المدينة في القرآن بين فرعون والنبي صلى الله عليه وسلم -1
إن طرقنا لموضوع المدينة في القرآن ليس في واقع الأمر من باب الترف الفكري، بل يأتي في سياق محاولة لفهم نظرة القرآن إلى المجتمع الإنساني ومسيرته، انطلاقا من السياقات القرآنية التي وردت فيه كلمة المدينة، سعيا لا للتوفيق بين المدني والديني، لأن المحاولات التوفيقية تأتي في حالات عديدة باجتزاءات في القراءة لكلا الجانبين.

بل ينبغي فهم القيم المحركة لكلا الطرفين واستيعاب ما لدى الآخر في إطار قرآني مبني على قاموس القرآن في شتى جوانبه.
يجب التقرير أولا أن القرآن في معالجته للإنسان والظواهر التي ترتبط بنظام علاقاته بشكل عام لا ينزع نزعة تبريرية بل توصيفية تفسيرية، ثم يشرع في تقديم العلاج، بدليل أن الإنسان خوطب دعوة للإنسان، يقول البارئ : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم)، ويخاطب الناس بلسان رسوله صلى الله عليه وسلم : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم )، في حين أن الخطاب مع المؤمن يتضمن الأمر والدعوة معا، وهذا معروف. ونلاحظ أيضا أن القرآن يتحدث في المدينة عن الجوانب السالبة، حتى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت تعاني من ظاهرة النفاق، وهذا يرجع إفلى الطبيعة التقويمية في القرآن، حيث ينطلق القرآن من التوصيف إلى التقييم ثم التعليل ثم يختتمها بإعطاء القيم الهادية والمرشدة، وهذه القيم لم تكن تفصيلية بل عامة ومرنة التطبيق، تصلح للتعامل معها من وجهات النظر المختلفة والوصول عبرها على نتائج مثمرة.
والمدينة في القرآن قرية توافرت فيها سمات معينة، وبدراسة الفارق بين القرية والمدينة سنكتشف الفوارق بين المتجمع المدني والقروي، وصفات كل منهما، مما يعيننا على تأسيس نظرة للحضارة مبنية على قاموس القرآن كموجه عام، إذ القرآن ليس كتابا في علم الاجتماع، بل هاد للتي هي أقوم، وما على المرء إلا أن يقوم نفسه.
نلحظ كذلك أن المدينة في القرآن لها ارتباطات بظواهر وسلوكيات معينة يمسك كل منها بزمام من أزمة الإنسان القيمية، أي محرك من محركات الإنسان الحياتية التي تحدد إطار حركته العام.
الأقوام الذين وصف الله قراهم بأنها مدن كانوا : المصريين في زمني يوسف وموسى عليهما السلام، والمدينة التي عاصرها موسى والعبد الصالح عليهما السلام، قوم لوط، قوم صالح، أصحاب القرية في سورة يس، والمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ألفت النظر إلى أنني لا أفسر القرآن، فلست عالما بالشريعة والتفسير حتى أفعل، وإنما أحاول استلهام القرآن وتنزيله على وقائع وظواهر تحيط بنا في الحياة اليومية.
وألفت النظر إلى كوني لست أول من يتناول القرآن بطريقة اصطلاحية فقد سبق إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في جامع الرسائل حين تناول لفظ القنوت والشكر والسنة، حيث وعبر رسالته في شرح معنى السنة في القرآن قد قدم مفهوما للسنة تناول فيه بالتفصيل السنن الكونية في الماديات والدينيات.


التعليقات
خارج عن الموضوع داخل في المشروع
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رجاءا من المشرفين على الموقوع-المشروع أن يدجوا في هذا الموقع كل الدراسات و البحوث التي تناولت خطبة حجة الوداع لما فيها من فوائد جمة فان لم تتوفر و هذا مستبعد فليدعوا أهل العلم أن يتناولوا هذا الموضوع و بارك الله فيكم و جزاكم خيرا
لا فارق فى القرآن بين المدينة والقرية
يخطأ من يظن أن اللغة العربية التى نزل بها القرآن قد فرقت بين المدينة والقرية كتصنيف عمرانى.
