الخوف على المقدس (نظام الأفكار الحاكمة 2)
كان حديثا عابرا، لم تكن ندوة، ولا محاضرة، مجرد حديث عابر في مجلس عادي جدا، روى أحد الحضور قصة تراثية، كانت تبدوا أكبر من تحمل أحد الحضور! فالمتحدث يقول: أن فلانا من السلف كان يهاجم الروم فيخترق صفوفهم بسيفه وهم ستون ألفا جيئة وذهابا! وصاحبنا الآخر يرد: هل من المعقول أن يخترق أحد ستين ألفاً مدججين بالسلاح جيئة وذهابا دون أن يعثر في الطريق بشئ!! لم يكد أحد يصدق أن هذا سينقلب لغضب وصراخ وصخب واتهامات! كيف يتجرأ ويسأل مثل هذا السؤال؟ لم يكن الشخص الراوي يعلم المصدر، سمعها أو قراها، ولكن يكفي أنها وردت مسيجة بمهابة الماضي وجلال الأسبقية التاريخية حتى لا تسائل أو تناقش .
إننا حين ندخل لمنطقة المقدس الحقيقي، أو المتوهم بمعنى الكتاب والسنة، وهما المقدس الحقيقي أو ما أنتجه البشر من افهام اقتربت أو ابتعدت عن النصوص وهو المقدس المتوهم. فنحن ندخل المنطقة الأخطر، هي منطقة الأسلاك الشائكة، والمكهربة، والمفخخات العاطفية، منطقة بكل سهولها وكهوفها ومرتفعاتها وسفوحها مشحونة بالعواطف. هي مناطق تعريف للذات وللآخر. مناطق الجاهل بها اشد تعصبا لها من العالم بها. القداسة الخفية تنسحب فيها على الأفكار والأشخاص والأشياء. كل شخص تلمسه فيها أو تذكره يحمل كمية من الطاقة الصاعقة يفجرها في محبيه! كل فكرة أو كتاب يحمل عبق الماضي له من القداسة الخفية ما له، كل اسم أو مسمى يحمل عند مشايعيه قداسة القرآن والسنة ولو بشكل مستتر، حين يفتح أي ملف من ملفات هذه المنطقة تستثار عواطف الكثير من المحبين، وعندما تستثار العواطف يتوقف العقل...تشتغل ملكة الكراهية، وتتوقف ملكة المحبة والتسامح ويصبح الخلاف في الرأي مفسد للود! كيف لا والموضوع هو موضوع المقدس ولو كان مختفيا تحت عبارات تغلف التقديس بشئ من المواراة والمواربة ؟
هنا يقف الباحث والمهتم أمام إشكالية ومعضلة. راحته النفسية أن يحميها من الانتهاك، وبين متطلبات زمن لا يرحم يحتاج شق الطريق للمستقبل فيه لنوع من المعالجات قد تكون مرة، ولكنها ضرورية للشفاء. نهضة الأمة مرهونة باقتحام هذه العقبة، عقبة المراجعة الفاحصة لجملة أفكار لن يخلو ذكرها من ذكر قائليها أحيانا.
مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر استثارة مشاعر المحبين والمشايعين، أفكار ذهب قائلوها إلى ربهم تركوا ورائهم من الخير الكثير. والموضوع ليس نقد أشخاصهم، ولا نقد ما خرج من التداول من أفكارهم، بل نقد ذات الأفكار التي تشل فاعلية الأمة بغض النظر عن قائلها. هي نظرة تفحص الماضي بقدر ما يؤثر على الحاضر والمستقبل. نحن نسائل الأفكار التي تعمل في وعينا، وما هو أعمق في نظامنا المعرفي، وتتدخل في تشكيل قراراتنا واستجاباتنا. نريد أن نعري مناطق قصورنا ونعالج إمراضنا بأيدينا. ومنذ سنين طرح سؤال أين الخلل؟ الكل مستشعر الخلل ولكن نحن لا نضع أيدينا في عمق الجرح، نحن نقنع بشكله الخارجي نصفه من الخارج، دون أن نجرؤ على سبر عمقه!
