موضوعية بتشخيص صحيح للداء بعيدا عن الحلول النظرية والمقالات الفلسفية التى تجر الجميع للحلقة المفرغة التى لا ينتهى السير فيها لشيئ.
ملاحظات على الحسام
ساختصر في الرد قدر الامكان وآخذ الفقرات واحدة تلو الاخرى لنتفاعل لا ان ننفعل:
الفقرة الاولى (شبابنا لا يعلم من صحيح دينه ...وهو اسير المعلومات التي تلقاها من البيت ) صحيح وبالتالي فالسؤال البيت تلقى معلوماته ايضا من التوارث والبيئة المحيطة وهو يقود لسؤال ماذا يقدم التوارث والبيئة المحيطة ...فالمقدمة تحتاج لتحليل.
والفقرة الثانية تقول العامي لا يعلم التقسيمات وهو ذات اتعليق السابق من اين يتلقى العامي معارفه ...ويكون قناعاته...اليس من بيئته .وبالتالي نحتاج ان نعرف من يغذي البيئة بالقناعات؟
الفقرة الثالثة الناس تدرس الطب والهندسة وغيره وهذا صحيح والسؤال ما هي علاقتهم بالعلم فهل الغالبية تتجه إليه لصحة العلاقة بالعلم ام انها تتجه له لطلب لقمة العيش وبالتالي لم نزل الالتباس في موضوع العلم ...وما طرحه الشيخ يوسف القرضاوي مؤخرا عن طرح السؤال عن العلوم الشريفة وغير الشريفة في 2008 في مؤتمر علمي وغيره كثير من التباس الموضوع.
الفقرة الخامسة العلم الشرعي في المدارس الشرعية وهل يدرس طالب الشريعة في الجامعات الكبرى شيئا غير العقيدة الاشعرية او السلفية ...فما قولهما في علاقة الانسان بالفعل وعالم الاسباب والجبر والاختيار ؟
الفقرة السادسة قصة السكين والنار ..بعينها قد يعلمها البعض ويجهلها الاكثر ولكن نتائجها المتداولة تعيش في واقعنا في اشكال كثيرة ...الم تسمع من يقول لك علينا العمل وليس علينا النتيجة ...اليس واقعنا بعيد عن الجودة والاحسان والاخذ بالاسباب في مواجهة كل ما تشتكي منه ...ورغم قسوة ما تشتكي منه ...الا تسود السلبية حياله ؟؟ فمن اين تاتي السلبية؟
اما موضوع الدروس الخصوصية بل وحتى العمل وغيره فالناس من عادتها ان تسير على سطر وتترك سطر والتناقضات في حياتنا كثيرة ...فقد تجد الانسان مجدا في اكل عيشه متواكلا في الشان العام ...والوقائع اكثر من ان تحصى!
فقرة ان الوضع السياسي الصحيح هو الاساس ها نحن قد دخلنا في قضية الدور ...فالناس غير صالحة لان الوضع السياسي غير صحيح والوضع السياسي غير صحيح لان الناس غير صالحة فاين المخرج ...ومن سيغير الوضع السياسي غير الانسان الايجابي غير المتواكل ؟
الديموقراطية هي سبب نجاح ماليزيا ...خطا شنيع فماليزيا ليسس فيها ديموقراطية بعد ..زبل هي تعيش بامتياز روح الحزب الواحد.أما المهاتير فلم يعتمد في نجاحه على الكتلة المسلمة بل على الصينيني الهنود لجر قاطرة التخلف الاسلامي في ماليزيا !
