المدينة وأصحاب الكهف ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة )

أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم، وانطلقوا إلى كهفهم خشية الاضطهاد، وناموا ثلاثمائة وتسع سنين، وقعت تغيرات كبيرة في المكان الذي تركوه، والذي لم يوصف في القرآن بأنه قرية بل وصف بأنه مدينة وحسب، وفي نص الآية التالية ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا).

سياق القصة مرتكز حول قضية الاختيار وحريته، وفرض عقيدة معينة على الناس، ثم قسر الجميع عليها، واتفاق المجتمع كله على اضطهاد من يخالفها، ووفقا للكلمات المفتاحية الواصفة للمجتمع، كانت أنهم قوم، والقوم معناها أن الجماعة البشرية منسجمة ثقافيا استنادا على ناحية إما عرقا أو لغة أو دينا، وفي حالة الجماعة البشرية كان الوضع دينيا، ويبدو أن الآلهة كانت قومية الطابع، ومن ناحية أخرى، فلديهم إجماع على ما هم عليه من عقيدة، للحد أنهم مستعدون لاضطهاد الطرف المناقض، والسبب في ذلك هو أنهم يخشون من انقلاب الوضع وتفكك الوحدة القائمة.

والدليل على ما ذكرنا هو أن الله تعالى لما أراد آن يوضح تمايز موقف أهل الكهف عن الجماعة ككل عبر بقوله تعالى : ( إذ قاموا فقالوا )، فقيامهم هم مقابل تماما لقيام قومهم، فهم قاموا لله بالتوحيد وقومهم قاموا بالشرك، وبدون دليل.

من ناحية أخرى نجد كلمة إذ تشير إلى ظرف ووقت معين ومحدد اتخذوا فيه قرارا جماعيا، والقرار الثاني المصاحب هو اللجوء إلى الكهف، ويبدو أن اللجوء إلى الكهف كان خيارا ظرفيا والدليل قولهم : ( ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا)، فلم يكن لديهم نوايا للاختفاء الطويل حتى لا ينكشفوا، ولربما كان ذلك مرحليا لاستكشاف احتمالات المستقبل، بناء على ما سينشره الله من رحمته.

وهذه كلها دروس في الواقعية والتخطيط المرحلي الآني لتغطية حالة طارئة محدودة حتى يتسنى النظر في الاحتمالات المقبلة، من جهة أخرى

واللافت أن المدينة هنا كانت خيارات التغيير فيها مغلقة بدرجة كبيرة، بحيث أن الفتية اتخذوا قرارهم بالذهاب إلى الكهف سريعا حتى لا يفتضح تلاقيهم هذا، والدليل على حدة الرقابة أنهم طلبوا من الذي سيبعثونه إلى المدينة الحذر والتلطف أي الوصول لمبتغاه بالسبب الخفي، وذلك حتى لا يشعر بهم أحد.

إن وجود التحفز ضد أي خطر على مستوى الشعور وليس الإحساس، لهو أمر يدل فعلا على حدة المراقبة ودقتها، والتصريح بان القوم سيرجمونهم أو يعيدوهم في ملتهم، والرجم لغة الرمي بالحجارة، واللعن،  من ناحية أخرى، نقف هنا على معنى لافت، فإذا كان الرسل مهددين بالرجم، فإن خشية هؤلاء الفتية غير المزودين بالسلطة قد يوقعهم تحت طائلة عقوبة السلطة الدينية، فالرجم هنا يعني تطبيق عقوبات الحرمان الديني أي الحرق والصلب وسواها.

واللافت هنا هو اختفاء الملأ، والظاهر من سياق الآيات أيضا أن حالة الإجماع شملت كل المجتمع، والسبب أيضا كون الأمر مرتبط بالقومية ذات المرجعية الدينية والثقافية، وهذا أمر كاف لتحقيق مصالح علية القوم ودغدغة عواطف الفقراء.

من نافلة القول أن الفتية كانوا في مطالع الشباب، وسن التغيير، واستطاعوا الانقياد لفطرتهم وسعوا لبناء واقعهم الجديد، عبر قراءة الواقع القائم واحتمالاته، ومن هنا نلمس عمق توكلهم على الله وبصدق، ومن ناحية أخرى، نلمس كونهم واعين ومدركين للواقع وتفاصيله بالشكل الذي يمكنهم من بناء تحركهم على أساسه للوصول إلى أهداف واضحة يعرفونها.

تواصل سلسلة الإجبار وإلغاء الاحتيار، فالقوم بعد أن وجدوا اهل الكهف فضلوا أن يبنوا عليهم مسجدا، ورغم وجود الحوار والنقاش، إلا أن الذين حسموا الأمر هم من اختار بناء مسجد عليهم.

إذن فنحن أمام مدينة القهر والإجبار، والتي لا تتيح طرقا للتغيير، وإذا أتاحت طرق التعيير فإنها تقود للانحراف عبر اتباع التيار الغالب وليس اتباع الحق، ورغم إتاحة مجال النقاش إلا أنه إذا لم تكن هناك إرادة وثقافة للتقبل والتفاهم والاستيعاب، فإن التغيير سيمارس نمطا من الانحراف يحتاج لتقويم وتعديل للمسار.

التعليقات

يجب قراءة تفسير القرآن قبل الخوض فى تفسيره بغير علم

عندما يكون لدينا من التفاسير الصحيحة الكثير الوارد عن أهل العلم وليس أهل التأويل فيجب ألا نكون نحن من أهل التأويل.