المبررات لمثل هذا السلوك كثيرة، يقول قائل هل تريد أن نعري أنفسنا أمام الأعداء والمتربصين بالدين؟ هل نعطيهم سلاحا ليهاجمونا به وينتصروا علينا!؟ والحقيقة أن أعداء الدين والأمة يعلمون عنها ما لا تعلمه عن نفسها! وهم بدون شك لهم الغلبة الآن واليد الطولى، ولن يجدي الصمت لإيقاف هذا التفوق. ويقول آخر لماذا نهدم الصورة المشرقة لأئمتنا ونشوه صورتهم في قلوب الشباب؟ والحقيقة أن قامات الأئمة أكبر من أن يهدمها أحد برأي أو بقول. والخطر ليس على الأئمة اليوم، بل على الأمة أما هم فقد قالوا ما عندهم ومضوا لربهم, تركونا مع قول الله عز وجل ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) حين نستمع لمطلق القول، حين ننقد ونختار، حين لا تقسرنا السلطة المعنوية لأي شخص على مخالفة قاعدة فيتبعون أحسنه عندها فقط نكون قد بدأنا افتتاحية العصور الجديدة للأمة. ومع ذلك كله فلا مانع من الاحترام والتبجيل الواجب لسلفنا، ولا لحسن الخطاب وانتقاء الألفاظ، وهي معادلة صعبة لأن الاعتراض بطبيعته تخطئه. وتخطئة من له سلطة معنوية مغامرة بالضرورة غير محمودة العواقب، ولكن المحاولة تضل واجبه إذا لم يكن من الممكن تحرير ممكنات الإنسان إلا بكشف مناطق الخطر والأفكار القاتلة التي تعيق تقدمه.
مهما قلنا أننا لا نستهدف أحدا من أهل العلم ومن سادات الأمة، نحن نستهدف أفكارا بعينها، منظومات معرفية أنتجت هذا الواقع المرير الذي نعاني منه جميعا، ثم لا نهتدي إلا لإجابات سطحية لا تلامس جوهر المشكل والعلل الحقيقية، وتكتفي بالإنزلاق على القشرة الخارجية. مهما قلنا ذلك سيقول قائل: هذه المقولة تفسيرها غير ما ذهبتم إليه. نسبتها للقائل ليست صحيحة، له قول آخر يشكل مرحلة نضج، هذه قولة قد رجع عنها، هذا كتاب لم تثبت نسبته له، فلنتذكر أننا هنا لا نحاكم القائل حتى ينبري أحد للدفاع عنه، نحن سنتوجه للأفكار التي تؤثر في واقعنا، والتي لو عالجناها لأزلنا من فضائنا أسباب عدم الفاعلية، تلك هي القصة باختصار.
ما سنطرحه في هذه السلسلة هو قراءة في أفكار قاتلة لها أثرها في واقعنا المعاش وفي حال استمرارها ضمان أكيد للتخلف والخروج من دائرة الفعل الحضاري.


التعليقات
كان ؟؟!!
كلمة كان هي المكان الذي تنبثق منه روائح العفن في جوهر عرضنا لتاريخنا فتأليه الأشخاص وتقديس الأماكن جزء من حضارتنا المدعاة في نفوسنا ,لن أنسى هذا الذي يقول كان فلان وفعل و كانه ذلك البطل الاسطوري الخارق رغم أنه بشر ,نسي أن يتعلم من سيرته ,نسي أنه نجح في مكان ولم يكن له نصيب من النجاح في مكان والأدلة في التاريخ كثيرة عن عظماء كان لهم أثر في أماكن وفشلوا في أماكن أخرى ,أليس هذا دليلا على بشريتهم ونجاحهم ,وفعلا إن هذا الجيل الممحوق بالخوف من قداسة الأشخاص قتل بسمة الحاضر والمستقبل وهذا الجيل الذي لطالما سعى ليلقننا الخرافات دون مصدر أو دليل يثبت مايدعيه وبذات الوقت يوجب علينا التقديس و التبجيل ,هل نسينا بشرية المتقدمين ؟! ,أم انهم فوق البشر و لسنا كذلك ...؟؟؟
لا أقبل أن يوصف حال بعض عظمائنا بأقل من أسلافهم (على جميع المستوبات) فهم لم يقصروا والمشكلة الأكبر أننا نعرف ترجمة هذا العظيم أو ذاك كاملة بعد رحيله ؟!