وتركيا حرثتها علمانية اتتاتورك وركبت لهم عقلا نفعيا هو الذي عمل به اربكان واردوغان وليس العقل الموجود في منطقتنا والذي لا يقبل بالمسلمين ناهيك عن غير المسلمين ؟
اما الاسباب التي لا علاقة لها بالدين فمهمة في كل الاحوال وهي موجودة في معظم البيئات ومنها امريكا الجنوبية المسيحية بالمتياز وكانت في جوب افريقيا ولكنهم تخلصوا منها لما استعادوا فاعليتهم بما سمي (لاهوت التحرير)
هذه نظرة موضوعية بقدر الامكان خالية من الغضب ...فلننمي قدرتنا على النظر لا قدرتنا على الزعل
السيد خالد -حسام ... برأي ان
السيد خالد -حسام ...
برأي ان فكرة الدكتور جاسم واضحة وليست بحاجة الى اي توضيح بل انها بقوتها من ذاتها قادرة على الرد دون ان يضطر كاتبها للدفاع عنها ...اما بالنسبة للدكتور جاسم فانه يرد على اي استفسار .. وبحجة قوية ولكن انشعاله يبرر له عدم الرد وليس كما ادعيت ...
اخي برايي ان افكار الموقع وافكار الدكتور جاسم واضحة لجمهورها وقوتها تبهرك ,..
جزيت خيرا
إلى الدكتورجاسم سلطان
السيد الفاضل / د . جاسم
أرجو من سيادتك توضيح موقفك السلبى تجاه ردود السيد / حسام حسن على مقالتك ...... هل هى قلة حيلة من سيادتك أم إقتناع بأن مزاعمك قد تم تفنيدها من خلال ردود السيد / حسام حسن ..... إن عدم قدرتك على الحوار و مقارعة الحجة بالحجة و الإقناع بالدليل القاطع يلقى بظلاله على أهدافك الخفية من وراء ما تبثه فى مقالاتك ...
أرجو من سيادتكم التكرم بالرد و التوضيح
العقيدة كما يدرسها طلبة العلم الشرعى
إذا نظرنا لحال الأمة اليوم فسنجد أن الغالبية العظمى من شبابنا لا يعلم عن صحيح دينه شيئ فهو مسلم بالوراثة وليس بالدراسة.
وبالتالى فهو أسير لمجموعة المعلومات التى تلقاها منذ صغره وحتى تكونت ملامح شخصيته إلى أن يتم تعليمه الجامعى أو المتوسط حسب الحال.
والدين عند العامة لا يفهمون تصنيفاته فهو لا يعلم الفارق بين العقيدة والفقه والعبادات ولا يستطيع أن يعطيك تصنيفا لكل أمر متعلق بالدين لأنه وكما قلنا قد ورث الشيئ ولم يدرسه ولم يهتم بالمعرفة أصلا.
فجل شباب المسلمين لا يهتم بمعرفة العلوم الشرعية ولا ينظر لها على أنها شريفة وأن العلوم الأخرى غير شريفة وهذا ما جعل تكالب الناس على دراسة الطب والهندسة والصيدلة والحاسبات ولا يهتم أحد بدراسة الدين ويكتفى بأن يقوم غيره بذلك فتعلم العلوم الدينية كما قيل له فرض كفاية وليس فرض عين فيكفى أن يعلمة أناس من الأمة ولا يتعين على كل الأمة معرفته.
أما من أنهى دراسته ووجد فى نفسه شغف لمعرفة المزيد عن الدين فهو إما صاحب فكر أو من العامة.
فلو كان من العامة فسوف يقتصر جهده على المعرفة الغير منظمة والتى ليس لها منهج محدد وذلك بالمواظبة على سماع دروس أو مشاهدة برامج دينية أو قراءة كتب تقع بين يدية دون منهج معين يحركه ولا معرفه محدده يبحث عنها فهو كالجائع يرضى بأى طعام حتى يقارب على الشبع فساعتها ربما ينتبه لما يأكل وينتقى.
أما من كان على علم أكثر من العامة وأراد أن يتعلم دينه ولا يكتفى بموروثه الثقافى بما فيه من قصور شديد، فليس أمامه إلا الدراسة الممنهجة والتى لا تتم إلا عن طريق الإلتحاق بالمعاهد الدينية المتخصصة والتى تكون حاصلة على التراخيص اللازمة من الدولة ومناهجها تراجع وتجاز قبل السماح بتدريسها.
