د. جاسم سلطان: لسنا بحاجة لغزو الآخرين لتبليغ الدعوة الإسلامية في عصر الفضاءات المفتوحة
د. جاسم سلطان: لسنا بحاجة لغزو الآخرين لتبليغ الدعوة الإسلامية في عصر الفضاءات المفتوحة
2009-06-19
الدوحة - العرب
طالب المفكر د.جاسم سلطان بإزالة هاجس الخوف والشك المتبادل بين فصائل التيار الإسلامي والحكومات المسلمة منعا للصدام والتآكل. ودعا لامتلاك أدوات ومقومات الحضارة بدلا من التركيز على امتلاك منتجاتها, مشيرا إلى أن شراء سيارات «روز رايز» ليس صعبا, المهم كيفية تصنيعها وحماية مصانعها.
وقال في الجزء الأخير من الحوار الهام والمطول الذي أدلى به لموقع «الإسلام اليوم» إن نشر الدعوة الإسلامية لا يحتاج لغزو الآخرين في ديارهم، موضحا أن القنوات الفضائية والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة تساعدنا على تبليغ رسالة الإسلام بسهولة دون اصطدام بالآخرين.
وفيما يلي تفاصيل الجزء الأخير من الحوار
لو افترضنا أن الأمة الإسلامية اليوم هي الأمة القوية المسيطرة، ألا توافقني أن جزءاً كبيراً مما تطرحه ربما يكون ناتجاً بسبب الضعف الذي تمر به الأمة الإسلامية، وليس مشكلة في الفهم الديني بالأساس؟
نحن الآن نتكلم عن المحكمات، رب العزة يقول: «إن الله لا يحب المعتدين» ما معنى كلمة المحكم في أصول الفقه؟ هو النص المحكم الذي لا يقبل النسخ في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بعد مماته، فمقررات الأخلاق العظمى، الأمانة والوفاء بالعهد والوعد، والمقررات الأخلاقية العظمى لا تنسف بمطلق الأحوال، كالتوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى، لا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بعد مماته، لا يمكن أن يأتي ناسخ لقضايا التوحيد والإيمان، فسواء كنا في وضع قوة أو في وضع ضعف المحكمات هي الأساس، وتفسيرنا لما يجب أن يحدث حتى ونحن في وضع القوة يجب ألا يصطدم مع هذه المقررات.
عندما نقول لن نظلم، لن نعتدي، لكن سنرد الظلم, سنرد العدوان سنطالب بحقنا في نشر الفكر الإنساني، واليوم المساحات الموجودة والفضاءات المفتوحة ضخمة جداً، تجد أن المستقبل مفتوح أصلاً، لن يحتاج فيه الإنسان أن يعتدي على الآخرين حتى يبلغهم الدين، في بدايات الصحوة كان الكلام على أن الإسلام سيهاجم الآخرين حتى يفتح المساحات التي تحول دون الناس والدين.
اليوم لا توجد مساحات تحول بين الإنسان والدين حتى في وضع الضعف، أنت قادر أن توصل الدعوة وأنت تقول للناس من شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، نحن نبلغكم دين الله سبحانه وتعالى كما هو، ونجتهد قدر الإمكان أن نبلغكم إياه، إذا حدث الاعتداء على المبلغين وعلى الدعوة، حقّ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم وهذا يصبح قانون عدل، لكن قانون الاعتداء يقول فيه رب العزة «إن الله لا يحب المعتدين»، وقانون الظلم: «إن الله لا يحب الظالمين».
ولسان حال الواقع البشري يقول اليوم: «أنا سأسمح لك أن تدعو الناس، الفضاء مفتوح لديك.. ادع من تشاء إلى دينك.. أنا لن أمنعك من أن تتكلم.. ولن أمنع أحداً أن يدخل في دينك.. فماذا تريد أكثر من هذا؟!».
