المدينة وموسى والعبد الصالح

( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة )

قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح شهيرة، ورحلتهما المليئة بالأسرار، لا زالت محل نقاش العلماء والباحثين، وقد قدم فيها موسى عليه السلام نموذجا عميقا للإنسان الباحث عن العلم والفائدة، وضرب فيها العبد الصالح مثال العبد الممتثل للأمر الذي يقف في حد ما شرعه الله له.

ولست أدخل في تفاصيل تتعلق بكون العبد الصالح هو الخضر أم لا؟ وهل كان نبيا أم لا؟ لكنني أكتفي بالتوقف عند ملمح لفظ المدينة، وهو أحد المواقف القرآنية التي يظهر فيها الاستخدام الدقيق للفظي القرية والمدينة.

ففي أول قصة الجدار: ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه)، وفي تفسيره لأسرار تصرفاته، قال الله تعالى حاكيا كلام العبد الصالح: ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).

وفي المرة الأولى وقف الأمر على حد الإطعام، وفي المدينة كان الكنز، أي أن الإنسان في حالة القرية كان شخصا مهتما بحاجته الأساسية، بينما في حالة المدينة يكون لديه سعة للتفكير في الإدخار.

الموقف الذي بين أيدينا في هذه المدينة كان ما يلي: غلامان يتيمان، أي أنهما لم يدركا البلوغ، والجدار سينقض، وليس للغلامين ولي يرفع هذا الجدار أو يتعاهده، وكلمة يريد أن تعني أنه على وشك، فإسناد الإرادة للجدار بليغ في هذا المقام، أي أنه فقد كل مقومات البقاء،ناهيك عن خطر ظهور الكنز والذي يعني تمام أن اليتيمين سيسلبانه.

ما هي مواصفات المدينة بالقياس لهذا الموقف؟ بداية نقول أن هذه المدينة لا توجد بها سلطة موثوق بعدالتها، فلو وجدت لما احتاج اليتيمان إلى غريب عن المدينة يقيم الجدار لهما، ولا توجد سلطة تردع أو ترغب في ردع من تسول له نفسه التعدي على حق اليتيمين بدليل أن الحكمة من ترميم الجدار هي ( حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما )، أي أنهما سيكونان في حال من القوة التي يدفعان بها عن نفسهما.

ويظهر خلل آخر هو خلل الإنحياز للقوة لا للعدل، والقوة تملي قيم الأنانية : ( البخل – الطمع )، فأهل المدينة لا يؤدون حقا ولا يتورعون عن غصب حق.

وهناك قضية مهمة وهي أن البخل كقيمة رافق القرية، وكان البخل في حالة موسى عليه السلام والعبد الصالح بخلا بالطعام، والطعام أحد الحاجات الأساسية للإنسان، وبالتالي فهذا يدل على كون القرية تجمعا أشبع الإنسان عبره احتياجاته الأساسية، ولكن المدينة أشبعت حاجات أبعد مدى في الزمان من تلك التي تشبعها القرية، بدليل أن الخضر خطط لمستقبل الغلامين في هذه المدينة التي لا تعرف قيمة للتكافل والتعاضد.

كما أن القرآن يقدم لنا المدينة في صورة السلبية، وهي البعد عن المسؤولية الاجتماعية والخلقية، هذه الحالة من السلبية تمهد للربا ولحزمة ظواهر اقتصادية كثيرة ترتبط بجمع المال وكنزه، وعدم إنفاقه في وجوه الخير، أي أنه بمنطق الاقتصاد يوقف دوران المال الطبيعي الذي يعزز السيولة ويضاعف من حركة السوق، ويقود لتحقق التوازن بين السلع والنقود، بحيث لا يحدث التضخم ولا ارتفاع الأسعار، أي وبمنطق الدين تحدث البركة.