ومنهج العقيدة الذى يدرس لطلبة العلم يبدأ بالدخول فى الإسلام بقول الشهادة (أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويحتاج شرح هذه الشهادة بمعناها وتفريعاتها فصل دراسى كامل.
لأن الطالب يدرس مطلق الإيمان ومعنى (الإسلام) و(الإيمان) ومراتبه والفرق بينه وبين (الإحسان) ومعنى (أشهد) ثم ينطلق لمعنى النفى فى (أشهد ألا) بما يتطلبه ذلك من كفر بكل الطواغيت وكل ما يعبد من دون الله من حجر وبشر وجن وحيوانات وكواكب، ثم يدرس بعد ذلك نواقض الإيمان والتى قد يقع فيها عن دون علم ويتم التحذير منها حتى يصح الإيمان فيدرس هذه النواقض من( كفر وشرك وردة ونفاق) ومراتب ودرجات وأنواع كل منها مثل الفارق بين الكفر العملى والعقدى والشرك الأكبر والأصغر وغيرها.
بعدها يتم الإنتقال لمفاهيم أكبر فى العقيدة وهى التوحيد بأقسامه (توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات) ومنها يتم التعريج على بعض الخلافات بين الطوائف فى مسألة الصفات وقول هؤلاء والرد عليهم إلخ.....
ولمن درس العلم الشرعى فسيفهم ويعرف ما يتم التركيز عليه فى محاضرات العقيدة لطلبة العلم الشرعى.
وليس من بين ما يدرسه طلبة العلم الشرعى كأساس فى العقيدة مسألة السكين والنار فهذه ليست من أساسيات العقيدة التى يجب أن يدرسها الطلبة.
ولست أدرى سر تكرار هذا المثل فى أكثر من موضع وإتخاذه مثل على معوقات النهضة فى الأمة لأنه يسبب إنفصال الأسباب عن النتائج.
فحتى من يقص الحادثتين وكلاهما كان مع الخليل إبراهيم يقص القصة ولكن ليس فى مادة العقيدة ولكن ربما فى السيرة وقصص الأنبياء.
وهذه لا تمثل مسائل محورية فى الدين ولا هى حجر العثرة ولا يعلمها من الأمة إلا القليل وربما حتى طلاب العلم الشرعى لا يعلمونها بهذه الصيغة وهى تعطيل الأدوات عن القوانين المنطقية بالكاف والنون.
عندما يتم سرد هذه القصة يذكر أن الله بقدرته وبكن فيكون أمر النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم وأمر السكين ألا تذبح نبى الله إسماعيل دون ذكر تعطيل الخواص أو فصل الأسباب عن النتائج.
الأمة لا يحضرها هذا لا فى عقلها الواعى ولا فى عقلها الباطن، فلماذا يتم إنفاق المليارات سنويا على الدروس الخصوصية لو كان مفهوم التواكل موجود وحاضر فى ذهن الأمة؟
لماذا تصرف المليارات على العلاج والمستشفيات طالما الحاضر فى وعى الأمة أن الشافى هو الله ولا داعى لإتخاذ أسباب العلاج التى أمرنا الرسول بتلمسها بقوله تداوى وقوله ما من داء إلا جعل الله له دواء؟
لو كان هذا هو الحاضر فى وعى الأمة فلماذا التسابق بين البشر فى الدراسة والعمل والتكالب هنا وهناك فى كل المجالات؟
إن الحاضر فى وعى الأمة وفى عقلها الباطن هو قول الرسول (ص) عن مفهوم التوكل وهو الأخذ بالأسباب فهذا هو ما أمر به الرسول الكريم الأعرابى الذى ترك دابته دون أن يربطها وظن أن هذا هو التوكل فنهاه الرسول (ص) وأمره بحسن التوكل الحقيقى المبنى على الأخذ بالأسباب مع الإيمان بالنتائج بعد ذلك أيا ما كانت فقال له (إعقلها وتوكل) أى أحكم وثاقها ثم توكل على الله فهذه هى حقيقة التوكل.
