شباب وفتيات النهضة تكوين عقلي مميز -3-

من سن وقوانين الله تعالى في الحياة والإنسان أنه تتباين أرزاق البشر في أعمارهم وارزقاهم وعقولهم وصحتهم وأولادهم... الخ، ولذلك تجد تنوعا وتفاوتا بين البشر في قدراتهم وانتاجاتهم العقلية، مما يدعونا إلى إمكانية تصنيف العقول من حيث قدرتها على التفكير وإنتاج الأفكار المعتبرة إلى عقول كبيرة وعقول صغيرة.

وقد نحى علماء الاستراتيجيا مثل ذلك حين صنفوا الناس إلى عقول تنفيذية تناسبها الأعمال التنفيذية، وعقول أخرى تكتيكية يناسبها عمليات التخطيط التنفيذي قصير ومتوسط الأجل وعقول أخرى استراتيجية قادرة على التفكير والتخطيط الاستراتيجي بعيد الأجل واسع المدى متعدد ومتنوع الأبعاد.

ويحدثنا علماء المقاصد عن أنواع ومستويات العقول من زاوية أخرى

حين يوصفون الفقه وفقه الفقه فيقولون بأن الفقه هو الذي يقول بأن هذا حلال وهذا حرام

وفقه الفقه هو الذي يقول لماذا حلل ؟ ولماذا حرم ؟

ويفرقون بين الفقه الميت والفقه الحي، فالفقه الميت: هذا حلال وهذا حرام وكفى، والفقه الحي هو البحث والتحري عن المقاصد والبناء عليها، ومرونة النظر فلربما انتفت العلة من التحريم أو التحليل، ولكل منهم عقله المناسب له ، لذلك تجد أنواع الناس مع النص ــ الأول يسأل ماذا قال ؟ والثاني يسأل ماذا أراد ؟ والعلم الحقيقي هو ماذا أراد .

ولهذا أرى أن تدبر اللفظ والحكم  بحثا عن المقصود يمنحنا  آفاقا واسعة للبحث والنظر والاستنتاج والاستنباط والاجتهاد وإنتاج أفكار جديدة أصيلة ومبتكرة وهذا أشد وأكثر ما نحتاجه الآن لحل مشاكلنا وتجاوز تحدياتنا .

من خلال استعمال قواعد الفكر والنظر وأدوات البحث والاستدلال لتدبر النصوص والبحث عن المقاصد والدلالات ، وبعضهم أجاز فأوجز حين قال تدبر النص يمنحك فيه نصوصا كثيرة ، وذهب بعضهم إلى  ذم أهل الظاهر : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) الروم 7

      ( أم بظاهر من القول ) الرعد32  ، وهذا ما أتفق معه حيث أن ترك التدبر والبحث في المقاصد والوقوف على حد ظاهر النص  تسطيح للعقل وربما إهدار له بالكلية، وهشاشة في الدين، كما أن ابن القيم فرق بين الحفاظ والمجتهدين فقال في الحفاظ أنهم أوعية جيدة لنقل العلم.

وبطبيعة الحال لكل فريق عقله وإنتاجه من الأفكار، وأيضا فللنهضة رجالها وعقولها المميزة التى تحتاجها مهام وتكاليف النهضة .

وصدق رسولنا العظيم حين أشار إلى أن فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد،  كما تعوذ من عبادة الجاهل ودعا ربه وألح عليه دوما أن يهبه علما نافعا، وأرى فى نافعا الجمع بين التجديد والعملية والفاعلية.

وترجع أهمية العقل بالنسبة للإنسان كونه أداة الإدراك والفهم والنظر والتلقي والتمييز والموازنة بين الخير والنفع والضرر، وهو وسيلة الإنسان لأداء مسئولية الوجود والفعل في عالم الشهادة والحياة، كما أنه وسيلة إلى فهم الوحي والاستفادة منه والعمل بها، و أداة الإنسان للتفكير والاجتهاد والتجديد والتحديث وتطوير الحياة إلى يوم القيامة ، أيضا العقل هو مناط التكليف من الله تعالى ولا يدرك ويتحمل أمانة التكليف إلا من يعقل ويدرك معناه ومحتواه.

