محصلة الحلقات السابقة (سلسلة المسار التاريخي للبشرية 14)

قبل الانتقال لحلقة جديدة من تطور الإنسانية  ومسارها التاريخي، يجدر بنا أن نقف وقفة مع ما قلناه سابقا، حتى لا يبدوا سردا مجردا لأحداث. لقد رسمنا مسارا طويلا بمحطاته الكبرى، ابتداء من الإنسان الصياد مرورا  بالراعي والمزارع باعث المنهج العملي، ثم لليوناني باعث المنهج التجريدي، ثم للكنسي الذي صادر العقل والروح والجسد في العصور الوسطى، ثم للمسلم باعث المنهج التجريبي ومنطلق الأفكار الحية، ثم للأوربي  الملتقط للأفكار الحية المفعل لها في عصر النهضة.

في كل هذا المسار كان التطور وليد فكرة جديدة. فالصياد  اكتشف أنه قادر على أن يستأنس بالحيوانات  بدل الجري ورائها. هكذا تحول لراعي، وبالتالي انتقل طورا للأمام.

وفي بحثه عن الماء والكلأ اكتشف الأنهار، وما يحيط بها من زرع، فخطرت في باله فكرة الاستيطان بدل الترحال. وحين بدء التجمع البشري يكبر، طور القوانين والتشريعات، ونظم الحياة والمعمار لتواكب حجمه واحتياجاته. وبفكره العملي عبر التجربة والخطأ أقام أبنيته ومشاريعه. وبارتقائه لمرحلة أخرى اكتشف الحاجة للتفكير التأملي فولدت الفلسفة لتشرح وتنظم فكرة بعد فكرة... وهكذا ارتقى الإنسان.

القرآن الكريم يخبرنا: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) إذا ما زال فضاء الأفكار المبدعة متسعا، وما زال أمام الإنسان مجالا واسعا ليضيف ويطور اليوم وغدا وبعد غد.

التطور في مسارات الحياة قد يأتي من فكرة جانبية، لا علاقة لها بالسياسة وصراعاتها. فالصياد  والراعي والمزارع، والفيلسوف الأول ومكتشف المطبعة لم يكن همهم سياسيا ابتداء! ولكنهم أثروا الحياة بمختلف جوانبها بما فيها الفضاء السياسي.

التعليقات

فى أى الحلقات الـ 14 ورد ذكر الإنسان الصياد والراعى والمزارع؟

يقول الكاتب (لقد رسمنا مسارا طويلا بمحطاته الكبرى، ابتداء من الإنسان الصياد مرورا بالراعي والمزارع باعث المنهج العملي،)
لقد قرأت الحلقات الأربعة عشر جميعا ولم أر شيئا قد كتب عنهم فهل ورد ذكرهم فى موضوع آخر خلاف سلسلة المسار التاريخي للبشرية؟

والذى دفعنى للسؤال هو رغبتى فى معرفة ماكتب عن مسار الإنسان التاريخى ومروره بمراحل تعلمناها فى كتب التاريخ حيث بدأ بصيد الحيوانات ولبس جلودها وصناعة أدوات الصيد ثم إستأنس بعضها وتحول لراعى ثم عرف الزراعة بالصدقة وعلاقة البذور والماء بذلك.

هذا هو ما درسناه فى كتب التاريخ ولكن هل هذا هو التاريخ الحقيقى للإنسان كما أخبرنا به الله عز وجل فى قرآنه؟

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )27 سورة المائدة

وفى تفسير ذلك نجد عده روايات وردت فى تفسير إبن كثير ولكنها تجمع فى النهاية أن ولدى آدم كان أحدهما مزارع والآخر راعى وهذا يبطل الزعم بالصورة التاريخية عن الإنسان كما وردت فى التاريخ.

وهذه الصورة للإنسان مرتبطة بنظرية التطور لدارويين وحيث أن نظريته فاسدة فالله خلق الإنسان إنسان ولم يخلقه قرد وكذلك الله علم الإنسان الأول منذ آدم الزراعة والرعى وأما ما ورد فى شأن الصيد ثم الرعى ثم الزراعة فهو قول فاسد من الناحية الدينية وكما ذكرت فهو مردود عليه.

مع تفسير إبن كثير:

ذكر أقوال المفسرين ههنا
قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك, وعن أبي صالح عن ابن عباس, وعن مرة عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان لا يولد لاَدم مولود إلا ولد معه جارية, فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الاَخر, ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الاَخر, حتى ولد له ابنان يقال لهما: هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع, وكان هابيل صاحب ضرع, وكان قابيل أكبرهما, وكان له أخت أحسن من أخت هابيل, وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل, فأبى عليه, وقال هي أختي ولدت معي, وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها, فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى, وأنهما قربا قرباناً إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خيثم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير, فحدثني عن ابن عباس, قال: نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها, وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة, فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة, فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي, فقال لا , أنا أحق بأختي, فقربا قرباناً فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع, فقتله, إسناد جيد, وحدثنا أبي, حدثنا أبو سلمة, حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس وقوله {إذ قربا قرباناً} فقربا قربانهما, فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض, وصاحب الحرث بصبرة من طعامه, فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفاً, وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام, إسناد جيد,
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو, قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاَخر, كان أحدهما صاحب حرث والاَخر صاحب غنم, وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً, وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه, وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن والزوان, غير طيبة بها نفسه, وإن الله عز وجل, تقبل قربان صاحب الغنم , ولم يتقبل قربان صاحب الحرث, وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه, قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه, وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان, كان أحدهما صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه, فأحبه حتى كان يؤثره بالليل, وكان يحمله على ظهره من حبه, حتى لم يكن له مال أحب إليه منه, فلما أمر بالقربان قربه لله عز وجل فقبله الله منه, فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم عليه السلام, رواه ابن جرير.

وحتى الرؤية المسيحية للقصة لم تختلف عما ورد فى القرآن.

الخلاصة عدم صحة ما يدرس من تاريخ تحضر الإنسان ومروره بمراحل الصيد ثم الزراعة ثم الرعى وبالتالى فساد الإستدلال بما هو فاسد.

والله من وراء القصد.

حياكم الله دكتور جاسم

حياكم الله دكتور جاسم ..

دوماً هي الفكرة ... الفكرة المبدعة الخلاقة ، تكون في مفاصل التطور للمسار الطيب لبني الإنسان ...

شكراً على الإضاءات المباركة ... ومتابعون بشغف وإنتظار لحركة المسار ...

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.