هذا هو ما يحضر فى ذهن المجتهدين من أبناء الأمة وهو ما يجعل عقول أبناء الأمة تعمل وتجاهد فإن لم تجد المناخ مناسب فى الداخل بحثت عنه فى الخارج.
الملايين من خريجى الجامعات ليسوا كسالى بطبعهم ولا متواكلين ومنهم من كان يحرص دائما على أن يكون فى الصفوف الأولى من بين أقرانه وهم طلبة كليات القمة (فى العلوم التى يؤمنون بها دون وجود لتصنيفات متعلقة بالشرف) هؤلاء ليس من بينهم متواكل وإلا لما كان له مكان فى ظل التسابف الحالى الرهيب وهؤلاء هم من ينظر لهم على أنهم محرك الأمة فى نهضتها وهم بالفعل قادرين على ذلك لأن تفوقهم هو مصوغ كافى للحكم على جديتهم فى العمل أما المتواكلين المتخاذلين فهؤلاء لن تقوم بهم النهضة حتى قيام الساعة.
إذا ماذا بقى لكى يقوم هؤلاء بالنهضة الواجبة؟
بقى لهم أن تتاح لهم الفرصة وهذا مرهون بوضع سياسى ووجود مناخ ديمقراطى ومعدل فساد يسمح لأن يكون لكل مجتهد نصيب دون واسطة ولا محسوبية وبقى أن يوجد من بينهم من لديه القدرة على القيادة.
النهضة تحتاج إلى ديمقراطية وقائد ملهم فهذا ما حدث فى ماليزيا وهذا ما حدث فى تركيا.
ماليزيا الحديثة أنشأها مهاتير محمد شاء من شاء وأبى من أبى.
تركيا الآن يصنع نهضتها أبناء نجم الدين أربكان وهم رجب طيب أردوجان وصديقه عبد الله جول ومعهم حزب قوى تغير إسمه ثلاث مرات ولم يتغير فكره سجن أصحابه وخرجوا أكثر عزيمة وصلابة ومعهم جيش من المستشاريين المخلصين هذا هو الواقع التركى الحقيقى شاء من شاء وأبى من أبى
نحن لم يعطلنا نار النمرود ولا سكين الخليل إبراهيم نحن تعطلنا لأسباب أخرى لا علاقة لها بالدين.
السكين ليست من عقيدة المسلم ولا النار فحتى من لم يعلم هذه القصة من المسلمين فهو يحمل عقيدة سليمة وجهله بالقصة ليس من نواقض الإيمان.
فالسكين ليست عقيدة ولا عبادة ولا فقه ولا فكر ولم نأخذ منها تشريع ولا تمثل أى شيئ لأى مسلم وهى حتى لا تصلح لأن تكون شماعة للتخاذل وكبوة الأمة.
ما لم يتم تشخيص أمراض الأمة الحقيقية والتى تعيق نهضتها فلن نصل يوما إلى النهضة ولن يتكون للنهضة جيلها الذى سيحملها ويعمل على جعلها واقع نعيشه لا نظريات تكتب ويمدحها الآخرين.
هذا نسمع عنه فى مؤتمرات أندية اللوتارى واللوينز وهذه لها أجندات أخرى ليس من ضمنها نهضة الأمة الحقيقية.
من أراد النهضة فعليه بالبحث عن المعوقات الحقيقية ومحاولة إيجاد حلول بجهد متكامل من مجلس من المتخصصين فالمجهود الفردى ومع كامل إحترامنا لن يؤدى الدور المتوقع بل لابد من طرح منظومة عمل جماعى يساهم كل من يريد نهضة حقيقية للأمة بجهد فيه.
والله وحده من وراء القصد
أضف تعليقاً