تحقيق النهضة
تركز في حديثك على قضية التحول إلى اليقظة، فمتى ستتحقق النهضة إذن؟
حالة اليقظة هي حالة طبيعية إذا امتلك الناس أدوات التعامل مع الواقع وحرروا فكرهم من قيود معينة، فما يطلق عليه عصر النهضة في أوروبا لم يكن عصر الإنتاج المادي، كانت هي المرحلة التي تحرر فيها الفكر من قيد العصور الوسطى ومن المقررات التي كانت مسلمات وما هي بمسلمات, وهذه مرحلة تسبق عملية إنشاء الحضارات المدنية بشكل كبير, وإذا وجدت المدنية بشكل من الأشكال تغذيها وتصلبها، نحن الآن في منطقتنا العربية والإسلامية دخلنا في حالة عمران في كثير من المنطقة العربية، هناك مشروعات تنمية وعمران، لكن عملية الوعي بالمساحات التي يجب معالجتها ستصلب حالة العمران وتحميها، اليوم مثلاً نستطيع بناء لبنان عن بكرة أبيه بعشرات المليارات, فيعاد بناؤه بأحدث الطرز على كل المستويات, ليصبح قلب العالم السياحي، وهذا سيدخل على البلد مليارات، لكن حالة اليقظة التي تقودنا إلى حالة النهضة ستجعلنا مدركين أن هذا العمران يحتاج إلى أن يكون سماء البلد محمياً من طائرات الخصوم، ولا بد أن نوفر المعرفة اللازمة حتى يتم حماية الأبنية التي بنيناها وهذا سيدخلنا في الحضارة، وفي الحياة الحقيقية، لأن شراء سيارات «روز رايز» ليس بالأمر الصعب لكن هذا لا يعني أنك دخلت الحضارة.
نحن اليوم نمتلك منتجات الحضارة لكننا لا نملك الحضارة، فلو تم ردم الفجوة وأدرك المسلمون ما يجب عليهم عمله في هذه العصر بشكل منسق ودخلنا لمرحلة النهضة، التي هي مرحلة الإنتاج العقلي والتفكير في القضايا والدخول في قلب المعرفة الإنسانية حتى ما عمرناه نستطيع صيانته في المستقبل، وما لم ننشئه سينشأ بناء على هذه المعرفة الموجودة، فعملية النهضة تحصيل حاصل للإدراك، إدراك الاحتياجات والعمل على توفيرها.
نحن بحاجة إلى مراجعات إذا كنا نعتقد أننا قد وصلنا إلى طرق مسدودة، فلنتساءل ما الذي أوصلنا إلى هذا؟ نحن بحاجة إلى أن نتحرك كأمّة.. كمشروع إلى الأمام مرة ثانية، نفتح الآفاق، وقد نكون نحن الذين سددنا الطريق وأوقفنا التطور؟ كثير من القضايا تحتاج إلى إعمال العقل مرة أخرى. أنا لا أستطيع أن أعدل عقول الآخرين، لكنني أستطيع أن أعمل الجزء الذي يخصني من المعادلة حتى أكون متسقاً مع ذاتي ومع وجودي ومع كينونتي، ورب العزة يقول على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- مخاطبا الكافرين: «وإنّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين»، الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يكون على ضلال مبين، لكننا هنا أمام تسوية في مساحة التفكير أي نحن سنراجع ما نفعله وأنتم تراجعون ما تفعلونه، فالكل قابل أن يخطئ وقابل أن يصيب كونه بشرا ونراجع وننظر، اليوم العقل المسلم يقول لك: «لا» نحن لم نخطئ في شيء، هذه الأمور حدثت لأن الكفار تكالبوا علينا، نحن استجاباتنا صحيحة وبالتالي على الواقع الخارجي أن يتغير، وهم عليهم أن يغيروا سلوكياتهم لكننا نسير في الطريق الصحيح، فلو تمادينا في هذا النوع من التفكير لن يتضرر الطرف الآخر، الطرف الآخر منتصر والذي يعمله ناجح بالنسبة له، فهو يتقدم ويزداد قوة ويزداد سيطرة على الأرض والمقدرات والأرزاق، ونحن نتراجع وننكسر ونهان ونضرب وما إلى ذلك.