فالكلمتين لغة تم إستخدامهم لوصف نفس الأماكن سواء فى نفس السورة أو نفس القصة.
ومن العجب أن قصة نبى الله لوط قد وردت كثيرا فى القرآن وقص الله تعالى لنا القصة أكثر من مرة ووصف الله تعالى المكان الذى جرت فيه الأحداث بالقرية فى كثير من المواضع إلا فى موضع واحد وصف فيه مكان الحدث لا بالقرية ولكن بالمدينة.
ومن الآيات التى تصف ذلك:
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ 82
وقوله تعالى
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ 56
وورد أيضا عن نفس القوم والمكان
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ 74
ومنها أيضا قوله تعالى
وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ 31 قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ 32
إلا فى موضع واحد فقط هو ما ذكر أن المكان الذى كان فيه قوم لوط كان مدينة وهو قوله تعالى
وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
ومما سبق نجد أن المكان الذى هو القرية هو نفسه المدينة ولا فارق بينهم.
وهل هذا ينطبق فقط على قوم لوط؟
بالطبع لا فقد ورد فى قصة موسى مع العبد الصالح كلمة القرية والمدينة لوصف نفس المكان.
وأيضا فى سورة يس حيث بدأ الله الحديث عن قصة أصحاب القرية فقال عز من قائل (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ 13)
ثم ذكر نفس المكان بعده بعدة آيات قائلا (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20) فالقرية فى هذه القصة هى المدينة والمدينة هى القرية.
كلمة أخيرة
ولكى نريح أنفسنا من ذكر كل الأقوام الظالمين ممن سكنوا المدن والقرى فقد جمعهم الله تعالى جميعا فى آيات شاملة وسمى أماكن تجمعهم وسكنهم قرى حتى من كان قد سبق أن خصهم بكلمة مدينة لأنه لا فارق لغة عند العرب بين الإثنين فالقرآن ليس تصنيفا عمرانيا ولا لاحق لإبن خلدون حتى يكون فيه تصنيف للعمران الحديث.
ونص الآيات الدالة على ذلك هو:
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ 42 وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ 43 وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 44 فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ45
وقوله أيضا
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ 48
والله وحده من وراء القصد
القرية والمدينة هل هناك فرق أم لا ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما يقوله صاحب التعليق على موضوع القرية والمدينة صحيح تماما من ناحية فالمدينة في القرآن تذكر لوصف القرية
وفعلا صحيح أن القرى سميت مدنا في أوضاع محددة وفي حالة الجمع سمي الجميع قرى
لنتفق على ما يلي
أن اللغة العربية دقيقة ومتنوعة وتضع مترادفات شتى للموضوع الواحد
وهذا قاد علماء اللغة العربية لخلاف هل الترادف يعني تساوي الكلمتين في المعنى أم أن بينهما فروقا ؟
والصحيح الذي عليه الأغلبية أن الكلمتين المترا\فتين بينهما عموم وخصوص، فالكلمة قد تكون عامة ومرادفها أخص منها باعتبار تناول الكلمة لمعنى معين في المفهوم
ومن هنا نجد الأسد يسمى الغصنفر والهزبر والورد و ما إلى ذلك