والتفكير هو ثمرة ومخرج وإنتاج العقل الحي العامل، و فكر بمعنى أعمل العقل، وافتكر بمعنى استرجع ما يحفظه وتذكر والفكر هو جملة النشاط الذهني من تحليل وتركيب واستنتاج واستنباط ...الخ في سياق واحد واتجاه معين لتحقيق هدف محدد، والفكرة هي الصورة الذهنية لأمر ما.

وفقه الأمر بمعنى أحسن إدراكه وفطنه وأصبح عالما به، والفقيه هو العالم الفطن

ومن ثم التفكير  هو إعمال العقل بطريقة منظمة و ممنهجة لتحقيق هدف محدد

( اكتشاف شيء ما  ــ إنتاج فكرة جديدة ــ حل مشكلة ما  ــ تطوير شيء ما ..الخ )

وفى التفكير توظيف لعقل الإنسان واستثمارله بما يضمن تطوير حركة الحياة بشكل عام.

وقد اجتهد العلماء في تعريف وتبويب العقل إلى العقل الغريزي ( الفطري) و الذي يعد الأداة الإدراكية لدى الإنسان ، و العقل المكتسب وهو الحصيلة المعرفية والخبراتية لما أدركه العقل الفطري للإنسان ، والعقل الجمعي وهو الطاقات الإدراكية للمجتمع والأمة والتي يدور حولها علوم وخبرات وفكر المجتمع و الأمة

وللعقل أهمية كبيرة جدا في القرآن الكريم حيث ورد ذكره أكثر من ستون مرة على سبيل الأمر بالتفكير والتدبر والبحث عن الحكم والمقاصد والدلالات كأساس لتكوين البنية المعرفية الاجتهادية للبشر كقاعدة لتجديد الفكر الديني والحياتي على مدار العصور المقبلة إلى يوم القيامة عبر منظومة تراكمية من الاجتهادات العقلية البشرية على مر العصور في فهم وتجديد فهم واستثمار الدين في صناعة الحياة وتطويرها باستمرار.

ولهذا نهى الشرع عن الاستدلال بالاعتماد على الظنون؛ لأن الظنون لا تغني من الحق شيئاً، كما نهى عن إتباع الهوى وتحكيمه في الاستدلال بالنصوص.

وبطبيعة الحال فالعمل لمشروع النهضة يمثل نقطة تحول مفصلية  في تاريخ الأمة

تحتاج إلى نوعية مميزة من العقول الإستراتيجية الكبيرة المجتهدة المجددة القادرة على إدراك حقائق وفلسفة التاريخ  و فهم واستيعاب الواقع بمتغيراته الداخلية والخارجية المكونة له والمؤثرة فيه، و استشراف المستقبل وبناء تصورات ورؤى واضحة لما يجب يمكن أن يكون عليه المستقبل القريب والبعيد، وترجمة ذلك إلى مشروعات عمل على أرض الواقع تساهم في عمليات التراكم النهضوى الدائر. في كافة مواقع الفكر والعمل والإنتاج

تحديدا عقلا قادرا على تصور وبناء وإدارة مشروعه الجزئي الذي يشكل أحد لبنات المشروع الكلى للنهضة، على الإجمال هو عقل تغييري يمثل ثورة تصحيحية في عالم الأفكار والأفعال، فيتحول بمؤسساتنا من الخسارة إلى الربح. ومن الاستيراد إلى التصنيع والإنتاج المميز والتصدير، ومن المحلية إلى الإقليمية والعالمية، و ينطلق بمؤسساتنا من الأرباح المحدودة إلى الأرباح الضخمة.

