الأفكار المستترة (نظام الأفكار الحاكمة 1)
يروى أن شابا كان ينوي زيارة إيطاليا، وقد حدثه صديق قبل السفر محذراً إياه من اللصوص في ذلك البلد، وشدد على ذكر منطقة معينة وصفها ببؤرة النشالين والمحتالين. وسافر الشاب لإيطاليا وهو حذر يترقب. وسأل الله أن يجنبه النشالين ومحاذراً من الاقتراب من المنطقة التي شدد عليها صاحبه. ومن سوء طالعه أو هكذا بدا له أن جاءته حوالة وكان عليه أن يتسلمها من ذات المنطقة المحظورة.
ذهب صاحبنا لتلك المنطقة خائفا يترقب، نزل من سيارة الأجرة وضربات قلبه تتزايد، وانطلق في اتجاه العنوان وإذا به بشاب يناديه بصوت عال: - هذا هو ما تم تحذيره منه يقع ! - أسرع صاحبنا، وأسرع الشاب خلفه، جرى صاحبنا وجرى الشاب خلفه، اقترب الشاب منه ولم يعد صاحبنا قادرا على الجري. توقف متوثبا، وقبل أن يقول شيئا بادره الشاب: "سيدي، لقد سقطت منك محفظتك عند السيارة، هل تتفضل بأخذها!؟ توقف عقله للحظة، ومد يده وأخذ المحفظة، تلعثمت الكلمات في فمه، وقبل أن يقول شكرا كان الشاب قد مضى في طريقة.
أغلبنا يعيش مثل هذه الحالة، إنه سجن الأفكار المسبقة، نظام الأفكار والتصورات، الصحيح منها والسقيم. والأفكار الظاهرة البينة يسهل تتبعها، ولكن الأخطر من ذلك هو نظام الأفكار المستترة، التي تعمل في اللاوعي فهي تعمل دون أن نستشعرها، وتقوم بوظيفتها دون أن نستطيع محاكمتها. إنها قادرة على أن تستغفلنا، وأن تجعلنا نجري ونلهث. هذه الأفكار عندما تتعلق بها صناعة النهضة لا تعود مسألة تسلية، تصبح في صميم الوجود أو العدم، وعندها لابد من الحفر عميقا للوصول لها.
بناء النهضات حين ينطلق يبدأ من علاج عالم الأفكار، فالنبوات تبدأ بقصف أوهام الاعتقادات الفاسدة، والتصورات الاجتماعية المعيقة، ونظم العلاقات المختل، وترمم عالم القيم المتداعية. إنها تدعو الإنسان للنظر في أعماق أعماقه. تحرضه على أن يعمق النظر، تطرح عليه الأسئلة، وتقرعه بالتعقيبات.
منظومات الحضارة الإسلامية
هكذا انطلقت الحضارة الإسلامية ابتداء، منظومة تصلح العقل وتزوده بالمنطق، عمودها الفقري، (اقرأ) و(علم بالقلم) و (قل هاتوا برهانكم)، منظومة تحرضه على عدم الاستسلام لمقولات الأقدمين أيا كانوا ما لم يقم عليها برهان.
ومنظومة تنظم له عالم الاعتقاد، تحاوره وتعتمد الدليل والبرهان، لا تصادر عقله أو تطالبه بالإتباع الأعمى.
ومنظومة ترتب له عالم العلاقات البشرية وقوامها (ولقد كرمنا بني آدم)، ومنظومة قيمية كبرى، تدخله في صلب الفعل الحضاري الإنساني قوامها الرحمة والعدل والإحسان.
هكذا كان واقترب المسلمون من هذه المنظومة وابتعدوا عنها، وبقدر اقترابهم الواعي بهذه المنظومات كانت حضارتهم تزدهر، وبقدر ابتعادهم عنها تسوء الأمور، وفق منهج رباني لا يتخلف (من يعمل سوء يجز به).
والتخلف يبدأ من سيادة الأفكار القاتلة. ولا يكابر اثنان اليوم في أن أوضاعنا غير سارة على مستوى الأمة. وهناك جهود كثيرة تبذل لحل إشكالات الواقع. هناك من ينطلق في المشاريع الخيرية، والدعوية، والجهادية. وكلها خير، ولكنها تعالج الأعراض ولا تنفذ لعمق الأزمة، والأزمة مصيرية ومع ذلك لا يقف أحد ليتساءل: ما هي الأفكار الحاكمة التي أنشئت لنا هذا الواقع وكيّفته؟ وبالتالي أنبتت لنا هذه المشاكل ورعتها في بيئتنا؟ فكلما نجحنا في إطفاء أزمة نبتت اثنتان، ربما لأن العودة للبحث عميقا في نظام الأفكار الحاكمة عمل شاق وأحيانا صادم ومؤلم، ولكنه مع ذلك الطريق الوحيد لنفض الغبار عن مشروع الأمة.