قصة أصحاب الكهف نزلت فى القرآن وتناولها المفسرون بالتفصيل فلماذا نبدأ من الصفر لمحاولة تفسيرها ونحن لا نحسن فهم لغة القرآن ولا نعلم أسباب النزول؟ ولو قرأ الكاتب التفسير لعلم الآتى:

المقصود بالقيام فى الآيات كان قيامهم بين يدى ملك جبار يقال له دقيانوس، وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه "فقالوا ربنا رب السموات والأرض"وكان ذلك بعد القبض عليهم لكونهم يمارسون شعائر وعبادة مخالفة لعبادة قومهم فى مكان (معبد) خاص بهم.

أما مسألة اللجوء للكهف ودوافعه فهى كالآتى:

فيقال إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم, وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم, وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه, وكان هذا من لطف الله بهم, فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة, وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه.

أما محاولة إسقاط وضع سياسي غير موجود أصلا فى سياق القصة ودسة فيها دون أن يكون لذلك مصدر فهذا مما يتم فيه تأويل القرآن ما ليس فيه.

فالدعوى بأننا أمام مدينة الظلم والجبروت والقهر لآراء الناس فهذا لا وجود له فى نص القرآن ولا يمكن إدعاء إستكشافه.

فمسألة التنازع الذى حدث فى قوله تعالى (إذ يتنازعون بينهم أمرهم) لم يكن بسبب قرار ما سيفعل بأصحاب الكهف بل كان الكلام عائد على التنازع عن حقيقة البعث والنشور بين أهل القرية قبل العثور على الفتية أصلاً ومسألة بناء المسجد وأن القرار تم التوصل إليه لأن هذه التوصية خرجت ممن غلبوا على أمر الناس فلا يمكن الخروج بأن الفعل النهائى والنزول على رغبة فئة يمكن تحميله على أن هذه الفئة فئة ظالمة أو باغية ولكن المعنى الذى يؤخذ من ذلك هو (وإستقر الرأى على - حيث هى المكافئة - لـ ققال الذين غلبوا على أمرهم) فكان هذا هو قرارهم.
والقرآن عندما حكى ذلك لم يكن فى معرض الإقرار ولا فى معض الإنكار بل كان فى معرض سرد الوقائع التى حدثت سواء كان الفعل صحيحا أم لا.

وبناء المسجد على القبر فى هذه الواقعة لا يمكن أن يتم إستخراج أى حكم شرعى إسلامى من خلاله لأن الفتية كانوا فى زمان غير معلوم وغير واضح هل كانوا قبل موسى أم بعده ولكن المؤكد أنهم كانوا قبل عيسى عليهم جميعا السلام.
وبناء المسجد فى هذه الواقعة لا يمكن أن نقول أنه خطأ شرعى فى شرعهم لأننا لا نعلم أى تشريع كانوا يتبعون وهل كان هناك نهى عن إتخاذ قبور الأولياء مساجد أم لا.

فنحن لا يمكننا أن نقيس شريعة الإسلام التى نزل بها النبى محمد على هؤلاء الفتية ولا على زمانهم.

أما عما ورد من تفسير لهذا الموضوع فى إبن كثير فكان الآتى:
ورواه ابن جرير, وقوله: {وكذلك أعثرنا عليهم} أي كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم, أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان {ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم} أي في أمر القيامة, فمن مثبت لها ومن منكر, فجعل اللهظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم {فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم} أي سدوا عليهم باب كهفهم, وذروهم على حالهم {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً} حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين (أحدهما) أنهم المسلمون منهم. (والثاني) أهل الشرك منهم, فالله أعلم, والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ, ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» يحذر ما فعلوا, وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق, أمر أن يخفى عن الناس, وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده, فيها شيء من الملاحم وغيرها.

لا داعى لإقحام القرآن فى قضايا لا يتم له بصلة والإجتهاد فى إستخراج مشاهد أو قصص لإسقاطها على الواقع وزعم أن لها مثيل سبق أن ورد فى القرآن ويكون هذا بلا دليل وبدون دراية عن أسباب النزول أو التفسير الصحيح للآيات.

والله من وراء القصد

أخي الأستاذ حسام لا أعتقد أن

أخي الأستاذ حسام

لا أعتقد أن كاتب هذا المقال اعتمد التأويل بشكل أساسي، ولكنه استعرض فهما أعمق لآيات القرآن، واستنباط بعض الوقائع والدلائل من الآيات

وعندما قرأت كلامه بتمعن، ثم قرأت ما أوردته أنت من تفسير للآيات بتمعن أيضا، لم أجد تناقضا أو اختلافا كثيرا. فقط كل شخص تكلم من وجهة نظر، ولكن كلا التحليلين مكملين لبعضهما البعض. ولو وضعت تفسير القرآن الذي أوردته أنت بجانب التحليل (وليس التفسير) الذي أورده الكاتب، لوجدتهما يعمقان القصة ولكن لا يتناقضان..

ولا أتفق معك في أن هناك قضايا لا صلة للقرآن بها، فالله سبحانه وتعالى قال عن كتابه: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10
وقال أيضا سبحانه في نفس سورة الكهف: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54

فالله تعالى جعل لنا في القرآن معجزة، من يتدبر آياته، ينتفع بها في جميع العلوم وفي جميع مناحي الحياة
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17

ومن تجربتي الشخصية، فإن عمق فهم القرآن، وربطه بالواقع وبسنن الله في الكون، يزيد من إيمان الإنسان، ومن ثقته ويقينه في الله وفي كلام الله، ويزيد من معرفته بالله وبخلقه وبسننه

ربنا ينفعنا بالقرآن، ويرزقنا عمق فهمه والعمل به

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.