هذه مجتمعات وهي منتصرة تراجع نفسها، وتراجع مساحاتها في التعليم وفي الصحة وفي الطب وفي العسكر وفي الصناعات، وتخشى أن تصل إلى مراحل الانسداد وتراجع استراتيجياتها في الخارج وتراجع استراتيجياتها الاقتصادية وتراجع مساحة العالم وكيف تتم الحركة فيه وتراجع دور القوة الكبيرة والصغيرة والناشئة فيها ونحن نأبى على المراجعة.
أسئلة الواقع
تقول في أحد أجزاء مشروع النهضة: «القادة الذين لا يجيبون على أسئلة الواقع يسمحون بتفجير الأوضاع من حولهم ثم يستنزفون كامل طاقاتهم لإخمادها» ماذا تقصد بذلك؟
نعم عندما ننظر إلى التيارات الإسلامية والسلمية منها تحديداً، نجدها تدخل في الانتخابات وتصل إلى البرلمان وتجد أن القرارات الفعلية غير موجودة في البرلمان، فطاقات أفرادها تستنزف في هذه المساحات، بينما السؤال الحقيقي هو في تناقضها مع الدولة المركزية التي وجدت في المنطقة العربية والإسلامية فيما بعد عمليات (الاستقلال)، فهي إذن لم تحل التناقض الرئيس، ونحن نتكلم عن حركات سلمية، بأنها تقرأ ماذا يريد الطرف الآخر وما الذي يتخوف منها؟
فالحكومات تسد عليهم الباب، ويقولون نحن لا نريد حزباً إسلامياً دينياً، ويقولون سندخل كمستقلين، الدولة تجدهم فازوا كمستقلين، فتدمر العملية السياسية بالكامل، وتقول البرلمان ليس له دور، فيعود الناس الذين هم داخل هذه التنظيمات فيقولون ماذا أنجزتم وما الذي تفعلونه؟ وتعود الأسئلة في الداخل ويبدأ التآكل الداخلي والاصطدام الداخلي وتبدأ هذه المنظمات تفكر في كيفية حل إشكاليات فرعية، في إخراج معتقليها وملاحقة الانشقاقات، وتبدأ الانكسارات الداخلية فتطاردها حتى تحلها، وعندما تحدث قضية كبيرة جداً كتدمير دولة كبيرة مثل العراق، يقول قادة هذا التنظيم لا يوجد لدينا وقت، نحن عندنا الآن مشاكل محلية وعندنا معتقلون وعندنا... وهذه تستنزف طاقاتنا.. فمن الذي خلق الإشكاليات؟ لأن الأسئلة الرئيسة لم يتم الإجابة عليها وذهبنا في إجابات فرعية، والإجابات الفرعية ولدت مشاكل، أصبحنا نطفئ حرائق، وبدأت تمر الأحداث الكبيرة ونحن مشغولون بإطفاء الحرائق الصغيرة هنا وهناك، هذا الآن مشهد متكرر أينما ذهبت.
السؤال كيف نخرج ونوجد ملاءمة حقيقية بيننا وبين الواقع الخارجي لا يستنزف طاقات الدول في أن تطارد الإسلاميين متشككة في نواياهم، لأنه من حق الدول أن تخاف، عندما تكون الفكرة الرئيسة في الأدبيات الإسلامية أن هذه الدولة الفاسدة وأنشأها الاستعمار، وأن الحكام هم عملاء الاستعمار فمن حق الآخرين أن يصابوا بالرعب ويحاولوا وقف الخطر الآتي وينشئوا الأجهزة ويستنزفوا أموال الدولة في متابعة هذه الظواهر، وفي الوقت نفسه عندما يصادرون طاقات هؤلاء الشباب هم يصادرون أفضل طبقات المجتمع، فالمجتمع يصبح فيه استنزاف مالي، وطاقات من داخل الدولة، وفي الطاقات الشابة التي كان يمكن أن ينتفع بها بمساحات مختلفة سواءً كان عبر إقصائها عن مناصب الفعل أو إدخالها في السجون والمعتقلات.