كما يتحول بمؤسساتنا من التقليد والمحاكاة إلى الإبداع والابتكار، وبمؤسسات الدعوة والتربية والإصلاح من ضيق وسكون الغرف المغلقة إلى ساحات المجتمع ومواقع المشاهدة والفعل والتغيير والإصلاح ، كما يتمكن من التحول بالمدرسة من مخازن حشو الافكار والمعلومات البالية إلى البيئة التعليمية الحديثة الإبداعية الخلاقة التي تعد أجيالا من المبدعين الفاعلين في المجتمع. وبالنادي الرياضي والمنتخبات القومية إلى ساحة المنافسة العالمية ومنصات التتويج الأوليمبية، و بالسينما والمسرح إلى العالمية الهادفة البناءة للإنسان وللحضارة، وبالمؤسسة الإعلامية العاملة لدى الأنظمة إلى السلطة الخامسة القائمة على عقل وضمير الأمة الرقيبة على الأنظمة، وبالحزب السياسي من الدمية والديكور ومسرح العرائس المتحركة إلى امتلاك أدوات القوة والفعل والتحرك بها نحو التغير والإصلاح والتنمية الحقيقية والنهضة

من أهم سمات هذا  العقل الاستراتيجي الكبير صاحب التكوين الذهني المميز

أنه عقل قوى حاد البصيرة، عميق النظر، منظم التفكير، واسع الأفق، مرن في حركته الذهنية نحو الاتجاهات المختلفة والأبعاد الزمنية المتباينة، متعدد الزوايا قابل للنمو والتطور المستمر، يقوم على بنية نفسية عالية وفاعلة ومحفزة للتفكير بشكل مستمر، كما يستند اى بنية مكتملة لمنظومة قيم ومعارف ومهارات وخبرات وتقنيات مجال العمل

ومن ثم فهو القادر على:

ــ فهم واستيعاب الواقع الاستراتيجي الحالي لمجال العمل.

ــ تحليل الواقع الاستراتيحى بكافة معطياته وتداعياته الزمانية والمكانية والفنية.

ــ استشراف ملاح المستقبل ومحطة وصول ممكنة وتكوين صورة ذهنية عما يجب ويمكن فعله.

ــ التعاطي مع الواقع الحالي والمستقبل المفترض بإنتاج قدر كبير من الأفكار والبدائل.

كما أنه عقل جامع يمتلك منهجية العالم وتأمل الفيلسوف ومخيلة الشعراء والمخرجين ومنطق المفكر الحكيم ( علمي وفلسفي وتخيلا ومنطقي ) في آن واحد

    يفكر بطريقة علمية منهجية ويعمل العقل متدبرا ومتأملا في الأحداث والمواقف والقرارات والأشخاص...الخ وفى نفس الوقت يحلم ويتخيل ويكون الرؤى المستقبلية وينظم ويرشد ويضبط ويفعل ذلك كله بحكمة العقل والمنطق وفق معطيات الواقع الذي يعيش ويعمل فيه.

يمتلك العقل التأملي الفلسفي المحب للحكمة والباحث عن الحقيقية يتأمل جوانب وعناصر الموضوع بعمق فيطرح على كل جزئي العديد من الأسئلة ويعمل عقله في الإجابة عليها وجمع هذه الإجابات وإعادة النظر إليها من عدة زوايا وبعدة مستويات تفصيلية وكلية ويحاول إدراك وفهم العلاقات فيما بينها  ويظل كذلك حتى يصلى إلى الحقائق التفصيلية والكلية الجديدة التي لا يستطيع الوصول إليها إلا هو وأمثاله من الحكماء.

كما يمتلك العقل التخيلي الحالم الهائم في فضاء الكون والنفس فيتجاوز حدود الزمان والمكان والواقع فيتحرر بذلك من كل قيود وحدود ما يعيشه من تحديات ومشاكل تفصيلية تغالبه في تقييد أفكاره وتصوراته بيد انه يغالبها وينتصر عليها فيتمكن من تخيل وتصور ورسم إنتاج أفكار وملامح عمل جديدة بالطبع تكن خارج حدود وآفاق وتفكير الكثير من الناس .

