المجتمع العربي وإمكانية الفعل

بثت إحدى المحطات الإذاعية حلقة مميزة عن" التنمية في العالم العربي وجهود محو الأمية" وكان أحد ضيوفها مسئول هيئة محو الأمية فى مصر والذى شرح الوسائل الكفيلة بالقضاء على الأمية فى مصرمن خلال الاعتماد علي جهود المجتمع المدني وقدرته على المساهمة الفاعلة فى محاربة الأمية.

 

وقال إن الأغنياء فى مصر ينفقون على تجهيز موائد الرحمن فى رمضان لإطعام الفقراء قرابة المليار جنيه مصري بينما ميزانية برنامح محو الأمية فى مصر لاتتعدي 150 مليون جينه.!!!

ولن أقف فى مقالي هذا على قضية أيهما أولي بالإنفاق إطعام الفقراء أو تعليم الأميين.ولكن أطرح السؤال التالي: هل يملك المجتمع المدني العربي القدرة على المساهمة فى علاج أمراضه الإجتماعية والصحية والإقتصادية المزمنة ؟؟؟

وللإجابة على هذا السؤال يحسن بنا أن نلقى نظرة تاريخية على جهود المجتمعات العربية فى التصدي للتحديات الداخلية والخارجية ،فمن خلال استعراض العديد من المحطات التاريخية فى حياة المجتمعات العربية والإسلامية يتضح مدي نجاح جهود المجتمع فى التعامل مع العديد من التحديات التى تعرضت لها الأمة على عده محاور كبري من أهمها:

1. ملف التعليم وبناء المدارس والكتاتيب:

تاريخياً قام به ورعاه وانفق عليه المجتمع الأهلي، وساحات العالم العربي إلي الأن مملؤة بالاوقاف التى أوقفها المجتمع للانقاق على الطلاب والمدرسين وصيانة المساجد والكتاتيب ومدارس العلم، ويكفينا معرفةً أن أحد أعرق الجامعات العربية وهي جامعة القرويين والتي تعد أقدم جامعة في العالم، وقد سبقت الزيتونة بتونس والأزهر بمصر، كما أنها تعد أقدم من جامعات أوروبا بمائتي عام إلا تسع سنين بُنيت في عهد دولة الأدارسة سنة 245 هجرية(30 يونيو 859) حسب رواية المؤرخ عبد الهادي التازي ، وأن أم البنين فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه وظلت صائمة محتبسة إلى أن انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله"

2. ملف الضامن والتكافل الإجتماعي:

تاريخ الوقف حافل بذخائر شاهدة على قدرة المجتمع العربي والإسلامي قديماً على تحمل هذا الملف بشكل يكاد يكون كاملاً دون الإستعانة بالمجهود الرسمي ، مما ساعد في الحفاظ على تماسك المجتمع وعدم انفراط عقده أمام الأزمات الإجتماعية الطاحنة .فكان هناك وقف لعلاج المرضي، ووقف للنساء الغاضبات من أزوجهن، ووقف للأطباق والأواني المكسورة لتعويض الخادمات بالأطباق السلمية حتى لايتعرضن للإهانة والتوبيخ من قبل أرباب البيوت.

بل امتدت جهود المجتمع المدني فى بعض المراحل التاريخية إلي عمل أوقاف لرعاية الطيور المهاجرة ورعاية الحيوانات الضالة ،ومن خلال هذه الأوقاف قدم المجتمع العربي والإسلامي نموذجا عالميا فريداً فى قدرته علي المساهمة فى القضاء على أزمات مجتمعية وتخطيها.

3 - ملف المجهود الحربي:

قدم المجتمع العربي والإسلامي نماذج بطولية فريدة في الإستجابة لنداءات الدفاع عن الوطن وتقديم الدعم المالي والنفسي للمقاتلين سواء كانوا على الجبهة الأمامية من خلال توفير العتاد الحربي أو فى الجبهة الداخلية من خلال رعاية أسر وعائلات المقاتلين،ومعارك التتار والصلبيين شاهدة على هذه الواقع .

فالمجتمعات العربية والإسلامية ساهمت تاريخيا وبشكل فعال فى التعاطي مع التحديات التى مرت بها و نجحت فى التخفيف من اثارها السلبية على المجتمع ومكوناته الصلبة .

وأعتقد أن مجتمعاتنا المعاصرة تمتلك نفس القدرة بل لا اكون مبالغاً لوقلت أن قدرتها على المساهمة الان أوسع وأكبر بكثير بحكم توفر وسائل التواصل والإعلام ووجود أعداد لابأس بها من الأغنياء الحريصين علي مد يد العون للمجتمع ،ويُضاف إلي هذا ايضا أن العديد من الفقراء فى الساحة الإسلامية حريصين على تجاوز الفقر بعرق الجبين وقوة الساعد لو توفرت لهم الفرص الكريمة لذلك .

