صاحب يس وقومه ( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى )
في صياغة متقاربة مع الرجل الذي سعى في قصة موسى لينصح للكليم عليه السلام في سورة القصص، يعرض القرآن هنا نموذج القرية وأصحابها في سورة يس، في ضرب للمثل قصد بإيضاح مسار الرسالات وما يقع في تقدير الله سبحانه وتعالى من إيمان المؤمنين وعصيان العاصين برغم توافر الآيات والرسل.
ظلت القرية قرية حتى اتفق ملأها على المرسلين، وقالوا في حسم للأمر ( لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم)، إنها إشارة إلى السلطة الاستبدادية في صورتها الجماعية، أي حينما يتفق ملأ القوم على أمر ولا يستطيع من عداهم مخالفتهم، ويكون بيد الملأ أمر التدبير المادي والروحي.
المادي وهو ظاهر، فكيف الروحي؟
الروحي يظهر من قولهم : ( إنا تطيرنا بكم )، فمن هو الذي يحدد المشؤوم وجالب الشؤم، وهذا جانب غيبي بحت مرتبط بعلم المستقبل، ومن يستطيع تحديد هذا الأمر هو من يمتلك زمام الأمور الروحية، إن خضوع الأمور الروحية لما تهوى الأنفس مؤشر على توقف حركة الدين، وانتهاء دوره كموجه، ويصبح خاضعا لمقاييس شخصية غير قابلة للقياس والتحليل.
ولا أقول هنا قابلة للتعليل فكثير من الأمور الدينية هي تعبدية غير معللة عقليا إلا بكونها عبادة، ومصدرها أمر الله تعالى وحده.
إن مواجهة الرجل لقومه، اقتضت شجاعة في اتخاذ الموقف نفسيا والانحياز إلى الحق لا الهوى، ثم الإعلان صراحة عن هذا الموقف، والوقوف ضد الإجماع الخاطئ، مع القدرة على تحمل العواقب، ويتضح هذا من عدم التراجع حتى اللحظة الأخيرة.
نلفت النظر إلى أن الرجل هنا ينطبق عليه ما انطبق على صاحب سيدنا موسى عليه السلام، من احتمالية الفقر وطرفية الموقع الجغرافي في إطار المدينة، وعدم وجود الواجهة الاجتماعية بدليل أنه اضطر أن يجاهر لأنه لم يكن معروفا، بعكس مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه لصعوبة موقعه وسط آل فرعون.
هنا، نجد الثمن المدفوع هو القتل، تنفيذا للرغبة الاستبدادية لدى المجتمع ككل، وفي المقابل نجد روح الناصح لدى هذا الرجل مستمرة حتى بعد موته، فأثمرت، فهو مشفق على قومه حيث يقول: ( يا ليت قومي يعلمون ).
وليت مثقفينا يكونون على هذا المنحى، فيخرجون على الإجماع الخاطئ، ويحاولون الإصلاح والنهوض بلغة قومهم، وعدم الاغتراب عن حاجاتهم ومخاطبتهم بما يفهمون، فبالتالي خطاب النصيحة الواقعية والواضحة هو باب تحقق الموقف للمثقف، وقدرته على الوصول إلى التعبير عن موقفه.
بالعودة إلى السيرة النبوية نجد النبي صلى الله عليه وسلم يصف عروة بن مسعود الثقفي الذي اشتركت قبيلته في قتله بأنه يشبه صاحب يس، نجد أن ثمرة نصيحة عروة رضي الله عنه كانت هي تراجع ثقيف وإسلامها، فلو لم تبلغنا رغبة عروة في النصيحة لعلمناها من تراجع ثقيف.

التعليقات
أضف تعليقاً