إن التجديد الحقيقي لن يتأتى إلا باختراق عالم الأفكار الدفينة وتمريرها على مفرزة النقد، وفصل السقف(النص القرآني والنص النبوي الصريح) المقدس عن السقيفة(فهمه وتطبيقه للنص) التي صنعها الإنسان عبر القرون، ذلك هو الطريق الأهم الذي يحتاج لرواد.
أردت أن اكتب هذه المقدمة حيث سيتعلق بها سلسلة من المقالات تحت عنوان: "نظام الأفكار الحاكمة"، جوهرها الحفر عميقا في نظام الأفكار الذي أنتج هذا الواقع وأدامه، والذي هو مرشح ليستمر ما لم تعالج القضايا من الجذور، ولنا لقاء.

التعليقات
جزاك الله خيرا ،د،جاسم ،قد
جزاك الله خيرا ،د،جاسم ،قد لا يدرك مدى تأثير هذه الأفكار وتأثيرها على سلوكنا إلا من تمرس في التبين والتمحيص قبل الإعتقاد والتصديق،
من تعرض لهزة تصبح كالزلزال في أول الأمر، فكيف لنا أن نهز صورة أشخاص قدوات اعتدنا أن نقدس أقوالهم وأفعالهم ،وهذا لا يتعارض مع الاحترام والتقديرالذي نكنه لهم ،لكنهم في ذات الوقت بشر أخطأو في فهم بعض النصوص وتحليلها ،....
حررنا الله وجعلنا عبيدا له على نهج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم
بالفعل ان افكار اليوم القاتلة
بالفعل ان افكار اليوم القاتلة بل السامة تطغو على كثير من عقولنا ومن غير ان نشعر نصبح نتصف بهذه الافكار علينا اول ان نغير من عالم افكارنا ونقتل بل ونقمع الافكار القاتلة التي تحاول ان تبيد طموحات عالم الافكار النيرة وتحد من نموها
الافكار باعتقادي كالتالي
السلام عليكم
،،
بعد ان قرأت الموضوع ، تعمقت في هذه الافكار
ويبدو أنها افكار تتمحور حول حب المادة وطرح اي شيء على محسوبية المال ، والشهوات ،، اذا هي افكار تتعلق في حب الحياة والمال والشهوات
هذه الافكار التي تتمحل في قلوب العقول اللتي لا تناشد بالنهضة ^^
أسرتني فكرة النهضة
أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور جاسم سلطان على ما يبذله من جهود في مشروع النهضة .. ولقد وجدت نفسي أسيرا لما يكتب في هذا الموقع لأنه يعبر عن الكثير مما يدور في نفسي ... وهو ترجمة حية على أرض الواقع لكل من يسعى في نهضة هذه الأمة.
أسأل الله أن يكتب على أيديكم الخير .. وأن يرزقنا صدق النية وحسن العمل.
ولكم مني خالص التحية والتقدير
العقل بين الإفراط والتفريط !!
السلام عليكم،
سمعت عنكم وقرأت الان اول مقال .. جميل في زمن الغفلة أن نرى من يحمل جذوة الإسلام على حرارتها وينهض بالمسلمين من دنيا الوحل والطين إلى الهموم السامية والتعلق بجنة الفردوس والنعيم .. فاسأل الله أن يوفق كل الناهضين بالإسلام لصراطه المستقيم وهديه القويم، فرغم أن كل الطرق تؤدي إلى روما (ايطاليا بلد الشرك الصراح) فليست كل الطرق تؤدي إلي الفلاح! وبغض النظر عن رواية شاب ايطاليا وسذاجته، أحب أن يفصح احدهم بوضوح ماذا تعني الأفكار المستترة مباشرة مع التمثيل بالواقع .. حتي اقطع شكي من التعريض باليقين واستفصل من الاحتمال بقول مبين.
لا تسلني لماذا .. عندما قرأت مقالكم قفزك لخاطري كلمات الفخر الرازي بعدما هام في أودية الكلام والفلسفة:
نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وللحديث بقية باّذن الله .. والسلام
الجراح
استفسار؟
سعادة الدكتور/ أريد معرفة المراد من قولكم ((وفصل السقف(النص القرآني والنص النبوي الصريح) المقدس عن السقيفة(فهمه وتطبيقه للنص) التي صنعها الإنسان عبر القرون، ذلك هو الطريق الأهم الذي يحتاج لرواد)). هل تقصد محاكمة النص بالعقل؟؟ خبنا وخسرنا إذا؟؟ وذهبت ريحنا.