ونتذكر قوله تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) 

التعليقات

محاولة طيبة

محاولة طيبة و لكني المس من قصة الخضر معاني اخرى و لكن بداية ابدا بسؤال هل لو ان القرية اطعمت الخضر هل كان يترك بناء الجدار؟؟ فالاسباب المقدمة لبنائه تظهر ان لا علاقة بين هذا وذاك و لكن التضاض هو المقصود اي في الظاهر يسيئ الخضر لمن اعانه و يعين من لا يستحق الاعانة فمجتمع بخيل لا نبني في مدينته و ان امكن نلطخ جدرانه ... اذن المقصود العام اظهار التضاض و ان كانت المدينة تعني قيام نوع من التمدن يمكن تصوره حسب طرحك و لكني لمست تمييز خطير بين ثلاثة اشياء او معاني كانت الهدف من الرحلة وهي التمييز بين العدل و الانصاف و الحق و هي معاني نجدها تسببت في الصراعات التي وقعت في الحقبة الثانية للخلافة الراشدة.
فالخضر يعلم موسى عليه السلام ان الحق يستغرق العدل و الانصاف و ان له منحنى خاص اذا انفصل عن ادراك العقل المباشر فانه يختفي عن الابصار معنى العدل و الانصاف و يظهر معنى الظلم و الجور و لا يمكن تصور الحق الا من المدرك له و لكن الحق الخفي هذا له علامات واقعية حتى نخرج كل مشعوذ منها فمثلا انفاق عثمان ابن عفان رضي االله عنه و قوة الحق عند علي رضي الله عنه اي تصورهم لاداء الرسالة فرض عليهم اختيارات لم يفهمها من هو متعلق بالعدل او الانصاف .فالعدل مطلب غايته مصلحة بشرية و هي اساس مصلحة الملك الناجح اما الانصاف فمطلب غايته الرقي بالفضيلة الانسانية اما الحق فهو تصور ايماني عميق وقعي غالبا لا يدرك العدل و الانصاف فيه الا في المذى المتوسط و البعيد .فالحق مثلا الذي بعث به رسول الله جل في علاه.عليه الصلاة و السلام و اله. فيه عدل و انصاف نؤمن به و لانشاهده الا يوم الحساب لهذا اذا حكمنا عليه بمدركات العصر غاب العقل الى نفي الانصاف و القدرية الخ... الا من رحم الله جل في علاه. و الله اعلم.

جواز إطلاق لفظ القرية والمدينة على نفس المكان عند العرب

يقول تعالى ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه)
وقوله وجدا فيها يعنى فى القرية نفسها وليس سواها
أما عند بيان الأسباب فقد قال ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما) فوصف المكان نفسه بالمدينة والتى سبق أن وصفها هى نفسها بالقرية.
ولقد نزل القر’ن الكريم على العرب فى زمان الفصاحة والفهم ومعرفة المرادفات المختلفة للكلمة الواحده. ومن ذلك جواز إطلاق كلمة مدينة على القرية وقرية على المدينة فى زمانهم حيث ملامح العمران وتقسيمات المخططين لم تكن قد وضعت بعد.
ولو كان فى هذا الإستخدام غير ما ألفه أهل الفصاحة فى زمان البعثة لقالوا وتسائلوا كيف يصف القرآن نفس المكان مرة بالقرية ومرة بالمدينة؟ ولكن نظرا لكون هذا معتاد عند أهل الفصاحة واللغة فلم يسألوا لأنهم ألفوا ذلك ولم يحاول أحد أن يستخرج من الموضوع ما ليس فيه فالمدينة هى نفس القرية والقرية هى ذاتها المدينة.
نقطة أخرى وهى معنى الكنز الذى ورد فى الآية فقد إختلف العلماء من السابقين فى تعين معنى الكنز وهل هو مالا مما يكنز أم علم مفيد فقال البعض أن الكنز كان صحفا فيها علم ومنهم من قال بل كان ذهبا ومنهم من قال لوح ذهب منقوش عليه علم وهو جمع بين الأمرين أى الكنز مادى وعلمى فى الوقت ذاته ونحن بعد هذه السنين لا نستطيع أن ننحاز إلى رأى منها فكلاهما محتمل.

العمران البشري والقرآن

أرى أن الولدين يعيشان في المدينة التي أصحابها أغنياء ومنهم صالحون ومن هؤلاء أبوالولدين وأن الجدار لبيت له في قرية قريبة منها أهلها طماعون بخلاء وهذا يشيرالى أهمية اختيارالجار قبل الدارليحفظ الله للمرء ماله لنفسه ولأولاده

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.