كن حراً... كي تحيا الأفكار
الحديث عن تجديد الفكر الإسلامي هو في حقيقته حديث عن المجدد الذي بدونه لا يمكن للفعل أن يوجد بذاته، بمعنى آخر إن الصيرورة الزمنية أو التراكم التاريخي كفيل بكشف عوار نموذج ما ومن ثم إسقاط مشروعيته، لكنه أبدا لا يمكنه إنتاج البديل، بل تقع هذه المهمة على عاتق (التجديد) الذي لا يكون إلا بوجود الإنسان المجدد، من هنا تأتي أهمية الحديث عن هذا الإنسان وأهمية إيجاده بل وإيجاد المناخ الملائم لتواجده، وأنا أعلم كم هي الهالة التي تحيط بلفظة (المجدد)... إنها هالةٌ تجعل قارئ هذه السطور يحيل الكلام إلى نابغة آخر ربما يقبع في مكان ما لكنه ليس هو بالتأكيد، لكني معني هنا بتبسيطها إلى أقرب مدى ممكن ليصل القارئ إلى نتيجة مفادها أنه معني بكلامي، فالمجدد الذي أعنيه هو كل مساهم في التجديد، بل كل مساهم في إيجاد مناخ ملائم لذلك، وإن من أسباب تقاعس علماء الشريعة عن أداء واجبهم خمول طلبتهم وكسل عقولهم وضعف الأسئلة الموجهة إليهم، وفي أحيان أخرى عدم وجود مناخ ملائم لإبداء رأيهم، هذا المناخ الذي باستطاعة الطالب المساهمة في إيجاده.
سأحاول إيجاد مواصفات لهذا الإنسان في محاولة لإيحاد تصور واضح ومفهوم، المجدد هو ذلك الحر في ذاته، الباحث عن الحقيقة، الناقد لما حوله... إنها صفات لا تأتي من الخارج، بل هي جهد ذاتي وسيرة ذاتية يكتبها كل إنسان لنفسه.
الحر في ذاته.. أخذت الحرية مساحة واسعة في الفكر الغربي، لكنها مازالت تتعثر في خطواتها الأولى في الخطاب الإسلامي، وأريد أن أتجاوز كل ذلك لأصل إلى مفهوم سهل وواضح، فالحرية في أساسها تحرر ذاتي يبدأ من العوائق الداخلية كالهوى وحب الشهرة والرياء.. وهو ما أفاض فيه السادة الصوفيه وعلماء السلوك كثيرا... ثم هي تحرر من العوائق الخارجية التي قد تكون سلطة مستبدة أو نظاما جائرا، فالتحالف بين السلطة والمثقف تحالف نكد في غالبه قابل للانحراف في أية لحظة، هذا إن سلم منها ابتداء، ثم التحرر من سلطة الناس والجماهير وهو أصعب من سابقه وإن بدا أسهل، لأن (معارض السلطان) محبوب من الناس مقبول لديهم في الغالب، لكنّ معارضة الناس تعني أن يعيش الإنسان غريبا في مشروعه وهمومه.
تبدأ الحرية بأن يبث الفرد الروح في إيمانه، ويجد المعنى في إسلامه... إنها حالة من حالات تطور الإيمان البسيط إلى اليقين الراسخ الذي يمرّ عبر طرق تبدو وعرة إلى حد كبير، إنها استعادة للدهشة أمام الخالق وأمام مخلوقاته، هذه الدهشة التي تمتد إلى الشعائر الدينية وإلى قراءة القرآن، فيكتشف المعنى ويبث الروح من جديد في الحياة، وهو بذلك يكتب قصة إيمانه من جديد، بعد أن تحرر من الإيمان البسيط المثقل بالعوائق.
باحث عن الحقيقة.. لأن الحقيقة قيمة عليا يسعى إليها، لذلك تراه مغامرا في ميادين الأسئلة، يقبل بالشك والحيرة حينا ليصل إلى اليقين حينا آخر، يملك قابلية الانتصار لأي رأي يراه صوابا أياً كانت مرجعيته المذهبية أو التاريخية، يكسر الحواجز الهلامية التي أقامتها الفرق والمذاهب ليتصلب كل فريق وراء إمامهم، لا تهمه الأسماء ولا يبالي بالتهم، جريء فيما يعتقد أنه الحق، لكنه في الوقت ذاته متواضع لأنه يعلم نسبية عقله، وثغرات فكرته، ويملك القدرة النفسية على التراجع والاعتراف بالخطأ.
ناقد لمايراه... لأن عقله قد تربى جيدا، تراه متفحصا للأقوال مختبرا إياها متتبعا لمآلاتها في الواقع، يجمع بين الآراء ليكون منها منظومة متناسقة، وحيث افتقد هذه المنظومة علم أنه ثمة خللا لابد من تداركه، إنه يختبر أفكاره بالحوار والمناظرة ليطور الفكرة تلو الفكرة، وليكثف نموذجه، كلما ظن أنه استقر زاد قلقه، ولكنه يستدل بالقلق على حياة القلب... هكذا يوجد الإنسان ذاته ... وهكذا تدور عجلة التجديد


التعليقات
ما شاء الله
كلام جميل عن التجديد....حين تزرع فينا معاني الحرية وتتشكل فينا العقلية النقدية ودوما نسعى وراء الحقيقة...
كم منا قد سجن عقله بين جدران فكر استاذه وكم تربت بين الاجيال العقلية المتحجمة التلقينية التي لاترفض شيئا ولا تقوى عللى تقييمه ،وكم منا قد حبس نفسه في اطار افكاره الخاصة جازما انها الحقيقة فحجب بذلك نفسه عن امكانية البحث عن الحقيقة فهو -باعتقاده- يملكها.
شكرا لك
أضف تعليقاً