ولكن لماذا يبدو دور المجتمع العربي المعاصر خافتاً فى التصدي للتحديات التي تهدد كيانه الأن ً؟؟

هذا يرجع لعدة اختلالات كبري منها ما يخص المؤسسات الرسمية الحكومية ومنها ما يخص الأجسام الحية فى المجتمع من نخب وحركات ومؤسسات مدنية، وسنتعرض أولاً ما يخص الهيئات الحكومية الرسمية:

1. العديد من الحكومات فى الدولة القطرية الحديثة تعتبر الجهد المدنى الشعبي منافساً لها ومهددا لسلطانها ويسحب البساط من تحت أقدامها ولاتعتبره شريكاً فى عملية التنمية والتقدم.
2. بعض الحكومات العربية لاتوفرالإطرالإدارية اللازمة لعمل منظمات المجتمع المدني ولاتوفير الدعم الكامل لها.
3. اعتقاد بعض الحكومات والهيئات الرسمية أنها تمتلك القدرة (عصا موسي) منفردة علي إحداث التنمية دون الحاجة لجهود المجتمع المدني
4. وجود ذاكرة تاريخية سلبية عن بعض الحكومات التى صادرت والغت نظام الوقف مما أغلق باب الوقف تماما ً أمام أفراد المجتمع العربي والإسلامي .

كانت هذه بعض الإختلالات في الجانب الحكومي وفما يلي بعض الإختلالات في الجانب الأخر (المجتمع المدني العربي ).

1. العديد من هيئات المجتمع المدني العربي ممثلة فى جمعيات خيرية وثقافية وصحية اشتباكت مع الملف السياسي ودخلت فى صراعات سياسية مع الأنظمة القائمة فى دولها، والعمل الخيري والمدنى وخاصة الجيل الأول منه والثاني فى دولنا العربية والإسلامية ينبغي فصله تماماعن العمل السياسي والحزبي بحيث يكون متاحا لكل أفراد المجتمع الاشتراك فيه بغض النظرعن ديانتهم وعرقيتهم ولونهم وإنتمائتهم السياسية، فالعديد من منظمات المجتمع المدني تعرضت للتضيق و للغلق لأنها دخلت الحلبة السياسية بدرجة من الدرجات ، وبالتالي يتفهم كثير من المراقبين إقدام بعض الحكومات العربية على إغلاق جمعية أهلية تتبع لفصيل سياسي ينافسها ، ويتفهمون فى ذات الوقت وجود جمعيات أخري تقدر ميزايتها بالمليارات تعمل دون تضيق أو تدخل حكومي يحول دون أداء رسالتها وخططها الكبري ، مثل الجمعية الشرعية فى الحالة المصرية والجمعيات الخيرية فى دول الخليج العربي .
2. فقدان الشفافية والمصداقية في العديد من منظمات المجتمع المدنى العربية المعاصرة، حيث تعتبر الشفافية من أهم شروط نجاح العمل الجماهيري،فمؤسسات المجتمع المدنى ُتعرف عالميا بمعايير محددة ومن أهمها قاطبة أن تتوفر فيها شرطان اسياسين:

أولاً : أن تتشكل وتبدأ من خلال مبادرة شعبية محضه دون تتدخل حكومي أو ملكي

ثانياً :أن تخضع المناصب فيها ومجلس إدارتها للإنتخاب والتدوال وأحسب أن العديد من منظمات المجتمع المدني فى الساحة العربية والإسلامية لاتخضع لهذا المعيار الأخير.

3- فقدان الفاعلية والخدمات النوعية فى العديد من منظمات المجتمع المدني العربية علي الرغم من كثرة عددها فوفق التقرير السنوى السادس الصادر من الشبكة العربية للمنظمات الأهلية فى العام 2006 تبلغ عدد الجمعيات الأهلية فى المغرب والجزائر حوالي 30,000 الف جمعية وفى مصر وحدها يبلغ العدد 21,600 الف جمعية مسجله، فماهي القيمة المضافة التى تقدمها هذه الجمعيات للمجتمع العربي على كثرة عددها ؟؟؟

4 – اضطراب سلم الأولويات عند العديد من منظمات المجتمع المدنى فغالبية هذه المنظمات تركز علي مساحات محدودة ونمطية من العمل الإنساني وتكرار نفسها وغيرها دون النظر إلي القضايا الملحة والضرورية للمجتمع فقد تجد فى قرية واحدة عشرة جمعيات لرعاية الأيتام والفقراء ولاتجد جمعية واحدة متخصصة فى جهود محو الأمية ومحاربة ظاهرة التسرب من المدارس .

5- أبواب العديد من منظمات المجتمع المدنى العربية مُؤصدة أمام المشاركة المجتمعية الفاعلة بمعنى أن هناك العديد من المنظمات حريصة على عدم فتح باب الشراكة لأعضاء جدد فيها من المجتمع وخاصة من الشباب والكوادر الفنية والنوعية الجيدة ولايجري فيها تصعيد للقيادات بناء ً على معدلات الإنجاز ومعايير الجودة .