إن الناظر بتجرد يرى أن بيت القصيد يكمن في الحالة إلى المصداقية العالية في وصف حال الأمة والبحث الجاد عن أصول تعرقلها , فالأمة في كبوة ولكل فارس كبوة وشبابها فرسانها ولكن بالعلم والصدق والرؤية الواضحة البعيدة عن الأفكار المسبقة المحبطة وبعيدا عن تناول الأشخاص بالتأليه والتقديس لأن الفكر يقابل بالفكر والتأليه يقابل بالعبودية والتذلل و نحن جيل حر عبوديتنا لله ومنطلق الحل هو تطبيق السنة مع مراعاة فقه الواقع والبحث عن أبواب سد الذرائع ويجدر بنا ألا ننسى أفضال أئمتنا وعلمائنا بمناقشة فكرهم وليس بالتبعية المطلقة.
تعقيب وَ رد على حسام حسن
كثيرا ً من أعلام أمتنا هم ممن تمت برمجة قداستهم بنجاح في عقول أمة ( ضحكت من جهلها الأمم ) .
كيف أقرأ الماضي ؟
1- بعين الناقد .
2- تحليل وتشريح .
3- إستنتاجات وأراء جديدة , أو البناء على المادة .
ياحسام ياحسام , بل هو أسلوب خالفوا تعرفوا ^_^
لقد كتب الزبدة بقولك ( نحن لا نقدس التاريخ ولا نقدس أشخاص والكل يؤمن بأن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد عليه طالما نحن لا نتكلم عن المقدس الحقيقى وهو القرآن وصحيح السنة. )
ولكن التعميم في الضمير ( نحن ) أضعف مقولتك الرائعة بل وألقى بها في الهاوية لأم مابين القوسين أعلاه هي الهدف التي يطمح أن يصل لها الكاتب مستقبلا ً , أما الآن فهناك من يقدّس السم فقط لو قلت أنه عسل وكنت ابن فلان من نسل فلان الفلاني ( صحابي أو تابعي ) ...!!!!
ربما يقدّس المسلمون الماضي لأن حاضرهم ملأه الذل و الهوان , هم بحاجة لأن يفخروا بشيء ما حتى يسدوا هذه الفجوة في نفوسهم فيقدسون كل ماكان على صيغة ( كان ) , هو مرض لابد من علاجه , ألا ترى الأعلام سابقا ً يؤلفون الكتب ويلفون الكتب الأخرى للنقد و الرد , ألا ترى العجز اليوم في النقد والتأليف والرد , رغم أن التكنولوجيا وفرة أعلى سبل الراحة لحضرة المؤلف , أتساءل كم كتابا ً كان ليؤلف الواحد منهم لو كان عنده ( لاب توب + إنترنت ) ؟!!!
خلود الكندي
كم منا يحتاج الى دورة في التفكير النافد
حقا لكم هي مقال تحاكي الواقع....التفكير الناقد هو مانحتاجه لاصلاح مافسد ...اما المسلمات فهي مشكلة يعاني منها نسبة كبير من الملتزمين او بالأحرى المتزمتين... بوركت
اول ما نحتاج تفكيكه في عقولنا
اول ما نحتاج تفكيكه في عقولنا "قداسة الأشخاص" وقداسة الأفكار الناتجة عن أولئك الأشخاص..حتى ننطلق نحو النقد دون خوف وبالتالي إبطال السيء منها دونما أي خوف..
لا بد وأن تخلفنا سببه تحكم بعض الأفكار القاتلة فينا،، ولا بد أن سبب تأثيرها علينا هو تقبلها زمنا بعد زمن حتى أكسبها هذا شرعية وسلطة وقدسية .. فأصبحت أفكار متجذرة في العمق والعقول تتفاعل مع ثمارها دون إدراك أصلها وجذرها الأصلي..
لهذا نحن نحتاج للعودة إلى جذور الفكرة السامة واقتلاعها من أصولها .. لنزرع بعدها ثمرة طيبة تصلح لواقعنا الحاضر.. والثمر الطيب يخرج نباته طيب
ما اشفاها من كلمات ...انها
ما اشفاها من كلمات ...انها تشفي العليل وكأنها تصف الموقف التي كنت بصدده اليوم حين صرخت بوجهي "اي دين هذا الذي تنادون به ..قد شوهتم صورة الدين بافكاركم الطاعنة لما كان عليه الصحابة ،لنا خط مستقيم لا يجب ان نطعن به " وكأنني برأيي المخالف لها قد طعنت بالصحابة الكرام وكذبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ،حقا وكأن صاعقة ضربت جسدها حين حاورتها..كما قال الدكتور جاسم ...ليتها تقرأهذا المقال
جزيت خيرا والدي العزيز ننتظر الاخر بشغف...