فتراه يضع التصورات الكلية ثم التفصيلية ويرسم المشاهد المتتالية فيعيد تركيب وتنظيم وتنسيق مشاهد الفيلم لتمنحنا قصة أو فيلما أو خطة متكاملة في تناغم وتناسق عجيب وكأنها يتلوها من صفحة مكتوبة بين يديه ولا يدرى الآخرون انه يقرأها من صفحاته عقله وتخيله السابح في فضاء كونه الخاص به .

وفوق كل ذلك فهو الحكيم المتعقل الذي يدرك حقيقة ومقاصد ومرامي النصوص والقوانين والمعايير فيعيد تحكيم من بلغت إليه مخيلته ( عقله التخيلي ) وما أنتجه من تأمله من أسئلة وإجابات (عقله الفلسفي )  حيث تلتقي الأمواج المتلاطمة في  بحور عقلة  الذاخر لتصب في نهر الحكمة العذبة فيعيد تنقيته من كل أملاح وعوالق وشوائب البحار المالحة ، وضبط  ثورة أمواجه في مسارات النهر المحددة المضبوطة بشاطئ المنطق والحكمة والقوانين والسياسات اللوائح كل ذلك وفق قواعد المنطق والحكمة لتصب في مصبات العمل والإنتاج والابتكارى المتجدد المتواصل العطاء  ــ وكيف لا يتواصل عطاء نهر كانت البحار مصدر مياهه   ــ ذاك بلا شك هوا لعقل الاستراتيجي ، فإذا ما انتهت البحار وجفت الأنهار توقف عقل الاستراتيجي عن إنتاج الأفكار وصنع الخطط ورسم السياسات وإدارة المشروعات .

كما يتميز بسعة  الأفق وتعدد جوانب التفكير  في إطار  واحد  ( النظر للمشهد الكلى )   المظاهر و الأسباب والنتائج  /  المتغيرات  والآثار المحلية والإقليمية والدولي /  السابق والحالي والمتوقع  /  المتغيرات الكلية والجزئية الفرعية / المتغيرات الفنية بأنواعها المختلفة اجتماعية وسياسية واقتصادية وتربوية ..الخ

بمعنى جمع الخريطة المعرفية الجامعة للموضوع والنظر إليها وتحليها بشكل شامل

أيضا هو متعدد في  جوانب وزوايا التفكير زمانيا ومكانيا وفنيا ، تجده  عند التفكير في قضية أو حدث معين يتم النظر إلى الموضوع بصورة شاملة ومتوازنة ومتكاملة في وقت واحد من خلال هذا النموذج

ــ زمنيا  : السابق والحالي واللاحق والعلاقات السببية والطردية بينهم

ــ مكانيا : داخليا وخارجيا / محليا وإقليميا وعالميا

ــ فنيا : المتغيرات والأسباب والعلاقات والتداعيات بأنواعها

العقل الكلى الاستراتيجي الكبير القادر على أعمال العقل وإدراك الحقائق الجزئية

وإعادة تركيبها وفهمها في أنساقها الكلية

ولاشك عندي في أن الكثير مما تعانيه جهود الإصلاح حاليا من تأزم وعثرات صنعت أغلبها  لنفسها بنفسها إنما هو نتيجة مباشرة لغياب وندرة وشح مثل هذا العقل الذي به تختصر المسافات والتضحيات وعلى يديه تأتى الفتوحات وصدق رسول الله صلى الله عيه وسلم حين أشار لأبى ذرا لاعقل كالتدبير. ، ورحم الله تعالى أولى الألباب الذين زكاهم القرآن دوما فهم القادرين على التقاط الذكرى والانتفاع بها

التعليقات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.