6- القليل جدا من منظمات المجتمع المدني العربية التى تمتلك استراتيجية وخطط واضحة لإدارة جهود التطوع و المتطوعين من أفراد المجتمع الذين يرغبون فى تقديم ساعات من أوقات فراغهم لخدمة المجتمع علي الرغم من أن معيار تمايز منظمات المجتمع المدنى يتفاوت بحسب عدد المطوعين فى كل منظمة من المنظمات :

استراتيجية بناء الجسور

وقفزاً على كل الاختلالات السابقة التى تمنع المجتمع المدني العربي من المساهمة الفاعلة فى تطويروتحديث المجتمع العربي،لابد من اتباع إستراتيجية جديدة تعرف بإستراتيجية بناء الجسور يكون الهدف منها بناء ثقافة مجتمعية جديدة تدفع فى اتجاه المبادرة والتغلب على التحديات وإثبات إمكانية الفعل، فأحداث الواقع وتتابع الزمن وتفشى المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والنفسية فى المجتمعات العربية أصبح تحدياً لايمكن علاجه بالمسكنات ولابالمهدئات. يكفى معرفةً أن الدول العربية وفقاً لتقرير التنمية الإنسانية عام 2002 تستقبل الألفية الثالثة بنحو60 مليون أمي بالغ.

بالتالي الكل مطالب بسرعة التدخل وحسن التنسيق والتواصل من اجل التغلب علي هذه التحديات فالعديد من الحكومات العربية باتت الآن تطلب صراحة مساعدة المجتمع وتستحثه على المساهمة من أجل التغلب على المشاكل المزمنة مثل محو الأمية، وتفشى الأمراض والأوبئة القاتلة، وبالتالي الفرص متاحة أمام مؤسسات المجتمع المدنى للأخذ بزمام المبادرة وإعادة بناء الثقة بينها وبين المجتمعات العربية و النظم الرسمية ذلك من خلال التالي :

أ - تقديم نماذج نجاح واقعية لمؤسسات أهلية نجحت فى التغلب على بعض المشاكل المجتمعية و لو على مستوى قرية من القري أو نجع من النجوع مثل القضاء على أمية قرية من القري أو القضاء على النزاعات الثأرية بين بعض العائلات أو نجحها فى تخفيض نسبة التسرب من المدارس إلخ ....

ب- تفعيل دور الهيئات والاتحادات الجامعة للمنظمات الأهلية من خلال إعلان استراتيجتها وخططها السنوية لمواجهة الأزمات والمشاكل الإجتماعية فينبغي أن تفعل هذه الإتحادات والهيئات وتكون لها خطط خمسية وسنوية مفصله تسعى للتغلب على المشاكل المجتمعية فمثلا لابد من وجود خطة للجمعيات والهيئات للتغلب على الأمية بالتنسيق مع هيئات محو الأمية فى البلاد العربية حتى تتضافر الجهود وتؤتى ثمارها .

ج- توفير مؤسسات تدريبية محترفة تكون مهمتها الأسياسية توفير التدريب للجمعيات الأهلية على وضع الخطط والإستراتيجيات وصياغة الأهداف فالعديد من الهيئات الأهلية تتوفر على كودار بشرية ممتازة ولكن ينقصها الخبرة والتدريب ،ويفترض في هذه المؤسسات التدريبية أن تكون بيئة فاعلة لتبادل الخبرات والتجارب بين الجمعيات والمؤسسات الأهلية علي المستوى المحلي وربطها بالخبرات العالمية فى نفس المجال، فهناك الأن منظمات دولية توفر دعما فنيا وتدريبا رائعا ً للمنظمات الأهلية من حيث معرفة المعايير الحاكمة للمؤسسات الخيرية وكيفية تدريب الكودار البشرية عليها وشروط قبول تدخل المؤسسات الأهلية فى الأزمات والكوراث الصحية الخ من المجالات .

د – اقامة شراكة استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدنى العاملة تهدف الي بناء الثقة بين المؤسسات الاهلية والجماهير من خلال عر ض الإنجازات والإجابة على تسأولات المتابعين وفتح الباب أمام جذب الراغبين فى الالتحاق بالعمل الأهلي الخدمي .

احسب ان هذه الخطوات الأربعه كفيلة بضح الدماء الجديدة فى شرايين العمل الأهلي العربي ورفع مستواه ليكون رافعة مهمة فى تطوير وتنوير وتحديث المجتمع العربي الذي يئن تحت ضربات الجوع والفقر والجهل والمرض ويحتاج لكل الجهود المخلصة ليتجاوز هذه الأمراض التى تكاد أن تفتك به وتهدد وجوده .

التعليقات

رائع جداً ...الاسم عائشة

أعجبني جداً المقال وسأقوم بنشره في المنتديات المشتركة بها ومنها منتدى عالم التطوع العربي.

الموضوع قيم جدا

جزاك الله خيرا...
المشكلة بحاجة الى دراسة متبحرة متكاملة فعدم قدرة المجتمع المدني على ترتيب اولوياته امر ينخر بكل زوايا المجتمع ..اشكالية اجتماعية واقتصادية ودينية وغير ذلك..من الرائع ان تقدم حلول ناضجةكهذه لهذه المشاكل ومن الاروع ان تؤخذ بعين الاهتمام والجدية ...بحاجة للغة ذكيةوسطية للربط بين الحكومات والمجتمع المدني..
شكرا لك

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.