مقدمة ونتائج
الكاتب عندما تحدث فى مقدمته مقاله ضرب لنا مثلا عن قصة تراثية فى واقع الأمر لا تقدم ولا تؤخر من واقع الأمة فى شيئ.
فلا هى أنتجت فكر ولا عطلت فكر ولا أثرت بأى شيئ فى حياة الأمة أو مجتمعاتها.
وبالتالى فهى لا تمثل للأمة أى مقدس لا حقيقى ولا وهمى وحالة صديقه حالة فردية لا يمكن تعميمها على الأمة لنستخرج منها فكرا ونتائج.
أما ما وصل إليه الكاتب فى نهاية مقالته فهو الدعوة لفتح ملف العلماء من الصحابة والتابعين والسلف ومناقشة أفكارهم التى قد تكون من وجهة نظره تمثل حجر عثرة فى تقدم الأمة.
وهكذا كانت المقدمة التمهيدية عن شيئ والهدف المطلوب الوصول له شيئ آخر وهو ما يعرف بأسلوب دس السم فى العسل.
نحن لا نقدس التاريخ ولا نقدس أشخاص والكل يؤمن بأن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد عليه طالما نحن لا نتكلم عن المقدس الحقيقى وهو القرآن وصحيح السنة.
إذا يبقى السؤال ما الجديد الذى يحاول أن يقدمة الكاتب فى مقاله؟
ربما لا شيئ حتى الأن وأخشى أن تكون المقالة بداية للخوض فى المقدس الحقيقى دون الوهمى.
.فلننتظر لنحكم ونرى كيف تسهم مثل هذه الأطروحات فى نهضة حقيقية للأمة فهذا هو غايتنا جميعا فى النهاية برغم إختلاف الطرق المؤدية لذلك لدى كل منا
جميل
تحياتي لك د. جاسم
موضوع مهم للغاية ، ويجب فعلا البدء بطرح الأسئلة وفرز التراث
أشكرك وننتظر المزيد
البحث عن الاسباب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بذور صالحة أنشاء الله أرجو أنك قد رأيت بعض براعمها في أرض الشباب المثقف الذي يبحث ويناقش أصل الفكرة بالمنطق قبل أن يتفاعل مع شكلها وصورتها المضيئة،وددت أن اسلط الضوء على نقطة أرجو منك أن تغنيها ببحثك ومنهج علمك وهو لماذا نبحث في داخلنا وفي عالمنا الواقعي عن الاساطير وأبطالها ولماذا ننظر الى صورالعظماء دائما على أنهم عظماء وحسب ولا ننظر الى كيف وبماذا نالوا هذه العظمة، لماذا نحتاج الى الصور والدلالات المقدسة ولماذا نحتاج أن نضفي عليها هالة التقديس، أين تكمن الحاجة الانسانية في أعلان هذه الاشارات بنوع من التعظيم والتبجيل.
ومثال على ذلك هناك في الموروث التاريخي بأن الفارس يقاتل مئة رجل والصنديد عند العرب يقاتل مئة فارس وقيل ألف... فما حجة الشباب اليوم لتسليط الضوء على هذه المعلومة وكيف سيستفاد منها وهل هناك حاجة الى هذه الفكرة وهل سيكون هناك نوع من التعطيل النفسي لروح الشباب المندفع
بروح متوثبة لفعل التغيير إذا أبطل مفهوم هذه الفكرة.
وتقبل خالص تقديري وأحترامي
في الانتظار بشوق
في الانتظار بشوق
في شوق للتالي من
في شوق للتالي من المقالات.
"مناطق الجاهل بها اشد تعصبا لها من العالم بها." أعتقد إن هذا هو السبب (الجهل) أكثر من كونه تقديسا لذات الماضي أو ذات الأشخاص أو حتى ذات الأفكار... أؤمن بذلك و أحسه في نفسي.
مع ذلك أعتقد إننا يجب أن نركز على أن مخالفة العلماء لا يكون بتبجح أو مدعاة للتفاخر ولا يعني التطاول عليهم ولا يعني فقد الثقة فيهم أيضا.
بارك الله فيكم جميعا.
أضف تعليقاً