هذا التآكل يحتاج إلى مراجعة، نحن جربنا هذا الحل نحن والحكومات, وأدى هذا الأمر إلى خسائر على الطرفين، وزاد ضعف المجتمعات ضعفاً على ما هي عليه، فكيف نوجد ملاءمة حقيقية ومصالحة مع الذات أولاً، ومع الذات الرسمية «الحكومات»، ومع الذات الاجتماعية «مذاهب، أعراف، اجتهادات مختلفة»، ومصالحات إقليمية عالمية. لكن للأسف لا توجد عندنا جرأة للمراجعة، بل عندنا آليات داخلية لقمع المراجعات.
قراءة المستقبل
تدعو إلى مراجعات حقيقة، لكن ما الحل والبديل في نظرك؟ كيف تنظر إلى المستقبل؟
المستقبل الذي نطلبه لا يبدو غريباً عما تطلبه الأمم الأخرى، فإذا نظرنا مثلاً إلى الاستراتيجيات العالمية في الولايات المتحدة الأميركية، لو قرأت وثيقة الرئاسة الأميركية، ربما آخر وثيقة قرأتها في عهد كلينتون، تجد أنها تنص على عدة واجبات على الرئيس:
المسألة الأولى: يجب أن يحافظ الرئيس على المنظومة القيمية الغربية، فلو حذفت «الغربية» ووضع بدلاً منها «الإسلامية»، لاتسقت العبارة.
المسألة الثانية: المحافظة على رفاه ونمو المجتمع الأميركي، فلو حذفت «المجتمع الأميركي» ووضعت أي أمة أخرى لأدت نفس الغرض.
المسألة الثالثة: المحافظة على مصالح الولايات المتحدة الأميركية وتشكيل العالم باتجاه خدمتها، كالمحافظة على الأسواق العالمية، وفتح أسواق جديدة للولايات المتحدة الأميركية وعندهم هدف خاص وهو رعاية إسرائيل كدولة. يمكنك أن تتكلم عن رعاية فلسطين كمجتمع ودولة وجزء من الأمة الإسلامية.
على هذا الأساس نحن لسنا غريبين عن هذه القضايا التي تشغل كل المجتمعات التي تريد تحقيق مثل هذه الأشياء، فعلى مستوى المستهدفات ليس لدينا هدف غريب عن الأهداف العالمية، أو على مستوى التنمية، العالم يتكلم عن مستويات، مستوى البنية الفوقية في المجتمعات التي هي النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاكمة، يتكلم عن البنية التحتية للشوارع والمرافق والأبنية المختلفة في المجتمعات التي نريدها، ويتكلم عن البنية المعرفية الموجودة في المجتمع وتحتاج إلى تطوير.
كيف نخطط لذلك ونعمله أيضاً؟ لسنا في حاجة إلى شيء سحري، فاليوم نحن نتكلم عن مساحة المعرفة، فإما أن ننتجها بالكامل عن طريق اقتحام مساحات جديدة أو أن نفعل ما يسمى بالهندسة العكسية بأن تنظر إلى ما أُنتج وتعيد تكتيكه وهضمه, ثم بعد ذلك اقتحام مساحات جديدة من المعرفة، فمثلاً الصواريخ موجودة في العالم، في إيران أو كوريا الشمالية، وكانوا قد اشتروا صواريخ من الصين ومن الاتحاد السوفيتي وأعادوا تقنيتها وهضموا المعرفة فيها وبدؤوا في تطوير مساحات كانوا يجهلونها كمساحة العلوم النووية، ووضعوا أقدامهم عليها وانطلقوا في البحوث الموجودة فيها وأنشؤوا لها المعارف، والصراع العالمي اليوم على وقف إنتاج المعرفة في هذه الجوانب.

التعليقات
أضف تعليقاً