اخي الكريم الدكتور احمد
اخي الكريم الدكتور احمد ...العقل هو مناط التكليف ومن فقد العقل فقد الصلة بالتكليف ...والموضوع هنا ليس موضوع ايهما يقدم العقل او النقل ...فذلك تحكمه المناهج العقلية المستقرة في اصول الفقه كما لا يخفى عليكم وهي مشروحة مبسوطة لكل راغب في فهم الشريعة ...ليس هذا ما نتحدث عنه ولكن ساضرب لكل مثلا عن السقف القرآني وبعده مثل للسقيفة الانسانية التي يصنعها العقل البشري في فهمه المتواضع ...بحيث نميز النص المقدس عن افهام الناس ونظراتهم ...اقرا معي مثلا ( والعصر ان الانسان لفي خسر إلآ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) وتامل المعنى العضيم لاقامة الحضارة 1- الوقت واهميته 2- الايمان واهميته 3- العمل الصالح الشامل للخير كله واهميته 4- العمل التعاوني المستنير واهميته 5-خلق الصبر والتحمل للقيام بالمهمة العضيمة ...ذلك ما يخطر في بالك للوهلة الاولى اليس كذلك ؟
تعال لافهام بعض المفسرين وهم ابناء زمانهم فيقول لك احدهم لفي خسر هو ابولهب وآمنوا هو ابوبكر وعملوا الصالحات هو عمر ووتواصوا بالحق هو عثمان وتواصوا بالصبر هو علي كرم الله وجه .
فوق نجد السقف القرىني ممتد زمانا ...متصل بالفعل الحضاري ...قوي مؤثر وفي مثل هذا التفسير ينخفض المعنى ليلامس زمان الكاتب ووعيه ...
و كأني ألمح إرشادا ً منك
و كأني ألمح إرشادا ً منك للشباب والشابات
1- اقرأ = تثقّف
2- علّم بالقلم = اكتب استنتاجاتك
3- قل هاتوا برهانكم = النقاش
وهو يدعوا كلا الأطراف المعنية بالنقاش , إلى زيادة المعرفة و العلم لتقوى الحجة و يعظم البرهان وفي هذا تدريب للفكر والقلم , أضِف إلى ذلك أن القراءة تدعوا للبحث أي ليس الإكتفاء بما يحتويه العقل من أفكار ( ممتصة ) أو الإكتفاء بكتاب دون تحليله .
بارك الله فيك أستاذي .
بعد اختلاط المفاهيم.. وتشوه
بعد اختلاط المفاهيم.. وتشوه بعضها.. وإلغاء بعضها الآخر
لا بد أن نعود لنضع النقاط على الحروف.. ونعود للأفكار السليمة بعد معرفتنا للأفكار الخطيرة المنتشرة بيننا
لا يوجد الآن شيء أهم من العودة إلى الأفكار الحاكمة والقاضية على العقل والمدمرة للمجتمع
سنشارك معك والدنا العزيز في حمل المعول وهدم أي فكرة قاتلة قاضية على الأمة
السلام عليكم ورحمة الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك وفي علمك وعملك "دكتور جاسم" وكل من ينير درب النهضة.
اننا على قيد الشوق لتتبع هذه السلسلة
ثناء واقتراح
بورك فيكم ياسعادة الدكتور وسلسة مباركة نسأل الله أن تكون بدايتها بالتنظيروتتم بالتطبيق. بجهود امثالكم ومن هوه من رواد وزوار هذا الموقع
وهناك أقتراح بسيط أود طرحه وهو أن يعمل شات يستفيد منه الزوار في مناقشة القضايا وتلاقح الافكار وأستقطاب المزيد من المسلمين للمشاركة في هذا المشروع المبارك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الى الامام ابداعتم ننتظر باقى
الى الامام ابداعتم
ننتظر باقى الاجزاء
اسجل قرأتى للموضوع
الى الامام
ننتظر باقى الاجزاء
مقدمة رائعة تعالج قضية جوهرية
مقدمة رائعة تعالج قضية جوهرية في مجتمعاتنا :)
بانتظار باقي الأجزاء ..
مقدمة رائعة
اهلا دكتور..مقدمة رائعة ..وبانتظار المقالات.. امل ان تخترق كثير من الافكار السائدة
تقبل تحياتي
ناصر
الافكار الحاكمة
بارك الله فيك.. انشر دواء ازمة الامة
الافكار الحاكمة
بارك الله فيك.. انشر دواء ازمة الامة
ننتظر اللقاء يشغف
الافكار الدفينة من اكبر المحركات التي تتبرمج من خلالها الامور..فكم من شخص باذل جهده لاحداث التغيير وفي مكنونه حشد من الاكار القاتلة التي -وان لم تظهر - تحيده عن اي طريق سوى طريقها ..فان كان الجهد موجودا فهذه الافكار تشوهه باستمرار،فلا تظهر فعاليته حتى تجتث تلك الافكار.
ادام الله لن تفكيرك البليغ
ادام الله لن تفكيرك البليغ يااستاذنا ودمت لنا
.
بالفعل نحن بحاجة للتنقيب عن الافكارالتي دفنت في عقولنا وزُرعت وإجتثاثها من جذورها
.
.
تلميذك
أضف تعليقاً