الإنسان في قلب مشروع النهضة

تنطلق فكرة (النهضة) وفق المنظور الإسلامي من مفهوم الاستخلاف القرآني {إني جاعل في الأرض خليفة}، والاستخلاف هو فعل الصالحات وإعمار الأرض والمسؤولية عن الكون، والإنسان هو مركز ذلك وهو غايته، فهو مفهوم عام يختلف باختلاف الزمان والمكان، فقد يكون في حالة من الحالات ووفق تحديات ومعطيات محددة هو طلب العلم وفي حالة أخرى دفع المستعمر وفي حالة ثالثة التنمية الاقتصادية...الخ، فالنهضة إذن شكل من أشكال الاستخلاف أو جزء من أجزائها لكنها ليست مرادفة لها، وإذا كانت مشكلة العالم الإسلامي اليوم هي الانغماس في خطيئة التخلف الحضاري فالنهضة ترتقي في أعلى سلم أولويات الاستخلاف، بل نستطيع القول إن الاستخلاف في حقنا هو تحقيق النهضة الإسلامية.

      ومع كثرة تداول هذه المفردات (الاستخلاف/ النهضة/ التقدم/ التغيير) إلا أن مفاهيمها تبدو هلامية في بعض الخطابات وغير واضحة، وبالتالي يكون الشعار واحدا لكننا نختلف من حيث لا ندري، لا أعتقد أن تعريف المصطلحات تعريفا دقيقا سيوصلنا إلى مقصودنا، لذلك سألجأ إلى البحث في غايات هذه المفردات لعلي أوضح شيئا من الغموض الذي يكتنفها، نستطيع التعامل مع هذه المصطلحات (النهضة/التقدم/التغيير) بحيادية تامة وحينها تكون خالية من القيم، فحين أنهض قد أتجه إلى أي مكان، ومثله التقدم،، أنا أتقدم... لكن إلى أين، أنا أغيّر... لكن إلى ماذا؟ إذن مجرد الرغبة في (النهضة/ التقدم/ التغيير) هو رفض للواقع وسقوط لمشروعيته، أي سقوط لمشرويعة الأنظمة السياسية والفكرية، لكنه لا يعني الوعي بالشكل القادم والمنشود، لذلك علينا مساءلة النموذج الإسلامي .. ماهي غاية النهضة؟ أو إذا كنا نتحدث عن الحضارة فما هي غاية الحضارة!؟ إذا حاولت رصد المهتمين بالنهضة ومرادفاتها ستجد أن منهم من يدعوك إلى نهضة مرادفة للنموذج الغربي –وإن رفض ذلك بلسانه- ذلك النموذج الذي يفاخر بمركزية الإنسان لكنه يجعله آلة في عالم السوق، فهو يشيء الإنسان (يجعله شيئا من الأشياء) من حيث يظن نفسه مركزا لهذا الكون، لذلك يصبح الاقتصاد هو غاية الحضارة ومؤشر رقيها، سواء تم ذلك باستقلال أو تبعية، فالحرب (المقاومة) التي يتراجع بسببها الاقتصاد غير مرغوبة، لأنها لا تحقق النهضة الحضارية.

      سأختصر الحديث وأدخل مباشرة فيما أعتقد أنه مركز النهضة الإسلامية، إن استقراء النصوص القرآنية يشير إلى أن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو إصلاح نظام العالم، وهذا الإصلاح لا يتم إلا بإصلاح الإنسان، فالإنسان هو المركز في عالم الخلق، وهو غاية الاستخلاف، لذلك إن تحدثنا عن إقامة حداثة أو حضارة أو نهضة فلابد أن يكون هدفها الإنسان، ولكن من هو الإنسان؟ هذا من أكثر الأسئلة غموضا في الفكر الإسلامي الحديث، في ذهني تعريف لازلت أتأمل فيه لكني سأغامر بطرحه، وهو أن الإنسان (كائن فطري مستخلف)، فهو مخلوق بشري لم ينشأ من لا شيء بل جاء محمل بالفطرة، أي هو مثقل بكثير من القيم التي وصلت إليه من عالم الغيب، وليس هذا عبثا بل لغاية ورسالة وهي الاستخلاف في الأرض، والإنسان هو تلك الروح التي حلت بالجسد، فالجسد خادم للروح، وهو مكرم لأجل ذلك، فالإرتقاء بالإنسان هو الارتقاء بروحه، أي الارتقاء بحريته وكرامته وعلمه وفكره.

      إذا استطعنا أن نحدد مفهوم الإنسان وهو أنه (فطري مستخلف) وأنه في حقيقته (روح)، نستطيع أن نجعل كل جزء من أجزاء الحضارة في مكانها، فالسوق في أصله موضوع لخدمة الإنسان، وليس العكس، فمتى أصبح الإنسان مخلوق مستهلِك فذلك يعني أن السوق صار غاية والإنسان تبع له، والدولة هي آلة من آليات تحقيق الحضارة، وقد أثبت التاريخ أن الحضارة لا تقوم إلا من خلال الدولة، ولذلك سعى النبي صلى الله عليه وسلم من بداية دعوته إلى وجود الدولة، لكنها أداة وآلة للارتقاء بالإنسان ولتحقيق كماله وليس العكس، فكل قانون يقوي الدولة ويفقد الإنسان حقا من حقوقه يبتعد بنا عن مفهوم الاستخلاف، والتعليم غايته الإنسان كذلك، ووجود المدينة، إلى أن تصل إلى دقائق الأشياء كالأكل والشرب واللباس... الخ، كل ذلك غايته الإنسان في بعده الروحي.

      إن الاتفاق الأولي على أن (الإنسان) أو (الإنسانية) -بتعبير أكثر دقة- هي بوصلة النهضة، سيشكل قاسما فكريا مشتركا بين شتى المجموعات العاملة، سواء من يعمل في المجال الحقوقي أو الإعلامي أو الانتاج الفكري أو مجموعات العمل التطوعي أو غيرها.

التعليقات

ملحوظة فنية....

ارجو ان يستخدم نوعية الخط النسخ ذات البنط الاصغر حتى يتسنى لنا القراءة براحة

كيف نرفع قيمه الفرد

هل تقصد بكلامك سيدي النهوض عن طريق تفعيل الفرد اولا...اذ ان مركزيه الانسان ليست بالشيب السيئ...الا اذا خرجت عن قيم التكافل و دخلت تحت راية البرجوازيه الانانيه....ولكن يبقى ان دور الفرد لا يتم تفعيله الا اذا وفرت له المصالح والضمانات الاجتماعية. في نظري ان المركزيه شيئ ممتاز لتوليد التنافس بين الافراد...والذي يخدم المصلحه العامه كما قال ادم سميث.

كلامك تماااااااااام يعنى بدل

كلامك تماااااااااام

يعنى بدل الناس المتطوعه ما تصرف على البطون

تصرف على العقول الاولويات بتقول كدا

للاسف انحسر مفهوم المعروف فى الفقراء و المحتاجين و تركوا العقول و لم بهتموا بها

بنوا كثير من المساجد و لم يبنوا عقلا يستخدمها و الامثله كثيره

الى الامام سيدى الفاضل و عفوا ان استخدمت تعبير عشوائى ولكن هذا من توجعى على حال امتى

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.