منطلقي في هذا التفريق كله يرجع لمسألة أن القرآن من الدقة بحيث يستخدم اللفظة للدلالة على أمر معين وخاصية مميزة للتجمع البشري
وقد تناولت المدينة بالتحديد بسبب الجدل حول المجتمع المدني وما إلى ذلك فأردت الرجوع إلى القرآن وتتبع الخواص التي تجعل قرية ما توصف بأنها مدينة وفي جملة معينة اختارها الله عز وجل وفي ذات الوقت تعبر عن مفاهيم وسياق محدد
وهذا يفيدنا في فهم المدينة كظاهرة بشرية ويعيننا على فهم آفاتها المذكورة
وأما كون ابن خلدون لم يكتب في هذا
فاعتقد لو أن كل العلماء توقفوا عن شيء ما لكون أحد الأوائل لم يتحدث فيه فكيف كان سيكون حال العلم
الأخير القرآن ليس تابا لعمران لكنه أيضا كتاب هداية ورشاتد وهذا يقتضي التقويم وحتى يتم الاعتبار بما فيه ينبغي التفكير فيه والفهم له بدقة واستيعاب لمعانية
مع تحياتي لصاحب التعليق وللقراء الركام
" المقدمات الخاطئة تؤدى الى نتائج خاطئة"
هناك قاعدة تقول " المقدمات الخاطئة تؤدى الى نتائج خاطئة"
وهذا هو الحال فى موضوع البحث عن شيئ ليس له وجود للخروج منه بقاعدة ما، فهل نتوقع أن نصل لشيئ؟
القرآن الذى بين أيدينا وعلى عكس ما يقول الكاتب لم يفرق بين المدينة والقرية بحيث أنه لم يجعل المدينة فى حال من التحضر والرقى والترف والرفاهية ومن ثم الفساد أكثر من القرية وهو ما يعول عليه الكاتب ليجعله مدخلا لما يريد أن يصل إليه. وحيث ثبت من النصوص التى أوردتها سابقا أن هذا الفارق لا يوجد فى القرآن لأن الفروق التى نعرفها نحن وضعت لاحقة ولا يمكن أن نتخذها معيار نقيس عليه القرآن الذى نزل سابقا.
أما الزعم بأن إبن خلدون بأنه لم يكتب عن العمران وما لحق ذلك من عبارة (فاعتقد لو أن كل العلماء توقفوا عن شيء ما لكون أحد الأوائل لم يتحدث فيه فكيف كان سيكون حال العلم)؟ هذا التعليق يعتبر خارج السياق ويضر بمصداقيه كاتب المقالة وقدرته على الحديث عن هذا العلم الذى أسسه إبن خلدون!!!.
فإبن خلدون هو مؤسس علم الإجتماع والعمران وهو أول من وضع تصنيفات لهذا العلم وكان ذلك فى القرن الرابع عشر الميلادى، وكون الكلام عن العمران البشرى وصاحبه لا يعرف إبن خلدون ولا فيما كتب وأسس فهذا شيئ هام وخطير يجب أن يؤخذ فى الإعتبار.
التقسيمات التى وضعها إبن خلدون ومن لحقه أى بعد عدة قرون من نزول القرآن و ما فيها من تقسيم ابن خلدون للمقدمة ففي البداية عالج طبيعة العمران وأنواعه المتعددة بصفة عامة وفي الباب الثاني يتكلم عن العمران البشري كنمط مبكر من أنماط العمران " وفيه فصول وتمهيدات" وفي الباب الثالث عرض لدورات الحضارات والنظم السياسية " وفيه قواعد ومتممات" وفي الباب الرابع يعرض خصائص العمران الحضري "وفيه سوابق ولواحق" مؤكداً في تناوله لهذه الأبواب على خضوع العمران لسنن حضارية تحكم حركته صعوداص وهبوطاً.
ومن ثم لا يمكن أن نعيد تركيب ما قاله هو ولاحقيه على القرآن لأن القرآن نزل قبل ذلك بقرون عده فلا يجوز أن نستخرج من القرآن ما ليس فيه وأن نحمل آيات الله تعالى ما لا تحتمله ونفسرها بما لم يأت به أحد من السابقين من رجال أجلاء مخلصين فتح الله لهم من عنده بطاعتهم وكان الواحد منهم بألف أو يزيد منا.
والله وحده من وراء القصد